كيف وضعت باكستان نفسها في مركز إدارة الأزمات العالمية على خلفية الحرب الأمريكية ضد إيران؟

على مسرح دبلوماسية الشرق الأوسط عالي المخاطر اليوم، حيث يحجب دخان الضربات الجوية النشطة آثار الحرب، وتقلب أسواق الطاقة العالمية الخط الفاصل بين الحرب والسلام، ظهرت باكستان في في دائرة الضوء كبطل غير متوقع.

إن باكستان، الدولة المسلحة نووياً، والتي تم تصويرها لفترة طويلة من خلال عدسة الهشاشة الاقتصادية والتقلبات السياسية والتوترات الأمنية المتصاعدة على طول حدودها الغربية مع أفغانستان التي تحكمها حركة طالبان، قد وضعت نفسها الآن كوسيط محتمل بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك بعد أن ظهرت في المقترح الأمريكي كمكان محايد للمفاوضات وجهاً لوجه بين إدارة ترامب والقيادة الإيرانية.

بالنسبة لباكستان، فإن المكافآت المحتملة للوساطة الناجحة هي فوائد وجودية وليست رمزية فقط، فالهدف المباشر هو الاستقرار الاقتصادي، كما تأمل باكستان، من خلال وضع نفسها كشريك لا غنى عنه لواشنطن في كل من مسرحي الشرق الأوسط وجنوب آسيا، في تحويل الأهمية الجيوسياسية إلى ثقة المستثمرين ومساحة للتنفس المالي

إذا تحقق مثل هذا الاجتماع، فإن ذلك لن يكون إشارة فقط إلى توقف مؤقت في الصراع الذي أدى إلى زعزعة استقرار أسواق الطاقة العالمية وزيادة المخاوف من نشوب حرب إقليمية أوسع نطاقاً، بل سوف يكون أيضاً بمثابة إعادة صياغة للمكانة الاستراتيجية لباكستان، وتحويلها من دولة يُنظر إليها غالباً باعتبارها عائقاً أمنياً إلى مركز دبلوماسي في مركز إدارة الأزمات العالمية.

محور أنشأته الضرورة

في حواره مع ميدل إيست آي، قال مسؤول أمني مقيم في إسلام أباد، اشترط عدم الكشف عن هويته، بأن تسهيل الحوار هو استراتيجية للحفاظ على الذات، حيث لا تستطيع البلاد تحمل التداعيات الاقتصادية والأمنية لحرب طويلة الأمد، لذا، بالنسبة لإسلام أباد، فإن التحرك لتسهيل المحادثات لا تحركه الطموحات الجيوسياسية الكبرى بقدر ما تحركه الضرورات الاقتصادية والأمنية الصارخة.

تشهد باكستان انتعاشاً اقتصادياً محفوفاً بالمخاطر في ظل شروط صندوق النقد الدولي الصارمة، حيث أدى تصاعد الأعمال العدائية المتعلقة بإيران إلى ارتفاعات حادة في أسعار النفط وتفاقم انعدام أمن الطاقة في مختلف أنحاء آسيا، مما أثر بشكل غير متناسب على اقتصاد باكستان الهش.

ويحذر المسؤولون الباكستانيون من أن البلاد تواجه خطراً حاداً يتمثل في نقص الغاز الطبيعي المسال في الأسابيع المقبلة إذا لم يتم تأمين شحنات إضافية، وقد يؤدي انقطاع تدفقات الطاقة الخليجية لفترة طويلة إلى دفع باكستان إلى أزمة أعمق في ميزان المدفوعات.

الجغرافيا تفاقم الحاجة الملحة

وتشترك كل من باكستان وإيران في حدود وعرة يبلغ طولها 900 كيلومتر، كانت تاريخياً بمثابة قناة للحركات المسلحة الانفصالية والشبكات المسلحة العابرة للحدود الوطنية وطرق التهريب، واليوم، يهدد الصراع الإقليمي المتسع بزعزعة استقرار المناطق الحدودية المضطربة بالفعل، حيث تكون سلطة الدولة الباكستانية متفاوتة في أفضل تقدير.

