بقلم جو جيل
ترجمة وتحرير مريم الحمد
بعد 18 شهراً من الإبادة الجماعية التي تشنها إسرائيل على غزة، لم يعد هناك ما يمكن أن يكون صادماً بالنسبة لنا، فقد أصبحت الجرائم الوقحة ضد الإنسانية هي القاعدة، فيما لا تفعل القوى العالمية شيئاً للرد على ذلك، قد يصدرون بيانات ضعيفة تعبر عن القلق فقط في أحسن الأحوال!
هذا هو عصر الفوضى، فكل من يدافع عن حقوق الإنسان والسلام أصبح الآن عدواً للدولة، سواء في فلسطين أو لندن أو جامعة كولومبيا!
واليوم، لم تعد الولايات المتحدة تهتم حتى ببيانات الشجب هذه، فهي شريكة في جرائم الحرب المتمثلة في التجويع وتهجير السكان التي يتعرض لها مليونا فلسطيني في القطاع، حيث تخطط إسرائيل والولايات المتحدة للقيام بعملية تطهير عرقي عنيفة في غزة، وهما تعلمان تمام العلم أن أحداً لن يوقفهما.
من جهة أخرى، لا تزال كل من محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية في صمت رغم ما بدا وكأنه أحكام مهمة قبل أشهر، حيث أكدت محكمة العدل الدولية أن هناك “خطراً معقولاً” حول وقوع إبادة جماعية في غزة.
قبل أيام، نشر المعلق الإسرائيلي المناهض للصهيونية ألون مزراحي على موقع اكس ما يلي: “بينما تعلن إسرائيل والولايات المتحدة تفعيل خطط للتطهير العرقي للفلسطينيين في غزة، دعونا نتذكر أن محكمة العدل الدولية لم تجتمع حتى لمناقشة الإبادة الجماعية منذ 24 مايو عام 2024، عندما كانت تستخدم لغة ضبابية حول عملية رفح المخطط لها”
وأضاف: “تم إبادة عشرات الآلاف منذ ذلك الحين وإصابة مئات الآلاف، وجاع الأطفال وتجمدوا حتى الموت، كما فقد الآلاف من الأطفال أطرافهم، ومع ذلك، لم تصدر كلمة واحدة من محكمة العدل الدولية، فقد جعلت الصهيونية والإمبريالية الأمريكية القانون الدولي لاغياً وباطلاً، وبات يُسمح لكل فرد فعل ما يحلو له، يمكن القول أن المهزلة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية قد انتهت حقاً اليوم”.
في ظل إدارة جو بايدن، كان وزير الخارجية أنتوني بلينكن والمتحدث الرسمي الأمريكي مات ميللر يدليان بتصريحات حول “القلق” من قتل الفلسطينيين بالأسلحة التي زودوها بها، ولكن اليوم، في ظل نظام دونالد ترامب، سقط حتى قناع الدبلوماسية الخجول هذا!
يمكن القول بأننا دخلنا عصر قانون الغاب، ولا فائز في هذا القانون إلا للحكومات التي تستخدم القوة للاستيلاء على ما تعتقد أنه ملكها ولإسكات وتدمير كل من يقف في طريقها!
استهداف وحشي
لقد سمعنا جميعاً عن مجموعة من الهلال الأحمر الفلسطيني والدفاع المدني وموظفي الأمم المتحدة الذين كانوا قد هرعوا إلى موقع غارات جوية إسرائيلية لإنقاذ الجرحى الفلسطينيين في جنوب غزة مؤخراً.
تعد جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني الفرع المحلي للجنة الدولية للصليب الأحمر، والتي توفر، مثل الأونروا، الخدمات الصحية الأساسية للفلسطينيين في منطقة حرب مدمرة ومحاصرة، وقد تم استهدافهم بشكل متكرر ووحشي من قبل إسرائيل مثل غيرهم من منظمات الإغاثة الدولية الأخرى.
في 23 مارس الماضي، ارتكبت القوات الإسرائيلية مذبحة بشعة ومتعمدة أدت إلى مقتل 8 من أفراد جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني و6 أعضاء من الدفاع المدني في غزة وموظف واحد في إحدى وكالات الأمم المتحدة، حيث تم العثور على جثث 14 منهم في رفح بعد أسبوع من مقتلهم، وقد تم إلقاؤهم في مقبرة جماعية.
وفقاً للمتحدث باسم الدفاع المدني في غزة، محمود بصل، فإن “هذا القبر كان على بعد أمتار قليلة من مركباتهم، ما يدل على أن قوات الاحتلال قامت بإخراج الضحايا من المركبات وإعدامهم ثم رمي جثثهم في الحفرة في واحدة من أبشع المجازر التي شهدتها غزة في التاريخ الحديث”.
