“متى سيعود بابا؟”.. أرامل غزة وأيتامها يكافحون للبقاء والتعافي بعد حرب الإبادة

متى سيعود بابا؟".

بقلم عبدالله النعمي 

ترجمة وتحرير نجاح خاطر

في ساحة مدرسة مدمَّرة بحي الزيتون في مدينة غزة، تحولت اليوم إلى ميدان مكتظ بخيام بدائية، يتحدى نازحون فلسطينيون برد الصباح القارس.

وعند مدخل إحدى الخيام، يقف طفل في الرابعة من عمره، شاخصاً بنظره نحو بوابة المدرسة، منتظراً والده الغائب.

يقترب الطفل زين من والدته ويبدأ حديثاً موجعاً بات جزءاً من روتينهما اليومي وهو يتساءل: “متى سيعود بابا؟”، قبل أن يواصل: “لقد وعدني بأن يحضر لي دراجة جديدة وحلوى”.

ينقبض قلب الأم الشابة في كل مرة يسأل فيها ابنها عن والده، ويزيد ألمها الإدراكُ أن طفلها الوحيد سيكبر يتيماً كما كبرت هي من قبله.

لقد عاشت ندى الحلواني وزوجها أشرف حياة متواضعة لكنها سعيدة قبل حرب الإبادة التي شنها الاحتلال  على غزة، وعملا بجد لتأمين مستقبل أفضل لابنهما.

ومع اندلاع الحرب، دُمّر منزل الأسرة ومصدر رزقها، وتعرّضت لنزوح متكرر بفعل غارات الاحتلال المتواصلة على القطاع، بحثاً عن الأمان لطفلهما الصغير.

بذل أشرف كل ما في وسعه لإعالة أسرته، قبل أن يستشهد برصاص قنّاص من جيش الاحتلال في سبتمبر/أيلول الماضي أثناء محاولته الوصول إلى نقطة لتوزيع المساعدات، ولم يُعثر على جثمانه حتى اليوم.

وفي سن الخامسة والعشرين فقط، أصبحت الحلواني أرملة، وتُركت مع ابنها في مواجهة يومية قاسية من أجل البقاء، في ظل عدوان الاحتلال والظروف المعيشية الكارثية المفروضة على الفلسطينيين في غزة.

“كان أشرف زوجاً وأباً مُخلصاً، من دونه أصبح العالم مظلماً ومخيفاً، أنا أرملة شابة، تُركت مع طفلي لمواجهة مستقبل مرعب وحدنا” – ندى الحلواني، أرملة تبلغ 25 عاماً.

وبحسب السلطات في غزة، فقد خلّف عدوان الاحتلال أكثر من 16 ألف أرملة، وأكثر من 44 ألف طفل يتيم، ضمن حصيلة تجاوزت 71,424 شهيداً منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023.

لا وقت للحِداد

وحتى بعد بدء وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول، لا تزال الأرامل في مختلف أنحاء قطاع غزة يواجهن معاناة يومية متواصلة لتأمين الغذاء والماء والمأوى لأطفالهن، في ظل استمرار الاحتلال في منع دخول المساعدات الإنسانية.

فهذه روند سليم، أم لطفلين تبلغ 27 عاماً، فقدت زوجها محمد في غارة جوية للاحتلال خلال وقف إطلاق النار الأخير في فبراير/شباط 2025، ومنذ ذلك اليوم، تحمل روند عبء حماية طفليها من القصف والجوع.

وقالت لـ “ميدل إيست آي”: “أستيقظ كل صباح وأسأل نفسي كيف سأبقي أطفالي على قيد الحياة اليوم، كل قرار يبدو كأنه مسألة حياة أو موت”.

لقد تحوّل البقاء إلى معركة يومية، ففي كل صباح، تجمع سليم قطع الخشب لإشعال النار للطهي، ثم تنتظر ساعات في طوابير لملء أوعية المياه، قبل أن تقف مجدداً في صفوف طويلة أمام المطابخ الخيرية للحصول على طبق صغير من الحساء أو الأرز. وأحياناً تصطحب طفليها معها لأنهما يصابان بالهلع إذا تركتهما وحيدين.

 

ولكي تنجو من “سياسة التجويع” التي تنتهجها دولة الاحتلال في غزة، بحسب توصيف لجنة أممية، اضطرت روند إلى بيع قطعة مجوهرات ثمينة كانت هدية من زوجها الراحل في ذكرى زواجهما.

