بقلم دانيا ظافر وروب غيست بينفولد
ترجمة وتحرير مريم الحمد
لقد ضربت إيران كل دولة خليجية بالصواريخ والطائرات بدون طيار، ومع ذلك ظلت أغنى دول المنطقة وجيوشها القوية سلبية تجاه الأمر، فقد كان لديهم الكثير من التحذيرات بأن الحريق قادم، حيث أمضى المحللون أسابيع في التكهن بالتوقيت الذي سوف توجه فيه الولايات المتحدة وإسرائيل الضربة، في حين هددت القيادة الإيرانية بفتح ما أسمته “الجحيم” على المنطقة مقابل ذلك.
في النهاية، نفذ الجانبان تهديداتهما، حيث بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب، في حين قامت إيران بتوسيعها من خلال ضرب أهداف مدنية مختلفة مع البنية التحتية في كل دولة من دول مجلس التعاون الخليجي.
تركز كل دولة من دول مجلس التعاون الخليجي على إنهاء اعتمادها المفرط على الطاقة من خلال تنويع مصادر دخلها، فحتى لو انخفض عدد الهجمات، فإن طائرة واحدة بدون طيار أو صاروخ واحد كثيرة للغاية، لأنها يمكن أن تمنع السياح والمستثمرين
والسؤال هنا، لماذا إذن ظلت دول مجلس التعاون الخليجي تركز على الدفاع والسيطرة على الأضرار؟ الجواب هو أنه على الرغم من تعرضهم لضغوط غير مسبوقة، إلا أن حساباتهم الاستراتيجية تظل دون تغيير إلى حد كبير، فهم ربما غاضبون من إيران، ولكنهم، كما كانت الحال قبل الحرب، يدركون أن الخيارات الجيدة المتاحة لهم “لليوم التالي” قليلة.
على المستوى الاستراتيجي، تنقسم إسرائيل ودول الخليج بشكل أساسي حول الشكل الذي يجب أن تبدو عليه إيران ما بعد الحرب، حيث تفضل دول الخليج إنهاء الحرب بسرعة وبأقل قدر من التعطيل، فيما تريد إسرائيل حرباً طويلة وتسامحاً مع الفوضى.
وعلى الرغم من اختلاف السيناريوهات المحتملة، إلا أن هناك قواسم مشتركة بين الجانبين، أولاً، سواء سقط النظام الإيراني أم لا، تعتقد دول الخليج أن النتيجة سوف تكون على الأرجح المزيد من الفوضى وعدم الاستقرار.
أما السبب الثاني فهو يتمحور حول الخشية من أن يؤدي الصراع إلى تمكين إسرائيل من إعادة النظر في المنطقة وانتهاكها لمنطقة الخليج، ولهذا السبب مارست دول مجلس التعاون الخليجي ضغوطاً قوية ضد الحرب، وهذا يفسر سبب محاولة دول الخليج الآن شراء الوقت من خلال الالتزام باستراتيجية دفاعية.
النتيجة المرجوة
إن النتيجة الأكثر ملاءمة لدول مجلس التعاون الخليجي هي نهاية سريعة للصراع بعد قطع رأس القيادة العليا في إيران، فبالنسبة لدول الخليج، يعد النظام الداخلي الإيراني أقل أهمية بكثير من مشروعها الإقليمي المتمثل في “محور المقاومة” الذي نصبت نفسها بنفسها.
وبناء على ذلك، فإن أي قيادة “نفسها ولكن مختلفة” سوف يتعين عليها أن تعمل بشكل كبير على تخفيف المغامرات العسكرية الإيرانية ولا شيء آخر، ويمكن لهذه النتيجة أيضاً أن تخفف من الفوضى التي تربطها دول الخليج بتغيير أكثر تحولاً في النظام، فمن شأن كل ذلك أن يسمح لدول مجلس التعاون الخليجي بالعودة بسرعة إلى الوضع الراهن وإعادة فتح الأعمال التجارية وإعادة تأسيس الحوار مع طهران.
ويعني ذلك باختصار، أنه يمكن لدول الخليج العودة إلى استراتيجية ما قبل الحرب دون الاضطرار إلى طرح العديد من الأسئلة الصعبة حول تصوراتها ووصفاتها السياسية.
وتظل المشكلة أن هناك عوائق كبيرة تحول دون تحقيق هذه النتيجة، فقطع الرأس وحده لا يحقق الأهداف الإسرائيلية والأمريكية، فقد تفاخر الرئيس دونالد ترامب بأن الولايات المتحدة لم تقتل العديد من الشخصيات الرئيسية من القيادة الإيرانية الحالية فحسب، بل قتلت خلفاءهم المحتملين أيضاً.
وفي نظر واشنطن، فإن أحد الحلول النهائية المعقولة هو التوصل إلى اتفاق يلزم إيران بتفكيك برنامجها النووي وترسانتها من الصواريخ الباليستية، ورغم أنه بات من المرجح الآن أكثر من أي وقت مضى بأن الإيرانيين سوف يقاومون التخلي عن صواريخهم الباليستية نظراً لاستخدامها بكثرة في الصراع المستمر، إلا أن العائق الأكبر أمام هذا السيناريو يظل إسرائيل.
