“مجلس السلام لغزة” نموذجاً.. ترامب يدير  العالم بعقلية زعيم مافيا 

بقلم ديفيد هيرست

ترجمة وتحرير نجاح خاطر 

على ما يبدو فإن الدعوة قد وجهت إلى من هبّ ودبّ للانضمام إلى “مجلس السلام” الذي أطلقه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ومع ذلك فإن دولاً قليلة فقط قبلت حتى الآن الاشتراك فيه وهي المغرب، وألبانيا، والأرجنتين، والمجر، وفيتنام.

ومع تحديد “رسم الدخول” بمليار دولار، وفي ظل  الشبهات التي تحيط بإمكانية أن يصبح المشاركون فيه جزءاً من مقترح مرتجل هدفه تهميش الأمم المتحدة، فلا غرابة في أن القليلين فقط يسارعون إلى الانضمام.

يحظى “مجلس السلام” بدعم مجلس تنفيذي مؤسس، يضم شخصيات امتلأت سجلاتها ولا تزال مكتظةً بإنكار وقوع إبادة جماعية في غزة من بينهم وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف، وصهر ترامب جاريد كوشنر.

كما يضم المجلس أشخاصاً مثل مارك روان، المموّل في وول ستريت، الذي مارس ضغوطاً على الجامعات الأميركية لمنع التظاهرات المؤيدة لفلسطين.

ومن المعلوم أن ما يجمع هؤلاء جميعاً أيضاً هو النقص الفادح في المعرفة بالشرق الأوسط.

أما الشخص الوحيد في المجلس التنفيذي الذي يمتلك “خبرة”!في المنطقة إذا جاز اعتبار غزو العراق وإطلاق حرب أهلية مدمّرة استمرت سبع سنوات “خبرة”!فهو رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير.

غير أن بلير لا يمثل أحداً سوى نفسه، وقد حرصت الحكومة البريطانية على توضيح ذلك، عبر النأي بنفسها عن رئيس وزرائها السابق.

ففي نوفمبر/تشرين الثاني، حين طُرح اسم بلير للمرة الأولى، قال جوناثان باول، مستشار الأمن القومي الحالي ورئيس ديوان بلير السابق في داونينغ ستريت، على نحو غير علني، إن بلير لا يمثل الدولة البريطانية.

وبحسب مصدرين مطلعين تحدثا إلى ميدل إيست آي بشرط عدم الكشف عن هويتهما، فقد نشط باول في الضغط ضد ترشيح بلير.

ويعبّر باول بدقة عن موقف “الدولة العميقة” التي لا تُخفي ازدراءها لمحاولات بلير المتكررة لاستعادة الأضواء على الساحة الدولية.

نُكران بلير

وقد ذكر مصدر مطّلع على طريقة التفكير داخل وزارة الخارجية البريطانية أن “ذلك دقيق تماماً، الأمر ليس محل نقاش أصلاً، بلير لا يشغل أي منصب داخل الحكومة البريطانية”.

وعلى العموم فإن أنشطة معهد توني بلير تتم بصفته مواطناً عادياً، وهذا لا يعني عدم وجود اتصالات لديه لكنه في الحقيقة لا يمثل الدولة البريطانية، وكان سيصيبني الذهول لو ادّعى أحد غير ذلك.

أما كل الجدل حول ما إذا كان بلير داخل المجلس أم خارجه فهو بذاته مثير للاهتمام، فهل كان هناك وقت لم يكن فيه داخل اللعبة أصلاً؟ ومع ذلك، فإن معظم الأسماء الأخرى في المجلس هي أسوأ منه مثل كوشنر، ويتكوف، روبيو، فقليلون جداً منهم يعرفون شيئاً عن فلسطين.

وقد تجنب كير ستارمر، الذي كان قبل توليه رئاسة الحكومة قد شارك في مسيرات ضد حرب العراق ووصفها بأنها غير قانونية حتى عام 2020، بعناية تأييد بلير بوصفه ممثل بريطانيا في مجلس ترامب.