هناك أيضاً عامل التركيبة الطائفية الداخلية في باكستان، فعدد السكان الشيعة يقدر بما يتراوح بين 15 و20% من سكانها البالغ عددهم أكثر من 240 مليون نسمة، وهي أكبر طائفة خارج إيران، ولذلك تظل إسلام آباد حساسة للغاية تجاه التطورات في طهران، حيث أدى مقتل المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي في بداية الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران إلى احتجاجات دامية في العديد من المدن الباكستانية، مما يؤكد مدى سرعة انعكاس أزمات الشرق الأوسط على المستوى المحلي. 

ويظل احتمال امتداد الحرب الإيرانية عبر الحدود أو إشعال التوترات الطائفية في الداخل مصدر قلق ملح على الأمن القومي بالنسبة لصانعي السياسات في إسلام أباد.

من ناحية أخرى، تتزايد الضغوط الخارجية، فباكستان تحتفظ بعلاقات استراتيجية وثيقة مع شركائها في الخليج، وخاصة السعودية، حيث تقوم القوى الإقليمية بمعايرة ردودها على التصرفات الإيرانية حول نقاط التفتيش البحرية الحيوية مثل مضيق هرمز، وقد كان التفاهم الأمني ​​المتبادل الذي تم التوقيع عليه مع الرياض في سبتمبر الماضي، والذي يرتكز على مبادئ الدفاع الجماعي، قد أدى إلى تكثيف التكهنات بأن باكستان قد تواجه طلبات للحصول على الدعم العسكري في حالة تصاعد الصراع.

ويشير محللون أمنيون إلى أن مجال المناورة المتاح لإسلام أباد سوف يكون محدودا في مثل هذا السيناريو، حيث أكد الأستاذ المشارك في الدراسات الأمنية والاستراتيجية في كلية الدفاع الوطني في الإمارات، زاهد شهاب أحمد، لميدل إيست آي في وقت سابق من هذا الشهر، بأن باكستان لا تزال في “وضع الاستعداد” وسوف تكافح من أجل رفض المساعدة إذا استندت السعودية رسمياً إلى التزاماتها الثنائية.

وعلى اكس، كتب مايكل كوجلمان، المحلل المقيم في واشنطن: “من الواضح أن باكستان، التي تقع على أعتاب الحرب، تفضل اتخاذ خطوات تهدف إلى المساعدة في إنهاء الحرب وعدم الانجرار إليها”.

في الوقت نفسه، تظل الحدود الغربية لباكستان تحت ضغط مستمر من هجمات المتشددين الإسلاميين التي تنطلق من الأراضي الأفغانية التي تسيطر عليها حركة طالبان، في حين يستمر التمرد الانفصالي المستمر في الغليان في الإقليم الجنوبي الغربي المتاخم لإيران.

بناء على تلك الخلفية، فقد قامت القيادة المدنية والعسكرية الباكستانية، المنقسمة حول مسائل السياسة الخارجية، بتحالف نادر لأخذ البلاد إلى دور دبلوماسي وسط مخاوف من أن حملة “الضغط الأقصى” التي تمارسها واشنطن قد تشعل حريقاً إقليمياً أوسع.

المشير المفضل لدى ترامب

في قلب هذه المبادرة الباكستانية، توجد قناة دبلوماسية شخصية شكلتها المؤسسة العسكرية الباكستانية القوية، حيث برز المشير سيد عاصم منير، قائد الجيش، كشخصية محورية، بعد اكتسابه شهرة دولية واضحة منذ المواجهة العسكرية القصيرة بين باكستان والهند العام الماضي، كما أنه من المفهوم أن لديه علاقة عمل وثيقة مع الرئيس دونالد ترامب، الذي أشاد به علناً ووصفه بأنه “المشير المفضل لديه”.

أما من الناحية المؤسسية، فيحتفظ الجيش الباكستاني بقنوات اتصال قائمة مع الحرس الثوري الإسلامي الإيراني، القوة المسؤولة عن الكثير من الموقف العسكري الخارجي لطهران، ورغم محدودية هذه العلاقات، إلا أنه يُنظر إليها في إسلام أباد على أنها قنوات محتملة لنقل رسائل وقت الأزمات.

تاريخياً، كانت دول الخليج المستقرة والغنية نسبياً مثل عمان وقطر هي التي تهيمن على دبلوماسية الباب الخلفي بين الولايات المتحدة وإيران تهيمن عليها دول الخليج، ومع ذلك، يرى المحللون أن اللحظة الحالية ونقص الوقود العالمي والمخاطر النظامية المتزايدة، تستدعي محاوراً له مصالح مباشرة في مسار الحرب.