وقالت: “هذه القطعة عزيزة جداً على قلبي ومليئة بذكريات سعيدة، لكنني لم أستطع أن أترك أطفالي يموتون جوعاً خلال المجاعة”.

وترك استشهاد محمد آثاراً نفسية عميقة على طفليه، عبد الرحمن (6 سنوات) وصبحي (3 سنوات)، فهما يفتقدان والدهما بشدة، وهما أصغر من أن يفهما معنى الموت.

وقالت والدتهما، باكية: “أخذتهما لزيارة قبره، فبدأ عبد الرحمن يحفر بيديه، وتوسل إليّ أن أساعده على إخراج والده من القبر ليعود ويعيش معنا”.

وتجلّت الصدمة نفسياً وجسدياً على الطفلين، إذ يعانيان نوبات قلق، وانطواءً اجتماعياً، وخوفاً من التفاعل، ويتمسكان بأمهما بشكل يائس. 

كما ظهرت على جسديهما أعراض ضغط نفسي ومرض، من بينها الصدفية وتساقط الشعر وضعف المناعة ونقص الوزن.

وقالت روند عن طفليها: “كانا مليئين بالحياة والفرح، يؤلمني قلبي لرؤيتهما على هذه الحال”.

وبالعودة إلى الحلواني، فإنها وابنها يواجهان المعاناة اليومية ذاتها، وتلاحظ أن زين يعبّر أحياناً عن حزنه بنوبات غضب وسلوك عدواني، فيما بات تأمين الطعام والمأوى تحدياً يومياً.

وقالت لـ “ميدل إيست آي”: “حتى اليوم، العثور على وجبة طعام هو معركة، نعيش في الخيمة نفسها مع عائلتين أخريين، بلا خصوصية ولا استقرار، ولم تتح لي حتى فرصة الحِداد على زوجي كما ينبغي”.

ومع توسع ما يُعرف بـ @الخط الأصفر” وهو شريط عسكري فرضته دولة الاحتلال من جانب واحد منذ وقف إطلاق النار، واستولت من خلاله على مزيد من الأراضي الفلسطينية باتت الأسرة مهددة بنزوح وشيك من مأواها في حي الزيتون.

منظومات إغاثة مدمَّرة

ووسط الصدمة الناتجة عن الفقد، والإرهاق الناجم عن كفاح يومي لتأمين أساسيات العيش، تشكو أرامل غزة وأيتامها من غياب شبه كامل لشبكات الدعم.

وقبل الإبادة، كانت الأرامل والأيتام في غزة يعتمدون على شبكة مساعدة محدودة لكنها حيوية، إذ ساهمت مساعدات مالية متواضعة عند توفرها في مساعدة النساء على تجاوز الفقد المفاجئ لمصدر الدخل، فيما قدمت مبادرات محلية جلسات دعم نفسي، وورشات لبناء المهارات، وأنشطة مجتمعية.

وكان الأيتام يتلقون دعماً من مؤسسات خيرية محلية ودولية، ولا سيما في مجال التعليم.

أما يمنى سليم، فهي أرملة تبلغ 67 عاماً، فقدت اثنين من أبنائها وصهراً في هجمات الاحتلال خلال السنوات الأخيرة. 

واليوم تعيل سليم ابنتها الأرملة وكنتيها الأرملتين، وتساعد في رعاية أطفالهن.

وقالت لـ “ميدل إيست آي”: “كانت الأرامل يحصلن على بعض الدعم الذي يساعدهن على الاستمرار في الحياة، وكانت هناك أماكن تتعلم فيها النساء، ويتحدثن عن آلامهن، ويجدن طريقاً للمضي قدماً، لم يكن كثيراً، لكنه ساعدنا على البقاء”.

لكن، ومنذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، دُمّرت أو توقفت خدمات العديد من المؤسسات المحلية والدولية التي كانت تقدم الدعم، بفعل عدوان الاحتلال.

وبحسب وصف الأمم المتحدة، فقد أبادت قوات الاحتلال منظومة التعليم في القطاع، وهي عنصر أساسي لحماية الفئات الأكثر هشاشة.

وتضرر أو دُمّر أكثر من 80% من مدارس غزة، من بينها مدرستا أحمد الكرد وخديجة التابعتان لجمعية الصلاح الخيرية في دير البلح وسط القطاع، واللتان تعرضتا لاستهداف متكرر أواخر عام 2024.