وقال ستارمر أن بلير “قائد عظيم” وسيقدم “إسهاماً هائلاً” في مجلس السلام، لكنه رفض مراراً وتكراراً دعمه رسمياً لهذا الدور، وأضاف يوم الاثنين أن بريطانيا تتشاور مع حلفائها بشأن مجلس السلام.

وبحسب ميثاق مجلس السلام الذي وضعه ترامب، فإن لكل عضو في المجلس التنفيذي حقيبة يتولاها، ما يعني أنهم سيملكون سلطة حقيقية على غزة، بخلاف هيئة تنفيذية ثانية أدنى مرتبة في التسلسل القيادي، لن تكون لها أي سلطة.

وبطريقة مربكة فإن هذه الهيئة تحمل مسمى المجلس التنفيذي لغزة، وهي تضم أربعة من أصل سبعة أعضاء في المجلس المؤسس، مع إضافة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، والوزير القطري علي الثوادي، واللواء حسن رشاد، رئيس الاستخبارات المصرية.

والحق أن هؤلاء الرجال يعرفون غزة، لكن إشراك تركيا وقطر ومصر جاء على سبيل “الديكور السياسي”.

وقد عرّف بيان البيت الأبيض مهمتهم بالقول إن المجلس “سيساعد في دعم الحوكمة الفعّالة وتقديم خدمات من الطراز الأفضل بما يعزز السلام والاستقرار والازدهار لشعب غزة”، وهو تعريف يمكن أن يعني كل شيء أو لا شيء.

ومن اللافت أن السعودية اختارت الابتعاد عن هذا المسار، وهو موقف حكيم.

تاريخ إشكالي 

سيكون نيكولاي ملادينوف، الدبلوماسي البلغاري، هو “الممثل السامي” لغزة وهو لقب، بلغة الاتحاد الأوروبي، قد يعني وزير خارجيتها، ويدعمه عدد من “المستشارين” ذوي سجلات حديثة شديدة الإشكالية.

ومن بين هؤلاء رجل الأعمال والحاخام آرييه لايتستون، المدافع الشرس عن المستوطنين، والذي لعب دوراً رئيسياً في إنشاء آلية توزيع المساعدات المدعومة من دولة الاحتلال، “مؤسسة غزة الإنسانية” (GHF)، التي استشهد في مواقعها أكثر من ألفي فلسطيني بالرصاص الحي.

يعيش بلير في عالم موازٍ لم تقع فيه إبادة جماعية، وعالم يُطلب فيه من حماس أن تنزع سلاحها بينما يستمر الاحتلال

وفي أسفل هذه التراتبية المختلة، تختبيً “حكومة التكنوقراط” المفترض أن تحكم غزة، ولم يُدرج في قائمتها سوى اسمين فقط من الأسماء التي رشحتها الفصائل الفلسطينية، وأكثر الشخصيات إثارة للجدل فيها هو المكلّف بالملف الأمني.

فقد حُكم على سامي نسمان، وهو ضابط أمني كبير متقاعد في السلطة الفلسطينية، بالسجن 15 عاماً غيابياً من محكمة في غزة بتهمة التحريض على “الفوضى” والتخطيط المزعوم لمحاولات اغتيال قادة في حماس، بحسب صحيفة “الشرق الأوسط”، حيث عاش نسمان في المنفى منذ ذلك الحين، ومن غير المرجح أن يعود قريباً.

وبوجود هذه الكوكبة من الشخصيات، ما الذي يمكن أن يسير على نحو خاطئ؟

لقد أعلن ويتكوف المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار بالطريقة نفسها التي أعلن بها وقف إطلاق النار ذاته: محمّلاً حماس كامل المسؤولية.

وقال في بيانه إن المرحلة الثانية تتعلق بـ “النزع الكامل للسلاح في غزة، ولا سيما نزع سلاح جميع الأفراد غير المصرح لهم”!مضيفاً أن الولايات المتحدة تتوقع امتثال حماس الكامل، وأن “الإخفاق في ذلك ستكون له عواقب وخيمة”.