من جانبه، علق رئيس مكتب الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في غزة، جوناثان ويتال على الحادثة بالقول: “في أول أيام العيد، عدنا وانتشلنا الجثث المدفونة لـ8 من جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني و6 من الدفاع المدني وموظف واحد من موظفي الأمم المتحدة، بعد أن قتلوا وهم يرتدون الزي الرسمي ويقودون سياراتهم التي تحمل علامات واضحة ويرتدون قفازاتهم وهم في طريقهم لإنقاذ الأرواح، فما كان ينبغي أن يحدث هذا أبداً”.
من الواضح أن النظام العالمي الجديد لعام 2025 نظام خارج عن القانون، فالقوى الكبرى وحلفاؤها مصرون على إعادة ترتيب الخريطة بالعنف
في الهجمات السابقة، مثل مقتل 7 من موظفي المطبخ المركزي العالمي في الأول من أبريل عام 2024، أي قبل عام واحد بالضبط، لم يحدث شيء، رغم كون الضحايا بريطانيين وبولنديين وأستراليين وفلسطينيين ومواطنين أمريكيين كنديين، فلم تخضع إسرائيل لعقوبات من قبل القوى الغربية أو الأمم المتحدة، ولذلك واصلت قتل عمال الإغاثة.
علاوة على ذلك، فقد أعلنت إسرائيل الأونروا منظمة “إرهابية” في أكتوبر الماضي وقتلت أكثر من 280 من موظفيها، وهو ما يمثل غالبية عمال الإغاثة البالغ عددهم 408 الذين قتلوا في غزة منذ أكتوبر 2023.
فما هو الرد الدولي على هذه المذبحة الأخيرة؟ لا شيء!
صمت رسمي
مؤخراً، قامت منظمة إنقاذ الطفولة ومنظمة المعونة الطبية للفلسطينيين ومنظمة المعونة المسيحية بنشر إعلانات في صحيفة UK Observer، تدعو فيها الحكومة البريطانية إلى التوقف عن توريد الأسلحة إلى إسرائيل في أعقاب الهجمات الإسرائيلية المتجددة في غزة.
جاء في الدعوة: “ديفيد لامي، كير ستارمر، فشلكم في التصرف ثمنه أرواح في غزة”، فرئيس الوزراء البريطاني مشغول بالترويج لترحيله الجماعي للمهاجرين “غير الشرعيين” ولذلك لا يمكنه التعليق على الفظائع التي ترتكبها إسرائيل.
أما وزير الخارجية لامي، فقد اكتفى بالتعقيب على زلزال ميانمار وحلف شمال الأطلسي والهجمات الروسية على أوكرانيا والحاجة إلى تهدئة التوترات المتجددة في جنوب السودان، فقد كان آخر تعليق علني له حول إسرائيل وغزة يوم 22 مارس، بعد عدة أيام من المذبحة المروعة التي ارتكبتها إسرائيل بحق أكثر من 400 فلسطيني فجر يوم 18 مارس حيث صرح: “يمثل استئناف الضربات الإسرائيلية في غزة خطوة كبيرة إلى الوراء، ندعو إلى العودة إلى وقف إطلاق النار”، دون إدانة ذبح ما يقرب من 200 طفل!
خلال كتابة هذا المقال، أصدر لامي بيانًا على اكس، تجنب فيه أي ذكر مباشر لمن يرتكب جرائم حرب، فكتب: “لا تزال غزة المكان الأكثر فتكاً بالنسبة للعاملين في المجال الإنساني، حيث قُتل أكثر من 400 شخص”.
عصر الفوضى
من الواضح أن النظام العالمي الجديد لعام 2025 نظام خارج عن القانون، فالقوى الكبرى وحلفاؤها مصرون على إعادة ترتيب الخريطة بالعنف، حيث يتم استيعاب فلسطين قسراً داخل إسرائيل بدعم من الولايات المتحدة، وخسارة أوكرانيا مناطقها الشرقية لصالح روسيا بدعم من الولايات المتحدة أيضاً!
بات من الممكن مهاجمة الدول الصغيرة دون عقاب، من اليمن إلى لبنان إلى غرينلاند، ويمكن القول أن هذا كان هو الطريق دائماً، ولكن في عالم ما بعد الحرب، كان الالتزام بالقانون الدولي هو الموقف الرسمي للقوى العظمى بما فيها الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي.
في بريطانيا، اجتمعت مؤخراً مجموعة من الناشطين الشباب في بيت أصدقاء الكويكر في وسط لندن لمناقشة المقاومة السلمية للإبادة الجماعية في غزة، فاقتحمت الشرطة المبنى واعتقلت 6 شابات، وهو أمر لم يكن من الممكن تصور حدوثه قبل بضع سنوات، لكن القوانين الجديدة التي تم إدخالها في ظل الحكومة الأخيرة جعلت مثل هذه المداهمات ضد التجمعات السلمية شائعة.
هذا هو عصر الفوضى، فكل من يدافع عن حقوق الإنسان والسلام أصبح الآن عدواً للدولة، سواء في فلسطين أو لندن أو جامعة كولومبيا!
للاطلاع على النص الأصلي من (هنا)