في الظاهر، يبدو أن النهج الذي تتبناه إسرائيل يسعى إلى تحقيق نفس النتيجة، وهي نزع سلاح إيران وتحييدها من خلال مسار مختلف يتطلب ما هو أكثر من مجرد قطع الرأس، فقد صرح رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو صراحة بأن إسرائيل سوف تعتبر أي تعديل للقيادة الإيرانية غير كافٍ، وهدفها هو زعزعة الاستقرار المؤسسي التراكمي، والمصممة لتقويض قدرة إيران على تهديد خصومها بشكل مطرد.
إن القاسم المشترك بين الولايات المتحدة وإسرائيل هو الوصول لإيران غير قادرة على تشكيل تهديد للمصالح الإسرائيلية أو الأمريكية، ومع ذلك، يظل تحقيق هذه النتيجة أمراً غير مؤكد على الإطلاق، ومن المرجح أن يتطلب مواجهة مطولة ومزعزعة للاستقرار.
احتراق بطيء
أما النتيجة المحتملة الثانية فهي أقل احتمالاً من سيناريو “اليوم التالي” ولكنها تثبت إدامة الصراع الحالي في شكل بطيء الاحتراق، أشبه بالحال في غزة، فحتى لو أُعلن وقف إطلاق النار، فإنه سوف يكون وقفاً لإطلاق النار بالاسم فقط، وفي الفترات الفاصلة بين سلسلة من المواجهات، قد يتصاعد العنف على مستوى منخفض ولكنه لن يهدأ تماماً، مع تكرار التبادلات المتبادلة بين إسرائيل والولايات المتحدة وإيران.
ومن المؤكد أن القيادة الإيرانية سوف تجري تعديلات وزارية، نظراً للضرر الذي أحدثته الولايات المتحدة وإسرائيل بالفعل، ولكنها لن تعيد النظر في استراتيجيتها الكبرى، وسوف تستمر في ضرب دول مجلس التعاون الخليجي لدفع الولايات المتحدة نحو وقف إطلاق النار.
تنظر كل من إسرائيل ودول مجلس التعاون الخليجي إلى هذا السيناريو من قطبين استراتيجيين متقابلين، بالنسبة لدول الخليج، هذا هو السيناريو الأسوأ، فهم يائسون لتجنب الصراع وعدم تحول الفوضى إلى حقيقة إقليمية، حيث تركز كل دولة من دول مجلس التعاون الخليجي على إنهاء اعتمادها المفرط على الطاقة من خلال تنويع مصادر دخلها، فحتى لو انخفض عدد الهجمات، فإن طائرة واحدة بدون طيار أو صاروخ واحد كثيرة للغاية، لأنها يمكن أن تمنع السياح والمستثمرين.
علاوة على ذلك، فإن التهديد المستمر لدول مجلس التعاون الخليجي يمكن أن يزيد من أسعار النفط ويزيد من تعطيل إنتاج الطاقة، كما سوف يتعين على دول الخليج أن تظل في حالة تأهب قصوى مستمرة، عالقة بين طرفين متحاربين أثناء محاولتها وقف التصعيد، في حين تتحمل وطأة الهجمات في حرب لا تريدها.
على العكس من ذلك، فهذه هي النتيجة المثالية لإسرائيل، فعلى عكس دول الخليج، إسرائيل ليست على مقربة جغرافية من إيران ولا تشترك في الحدود البحرية، ونتيجة لذلك، فإنها لديها قدرة أعلى لتحمل المخاطر.
إن القدرة على “قص العشب” بشكل دائم من خلال ضربات منتظمة ضد إيران، بدلاً من الاضطرار إلى محاربة وكلاء طهران في الجوار، من شأنها أن تمنح إسرائيل العمق الاستراتيجي الذي تتوق إليه، على عكس دول الخليج، التي قد تعيش في صراع دائم على الجبهة الداخلية.
كشف هذا عن حقيقة غير مريحة لقادة الخليج، وهي أنه عندما تتصادم المصالح الإسرائيلية مع مصالح مجلس التعاون الخليجي في واشنطن، تتبوأ إسرائيل مكانة أعلى في التسلسل الهرمي للتحالفات الأمريكية، وقد صرح وزير الخارجية ماركو روبيو بهذا حين قال بأن الولايات المتحدة قامت بتوقيت هذه الحرب لتتماشى مع خطط إسرائيل
الحقيقة أن هذا قد يكون هو الوضع الراهن الجديد بالفعل، لأن نتنياهو ادعى أن إسرائيل شلت البرنامج النووي الإيراني في الحرب التي استمرت 12 يوماً في يونيو الماضي، ثم استحضر نفس التهديد المزعوم لتبرير الموجة الحالية من الضربات.
