مبادرات اجتماعية في طهران: محاولة لمقاومة العزلة في زمن عدم اليقين

ترجمة خاصة عن موقع ميدل إيست آي

في مساء شتوي مثلج، وبعد نحو أسبوعين على انقطاع الإنترنت على مستوى البلاد، والذي قطع ملايين الإيرانيين بعضهم عن بعض، شققت طريقي وسط ازدحام مروري كثيف في طهران، أشعر بالإرهاق وبإحباط هادئ، لحضور عشاء نظّم عبر تطبيق يُدعى «همنشین» – وتعني الكلمة بالفارسية «الرفيق» أو «الجليس».

خلال الاضطرابات التي اندلعت أواخر ديسمبر 2025 ثم جرى قمعها لاحقًا، كان الوصول إلى المنصة متقطعًا، وكثيرًا ما أُلغيت الفعاليات أو تأجلت، ما جعل أي خطة تبدو غير مؤكدة.

وعندما عادت خدمة الإنترنت بشكل محدود، استأنف التطبيق نشاطه. وبدأت صفحاته على مواقع التواصل الاجتماعي، التي كانت قد شهدت زيادة مطردة في عدد المتابعين قبل حملة قمع عنيفة في يناير، بالإعلان مجددًا عن فعاليات جديدة.

وفي وقت كانت التوترات لا تزال قائمة داخليًا، وبعد أكثر من عام على حربٍ قاسية استمرت 12 يومًا بين إيران وإسرائيل، لوّحت الولايات المتحدة لأسابيع بشنّ ضربات جوية على خلفية البرنامج النووي الإيراني. وخلال الشهرين الماضيين، عاش الإيرانيون على وقع احتمال هجوم وشيك، فقاموا بإحكام إغلاق النوافذ وتخزين الطعام والمياه.

وفي ظل القلق الدائم وعدم اليقين على أكثر من جبهة، باتت اللقاءات الاجتماعية تمثل أكثر بكثير من مجرد نزهات عابرة.

للمراقب الخارجي، قد يبدو «همنشین» شبيهًا بلقاءات التعارف أو نوادي العشاء ذات الطابع الغربي. يسجّل المشاركون عبر التطبيق، ويحددون اهتمامات عامة، ويُقسَّمون بحسب الفئات العمرية تقريبًا، ويدفعون رسومًا قبل حضور الفعالية. وتُقام معظم اللقاءات في مقاهٍ أو مطاعم، وأحيانًا تمتد إلى أنشطة مثل أمسيات الألعاب أو البولينغ أو التنزه.

غير أن هذه اللقاءات في إيران اليوم تحمل دلالات تتجاوز الترفيه. فهي تعكس بحثًا أوسع عن التواصل في مجتمع تتعمق فيه العزلة الاجتماعية.

فالوحدة لم تعد مجرد حالة فردية؛ بل باتت لها جذور بنيوية متزايدة. الضغوط الاقتصادية، والهجرة، وارتفاع معدلات الطلاق، وتأخر الزواج، وتقلص مساحات التفاعل غير الرسمي بين الجنسين، جميعها أعادت تشكيل الحياة اليومية.

وقد ضعفت الروابط الاجتماعية التقليدية – من شبكات العائلة الممتدة إلى صداقات الجامعة ومجتمعات العمل. كما أضافت موجات الاضطرابات الدورية، والحملات الأمنية، وانقطاعات الإنترنت، وظلال الصراع الإقليمي، طبقات جديدة من عدم الاستقرار. وبينما يركز الخطاب الرسمي على الاستمرارية والطبيعية، يظل عدم اليقين جزءًا من المناخ الاجتماعي.

دوائر صغيرة

صادفت المنصة الاجتماعية مصادفة، وسجلت فيها بدافع الفضول.

قبل تلك الأمسية الباردة في منتصف يناير، حضرت عدة لقاءات، بينها عشاءان ووجبة إفطار في وسط المدينة. كان الأول محرجًا، وانزلق سريعًا إلى أحاديث صريحة عن علاقات فاشلة وطلاق. كان الأمر ثقيلًا. أما الثاني فكان أكثر هدوءًا. وعلى النقيض، بدا الإفطار دافئًا وحميميًا.

من بين المشاركين كان جواد، الذي عرّف نفسه بأنه رائد أعمال، واثق، رياضي، ويبدو متماسكًا ظاهريًا. لكن مع تطور الحديث، اتضح أنه هو الآخر يبحث عن رفقة. فالنجاح المهني لم يحمِه من العزلة.

رويا، معلمة لغات ومترجمة، تحدثت بصراحة عن معاناتها مع الاكتئاب. قالت إن الموسيقى كانت ملاذها. وخلال اللقاء، خرجت مرارًا لتدخن، وكانت تعود في كل مرة أكثر هدوءًا. كان معظم الحضور متعلمين وراسخين مهنيًا. لم يكونوا يبحثون عن استعراض، بل عن حديث.

غير أن العشاء الذي تلا انقطاع الإنترنت كشف شيئًا أكثر دقة.

كان المقهى أنيقًا، في حي راقٍ من العاصمة، في تناقض واضح مع الواقع الاقتصادي اليومي في طهران، حيث قد تتغير أسعار السلع من يوم إلى آخر.

على إحدى الطاولات، جلست أم وابنتها لساعات، ترتديان أزياء منسّقة بعناية. وفي الجهة المقابلة، أنهى زوجان شابان وجبتهما سريعًا، ثم غادرا إلى سيارة فاخرة كانت تنتظرهما في الخارج. أصبحت هذه الفوارق الاجتماعية والاقتصادية جزءًا متزايدًا من المشهد الحضري.