وكانت هذه المدارس توفر للأيتام تعليماً مجانياً وملابس ووجبات غذائية ودعماً نفسياً.

وفي ظل غياب الدعم، تتفاقم معاناة الحلواني وابنها، حيث قالت: “لم أتلقَّ أي مساعدة، حتى المساعدات المخصصة للجميع لا تصل إلينا، لأنهم يعتبرون أشرف في عداد المفقودين، لذلك لا أستطيع حتى التسجيل بشكل صحيح لتلقي المساعدات”.

وفي غزة، يتم تسجيل الأسر للحصول على المساعدات باسم الأب وبياناته، وفي حال كان متوفى رسمياً، فإن زوجته تستطيع التسجيل بعد تقديم شهادة الوفاة.

لكن الحلواني لا تملك هذه الوثيقة لأن جثمان زوجها لم يُعثر عليه، ليُضاف اسمه إلى أكثر من 11 ألف مفقود في غزة منذ بداية الحرب، لا يدخلون في الإحصاءات الرسمية للشهداء.

وقالت: “أتمنى لو كان هناك مكان يساعد زين على التعافي، شيء يعيد الابتسامة إلى وجهه، بدلاً من انتظاره والده كل صباح”.

ورغم بحثها المتواصل في نقاط الإغاثة والجمعيات الخيرية، لا تزال أسرة سليم محرومة من أي مساعدة، بما في ذلك الدعم النفسي.

وقالت: “أرامل غزة يحتجن إلى دعم نفسي وعاطفي، نحن نحتاج إلى ملاذ آمن نتحدث فيه، ونتعلم كيف نتعامل مع مشاعر الألم والفقد، ونساند بعضنا بعضاً”.

وترى سليم أن أرامل غزة يبحثن عن بصيص أمل، قائلةً: “نحن نستحق حياة يسودها السلام والكرامة، ومأوى يحمينا من القصف، ومن رياح وأمطار الشتاء، ومن الكلاب الضالة والقوارض والحشرات، نريد حياة لا نكافح فيها يومياً من أجل الطعام والماء”.

ويبقى الصمود وحب الأطفال هو السند الوحيد المتبقي لأرامل غزة، حيث قالت الحلواني: “زين قطعة من قلبي، أكون دائماً إلى جانبه بكل ما لدي من حب وصبر، أهدئه حين تنتابه نوبات غضب، وأصطحبه في نزهات، ونقوم بأنشطة صغيرة معاً لتعلّم مهارات جديدة”.

وتحلم الأم الشابة بإكمال دراسة الماجستير في إدارة الأعمال والتجارة الدولية، لتأمين مستقبل أفضل لها ولابنها، وهي مصممة على أن يحظى زين بأفضل تعليم ممكن، كما كان والده الراحل يتمنى.

أما سليم، فلا تزال تكافح للتعامل مع الألم والصدمة التي يحملها أطفالها.

وقالت: “العالم نسيَنا، أطفالنا شاهدوا فواجع لا ينبغي لأي طفل في أي مكان أن يشهدها، هم كل ما أملك، وأنا أمنحهم كل حبي ووقتي وجهدي، فقط لأراهم يبتسمون، ولأمنحهم فرصة لمستقبل أفضل”.

وتشجع سليم أبناءها على التعبير عن مشاعرهم والتفاعل مع محيطهم، وتحفّزهم على اللعب مع أطفال الجيران تحت إشرافها.

وأضافت: “أؤمن بأن التعليم جزء أساسي من عملية تعافي الأطفال”.

منح التحاق عبد الرحمن بمبادرة تعليمية قريبة، بعد أن تمكنت بصعوبة من تسديد الرسوم الأم الأرملة بعض الطمأنينة، وهي تلحظ بوادر تحسّن تدريجي لدى أطفالها.

وقالت: “يملأ قلبي فرحاً أن أراهم يرغبون في اللعب من جديد، وأن أسمع عبد الرحمن يعود من المدرسة سعيداً ومتحمساً ليحدثني عن يومه، وما تعلمه، وكيف صفق له معلمه وزملاؤه”.

وأضافت بصوت خافت: “أنا سعيدة بتقدمهم، لكن الألم والصدمة لا يزالان في داخلهم”.

مقالات ذات صلة