ويؤكد المسؤولون الباكستانيون في أحاديثهم الخاصة أن المزيج الفريد الذي تتمتع به إسلام أباد من التنوع الطائفي والقرب الجغرافي والمصداقية العسكرية، عوامل تمكّنها من العمل كميسر على نحو لا تستطيع ممالك الخليج ذات الأغلبية السنية محاكاته بالكامل.

في حديثه لميدل إيست آي، قال قرة العين الشيرازي، وهو صحفي مقيم في إسلام أباد يغطي السياسة الخارجية الباكستانية على نطاق واسع: “تستضيف باكستان ثاني أكبر عدد من السكان المسلمين الشيعة على مستوى العالم، ويقدر عددهم بحوالي 40 مليون شخص، مما يخلق روابط ثقافية ودينية عميقة مع إيران، وفي الوقت نفسه، فإن وضع باكستان كدولة مسلحة نووياً ولا تستضيف قواعد عسكرية أمريكية دائمة قد يجعلها مكاناً مقبولاً سياسياً أكثر لدى طهران”. 

من جهة أخرى، فإن التعاون الدفاعي الأخير بين باكستان والسعودية يعزز مصداقية باكستان في الرياض وواشنطن، في حين أن دورها الطويل الأمد كممثل دبلوماسي لإيران في الولايات المتحدة، وإدارة قسم مصالح طهران منذ ثورة 1979، حافظ على مستوى عالٍ من الثقة.

رسائل إستراتيجية

رغم التكهنات المتزايدة في وسائل الإعلام، لم يكن هناك تأكيد رسمي من واشنطن أو طهران أو إسلام آباد فيما يتعلق باحتمال إجراء محادثات سلام مباشرة، فقد اعتمدت الكثير من التقارير حتى الآن على مصادر حكومية وعسكرية مجهولة في البلدان الثلاثة، كما أشارت وسائل إعلام دولية كبرى إلى أن باكستان تستكشف الترتيبات اللوجستية لاجتماع محتمل يضم مسؤولين كباراً من الولايات المتحدة وإيران.

وفقاً لتقارير نقلاً عن مصادر في الإدارة الأمريكية، تعمل واشنطن على ترتيب مناقشات في باكستان لاستكشاف “مخرج خارجي” للخروج من الصراع، فيما تشير روايات إعلامية أخرى إلى أن المقترح الأمريكي متعدد النقاط الذي يهدف إلى إنهاء الأعمال العدائية ربما تم نقله إلى السلطات الإيرانية عبر وسطاء باكستانيين.

تشير التفاصيل المنسوبة إلى المسؤولين الباكستانيين إلى أن الاقتراح يمكن أن يشمل تخفيف العقوبات بشكل محسوب وتراجع عناصر البرنامج النووي الإيراني والقيود المفروضة على تطوير الصواريخ وآليات لضمان إعادة فتح مضيق هرمز، وهو ممر بحري يمر من خلاله ما يقرب من 5 شحنات النفط العالمية.

من جانبها، أوضحت إيران شروطها من خلال القنوات الإعلامية الرسمية، والتي تشمل وضع حد لعمليات القتل المستهدف للمسؤولين الإيرانيين وتقديم ضمانات ضد المزيد من الضربات العسكرية وتعويضات الحرب ووقف شامل لإطلاق النار والاعتراف بسلطة طهران السيادية على مضيق هرمز.

وقد أشارت التقارير الدبلوماسية الواردة من العديد من المطبوعات الغربية إلى أن مسؤولين كبار من الولايات المتحدة وإيران وباكستان قد شاركوا في تبادلات غير مباشرة من خلال المبعوث الأمريكي الخاص ستيف ويتكوف ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، في اتصالات تتم عبر الوساطة وليست مباشرة، وهو ما يسلط الضوء على انعدام الثقة العميق بين الولايات المتحدة وإيران.