على طاولتنا جلس وحيد، في منتصف الأربعينيات، بحديث سلس. تحدث عن تركه وظيفة مستقرة في قطاع الطاقة ليعمل بشكل مستقل في الاستشارات المالية وتداول العملات الرقمية.

في الجهة المقابلة جلست آيدا، أيضًا في الأربعينيات، تحضر للمرة الأولى. مطلقة وتربي ابنة مراهقة، تحدثت عن صداقات تلاشت مع مرور الوقت.

قالت: «الناس يختفون في العمل أو يغادرون البلاد. تدرك فجأة أن دائرتك أصبحت صغيرة جدًا».

تكوين الروابط

في منتصف العشاء، أشار وحيد بإيجاز إلى العنف الأخير الذي هز البلاد. ساد الصمت فجأة. لم يكن صمت اختلاف، بل صمت إرهاق. تحوّلت الأنظار، وسرعان ما تغيّر الموضوع.

لم يعكس الصمت لامبالاة، بل تعبًا. لم يكن اللقاء مخصصًا للنقاش السياسي. ولعدة ساعات، بدا المشاركون حريصين على خلق مسافة عن الأحداث خارج جدران المقهى.

في هذه اللقاءات، لا يبرز الدراما، بل العادية. المشاركون مهندسون ومديرون وموظفون وأصحاب أعمال صغيرة، كثيرون منهم بحضور محدود أو غير نشط على وسائل التواصل الاجتماعي. تدور حياتهم اليومية حول العمل والمسؤوليات، وبشكل متزايد، حول الوحدة.

قال أحد الحضور، يبلغ 43 عامًا ويعمل في شركة خاصة ذات طاقم يغلب عليه الذكور، إنه انضم فقط للتعرف على أشخاص جدد.

وأضاف: «يبدو الأمر بسيطًا، لكنك تغادر وأنت تشعر بخفة. تتذكر أنك ما زلت قادرًا على التواصل».

حتى اللحظات الصغيرة من التأكيد حملت وزنًا ملحوظًا.

على طاولة أخرى، أُحضرت كعكة عيد ميلاد لإحدى المشاركات. كانت لفتة قصيرة، لكنها بدت متأثرة بصدق.

ليست كل الفعاليات تنتهي بعلاقات طويلة الأمد. مجموعات «واتساب» التي تُنشأ بعد اللقاءات غالبًا ما تخمد. ويشير بعض المشاركين إلى مجموعات غير متجانسة أو أمسيات تبدو متكلفة.

قال أحدهم: «أحيانًا تكون ليلة واحدة فقط. تتحدث، ثم يعود كل شخص إلى حياته».

ومع ذلك، تتشكل أحيانًا روابط أقوى.

في أمسية بولينغ، التقيت مشاركين تعارفوا في لقاءات سابقة وطوّروا صداقات وثيقة تدريجيًا. وخلال انقطاع الإنترنت، حافظ بعضهم على التواصل خارج الشبكة. وقالت إحدى المشاركات لاحقًا إن تلك الصداقات ساعدتها على استقرار حالتها المزاجية خلال فترة من عدم اليقين المتصاعد.

إيران أقل ظهورًا

لا يمثل «همنشین» سوى مثال واحد على نمط أوسع. عبر منصات التواصل الاجتماعي، ظهرت مبادرات أصغر مثل ورش الفخار، ودوائر النقاش، ومجموعات الهوايات غير الرسمية. تختلف في الحجم والتنظيم، لكنها تعكس الحاجة نفسها: مساحات منظمة يلتقي فيها غرباء بشعور نسبي بالأمان.

هذه المساحات لا تمثل كل المجتمع الإيراني. فالمشاركة تتطلب غالبًا دخلًا فائضًا، وهو أمر لا يتاح للجميع. كما أن هذه اللقاءات لا تعالج الضغوط البنيوية التي تعيد تشكيل الحياة الاجتماعية. فهي لا تحل الأزمة الاقتصادية أو عدم اليقين السياسي أو التحولات الديموغرافية. أقصى ما تقدمه هو فسحة مؤقتة.

غالبًا ما تُصوَّر إيران في الخارج عبر عناوين سياسية وأمنية. لكن أقل ظهورًا هي التغيرات اليومية تحت السطح: صداقات تتلاشى، دوائر اجتماعية تتقلص، وتردد متزايد في التفاعل العام.

في هذا السياق، تكتسب المبادرات الاجتماعية البسيطة وزنًا رمزيًا. بالنسبة لبعضهم، تمثل هذه اللقاءات احتمال علاقة عاطفية. ولآخرين، توفر حديثًا عاديًا. وللكثيرين، تمنح فرصة للخروج من الروتين والتفاعل – ولو لفترة وجيزة – مع وجوه غير مألوفة.

وعندما خف تساقط الثلوج تلك الليلة وعدت إلى الشارع البارد، لاحظت تغيرًا طفيفًا في مزاجي. لم تتغير الظروف الكبرى. لكن لبضع ساعات، قطعت المحادثة سلسلة العزلة.

وفي فترة تتسم بعدم الاستقرار، يبدو أن مثل هذه الانقطاعات – مهما كانت مؤقتة – لها معنى.

للإطلاع على النص الأصلي من (هنا)

مقالات ذات صلة