صندوق باندورا
أما السيناريو الثالث فيمكن تسميته بصندوق باندورا لأنه الأسوأ، ويتمثل بانهيار الجمهورية الإسلامية، دون معرفة كيف بالضبط سيحدث هذا، فمن وجهة نظر دول مجلس التعاون الخليجي، من المرجح أن هذا السيناريو لا يبدو أفضل من الثاني وقد يكون أكثر زعزعة للاستقرار. ومع ذلك، فإنه يحمل أيضاً احتمالاً ضيقاً، وإن كان غير مؤكد، للتوصل إلى نتيجة أكثر إيجابية، في حالة ظهور نظام أقل عدائية في طهران في نهاية المطاف.
إن عجز إدارة ترامب عن تحديد الشكل الذي قد يبدو عليه “اليوم التالي”، وكيفية الوصول إلى هناك، لا يساعد في اللحظة الراهنة، ولأن هناك 1 فقط من كل 4 أمريكان ناخبين يؤيدون الصراع حالياً، فمن غير المرجح أن يتم نشر قوات برية، كما أنه لا توجد جماعة مسلحة مناهضة للنظام داخل إيران يمكنها الاستيلاء على السلطة.
ويُظهر التاريخ بشكل ساحق، سواء في العراق أو ليبيا أو أفغانستان، بأن الانهيار الكامل للنظام المرتبط بالتدخل الخارجي غالباً ما يتبعه سنوات من الحرب الأهلية والفوضى.
في حالة سوريا التي كانت مدفوعة إلى حد كبير بقوى داخلية، كانت النتيجة الأكثر تفاؤلاً بعد سقوط نظام الأسد، حيث اقتربت الحكومة الجديدة من دول الخليج العربي واعتمدت موقفاً أقل تصادماً تجاه إسرائيل، ومع ذلك، في حين أن حكومة ما بعد الانهيار في إيران والتي تتبنى موقفاً إقليمياً أقل عدائية أمر ممكن من الناحية النظرية، إلا أن هذا الاحتمال غير مرجح نظراً لحجم البلاد وبنيتها السياسية ومؤسساتها الأمنية الراسخة.
لا توجد نهاية مثالية لدول الخليج
إن سيناريوهات “اليوم التالي” الثاني والثالث المذكورين أعلاه، وهما نتيجة مثالية لإسرائيل، سوف يتركان دول الخليج محاطة بثلاث دول هشة وغير مستقرة على الدوام وهي اليمن والعراق والآن إيران.
قبل أن تشرك عملية “الغضب الملحمي” جميع دول الخليج في دورة تصعيد واحدة، ضرب الحوثيون المتمركزون في اليمن السعودية والإمارات في عام 2022، كما قصفت كل من إيران وإسرائيل قطر في عام 2025.
آخر ما تريده دول الخليج هو إدامة عدم الاستقرار، ولكن الآن أيضاً أطلقت إيران والميليشيات المتحالفة معها في العراق طائرات بدون طيار وصواريخ باتجاه القواعد الأمريكية عبر الخليج، وقد كشف هذا عن حقيقة غير مريحة لقادة الخليج، وهي أنه عندما تتصادم المصالح الإسرائيلية مع مصالح مجلس التعاون الخليجي في واشنطن، تتبوأ إسرائيل مكانة أعلى في التسلسل الهرمي للتحالفات الأمريكية، وقد صرح وزير الخارجية ماركو روبيو بهذا حين قال بأن الولايات المتحدة قامت بتوقيت هذه الحرب لتتماشى مع خطط إسرائيل.
ليس لدى زعماء الخليج أي اهتمام يذكر بالانضمام إلى ما يعتبرونه حرباً تخوضها إسرائيل، وما زالوا غير مقتنعين بأن الولايات المتحدة قادرة أو راغبة في تقييد إسرائيل، وهذا يوضح سبب استمرار دول الخليج في التركيز على العمليات الدفاعية بدلاً من العمليات الهجومية، حتى في الوقت الذي تقوم فيه إيران بتصعيد الصراع.
إن تاريخ دول الخليج في مواجهة منافسين إقليميين متنافسين يقدم درساً وثيق الصلة بالموضوع، فخلال الثمانينيات والتسعينيات، سعت دول مجلس التعاون الخليجي إلى التخفيف من آثار التطورات بين العراق وإيران على حد سواء، حيث عارض العديد من زعماء الخليج غزو العراق عام 2003، ليس لأنهم دعموا صدّام حسين، بل لأنهم كانوا يخشون من أن يؤدي تغيير النظام إلى فوضى وفراغ تملؤه إيران الفراغ وقد كانوا على حق.
ليس من المستغرب إذن أن يخشى معظم قادة الخليج الآن من أن الإطاحة بالجمهورية الإسلامية لن تجلب الهدوء، بل وقد يؤدي ذلك إلى إزالة آخر قيد رئيسي أمام سعي إسرائيل التعديلية للهيمنة الإقليمية.
للاطلاع على النص الأصلي من (هنا)