للمرة الأولى منذ عقود، لا يُنظر إلى باكستان على أنها مجرد نقطة انطلاق للصراعات الخارجية، بل بات ينظر لها كمكان محتمل قد يبدأ منه وقف التصعيد

من ناحية أخرى، اعترف وزير الخارجية الباكستاني، إسحاق دار، بأن قنوات الاتصال غير المباشرة كانت نشطة بالفعل، وحث وسائل الإعلام على تجنب “التكهنات غير الضرورية”، مشدداً على أنه يتم نقل الرسائل عبر إسلام آباد كجزء من جهد دبلوماسي أوسع يشمل “الدول الشقيقة” مثل تركيا ومصر.

وقد اكتسبت التقارير عن المفاوضات المحتملة زخماً لأول مرة بعد أن ادعى ترامب على وسائل التواصل الاجتماعي بأن المناقشات مع طهران جارية وأن القرارات المتعلقة بالضربات المحتملة على البنية التحتية للطاقة الإيرانية قد تم تأجيلها مؤقتاً.

من جانبها، نفت إيران علناً إجراء مفاوضات رسمية، رغم أن التعليقات اللاحقة من الدوائر الدبلوماسية الإيرانية أشارت إلى أن إسلام آباد يمكن أن تظهر كواحدة من عدة أماكن محتملة، في حالة انعقاد المحادثات.

مخاطر عالية ولكن نتائج واعدة

رغم الإشارات المتفائلة من إسلام أباد، إلا أن الطريق إلى أي اجتماع رفيع المستوى يظل محفوفاً بالعقبات، فبحسب أستاذ العلاقات الدولية الفخري في جامعة القائد الأعظم في إسلام آباد، اشتياق أحمد: “باكستان هي الأقرب إلى التداعيات المحتملة للصراع، وتظل معرضة اقتصادياً لعدم الاستقرار في الخليج، مما يمنحها الحافز والإلحاح للضغط من أجل وقف التصعيد”.

من جهة أخرى، فقد رفضت السلطات الإيرانية التقارير التي تتحدث عن مفاوضات مباشرة وشيكة ووصفتها بأنها معلومات مضللة تهدف إلى التأثير على الأسواق المالية، فرغم اعترافها بتلقي رسائل عبر “الدول الصديقة”، تصر طهران على أن المحادثات الجوهرية تتطلب تنازلات شاملة، بما في ذلك ضمانات ضد العمل العسكري في المستقبل والاعتراف بمصالح إيران الاستراتيجية في الخليج.

هناك أيضا مسألة التجاوز، حيث تحاول باكستان التوسط في مواجهة تشمل القوى العالمية الكبرى في وقت تواجه فيه صراعات متزامنة على طول حدودها واقتصاد لا يزال يعتمد على الدعم المالي الخارجي، حيث أشار المسؤول الأمني ​​الباكستاني إلى أن “الاعتماد على العلاقات الشخصية مع ترامب الذي لا يمكن التنبؤ به يزيد من تعقيد الحسابات”، مشيراً إلى مدى السرعة التي يمكن أن تتغير بها ديناميكيات واشنطن.

بالنسبة لباكستان، فإن المكافآت المحتملة للوساطة الناجحة هي فوائد وجودية وليست رمزية فقط، فالهدف المباشر هو الاستقرار الاقتصادي، كما تأمل باكستان، من خلال وضع نفسها كشريك لا غنى عنه لواشنطن في كل من مسرحي الشرق الأوسط وجنوب آسيا، في تحويل الأهمية الجيوسياسية إلى ثقة المستثمرين ومساحة للتنفس المالي.

أما على الصعيد المحلي، فإن المخاطر مرتفعة بنفس القدر، فالحرب المطولة المرتبطة بإيران تهدد بتفاقم التوترات الطائفية وتعميق نقص الطاقة وتقويض هياكل الحكم الهشة.

ومع ذلك، حتى لو فشل ما يسمى “انفتاح إسلام آباد” في التوصل إلى تسوية شاملة، فقد حدث تحول كبير بالفعل، حيث أظهرت باكستان قدرة غير متوقعة على إقحام نفسها في قلب الحسابات الاستراتيجية العالمية بسرعة وطموح نادراً ما شهدتهما في تاريخها الدبلوماسي الحديث.

وللمرة الأولى منذ عقود، لا يُنظر إلى باكستان على أنها مجرد نقطة انطلاق للصراعات الخارجية، بل بات ينظر لها كمكان محتمل قد يبدأ منه وقف التصعيد.

للاطلاع على النص الأصلي من (هنا)

مقالات ذات صلة