لم يأتِ ويتكوف على ذكر الزام دولة الاحتلال بالانسحاب من “الخط الأصفر” الذي واصلت التقدم منه، إذ باتت تحتل أكثر من 60% من مساحة غزة. كما تجاهل أكثر من ألف خرق لوقف إطلاق النار، واستشهاد ما يصل إلى 450 فلسطينياً منذ توقيع الاتفاق في أكتوبر/تشرين الأول.

وجاء بيان بلير بالنبرة نفسها، فخطة ترامب ذات العشرين نقطة لإنهاء الحرب في غزة، بحسب بلير، إنجاز استثنائي، وقال إن الحرب قد انتهت.

وسيكون ذلك خبراً جديداً على غزة، التي لا تزال تتعرض لغارات جوية يومية، إضافة إلى معاناة لا تُحصى جراء الفيضانات، وأقسى شتاء يمر عليها منذ سنوات، وتدمير أكثر من 100 ألف خيمة.

لقد واصلت دولة الاحتلال حرمان غزة من الغذاء والمساعدات اللازمة لإعادة الإعمار، كما ظلت متصلبة بشأن عدم السماح بحركة مرور ثنائية الاتجاه عبر معبر رفح. وإلى درجة أن “اللجنة الوطنية لإدارة غزة” التكنوقراطية الجديدة ستضطر، بحسب مصادر، إلى عقد اجتماعاتها في القاهرة لا في غزة.

عالم بديل

دأبت دولة الاحتلال على خرق شروط وقف إطلاق النار، سواء عبر غاراتها الجوية أو عدم التزامها بالخط الأصفر. 

غير أن بلير يعيش في عالم بديل، عالم لم تقع فيه إبادة جماعية، وعالم يُطلب فيه من حماس أن تنزع سلاحها بينما يستمر الاحتلال

وكما يعلم بلير جيداً، فإن كبير مفاوضيه باول مع الجيش الجمهوري الإيرلندي، ما كان ليقنع الحركة الجمهورية بإنهاء كفاحها المسلح من دون اتفاق لتقاسم السلطة في برلمان ستورمونت في أيرلندا الشمالية، لكنه اليوم يعزف لحناً مختلفاً تماماً مع حماس.

يقول بلير: “من أجل غزة وأهلها، نريد غزة التي لا يعاد بناؤها كما كانت، بل كما يمكن ويجب أن تكون”.

لكن هذا البناء سيكون وفق إملاءات من؟ من دولة الاحتلال المُلزمة بإبقاء غزة جحيماً لا يُطاق لدفع أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين إلى الخروج وعقد اتفاقات مع كيانات انفصالية في الصومال لتسهيل ذلك؟

وبصفته الخادم الوفي للاحتلال، لم يذكر بلير كلمتي “فلسطيني” أو “فلسطين” ولو مرة واحدة في بيانه، بل إن باول يصيب تماماً حين يضع بينه وبين هذا العبث أكبر مسافة ممكنة.

فالحقيقة أن شيئاً لن يحدث، ستظل خطوط المواجهة على حالها في المستقبل المنظور، ونزع سلاح مقاتلي حماس أو الجهاد الإسلامي في هذه الظروف لا يقل عن كونه انتحاراً وسيستمر الحصار.

وستواصل قوات الاحتلال احتلال أكثر من نصف غزة، ولن تصل أي قوات دولية لضبط هذا الفوضى وسيبقى أكثر من مليوني فلسطيني يعيشون في الخيام.

إن دعوة ذات الشخصيات التي سمحت للاحتلال بالتوسع إلى الحد الذي انفجرت معه غزة، ثم توقّع أن تُنهي الصراع، ليس مجرد جنون بل إنه جريمة.

وما يعادل دعوة رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو، مهندس إبادة غزة، إلى مجلس السلام، هو دعوة الزعيم الصربي سلوبودان ميلوشيفيتش، ورادوفان كارادجيتش، وراتكو ملاديتش منظري التطهير العرقي في البوسنة ومهندسي إبادة سربرنيتسا للتفاوض على اتفاق دايتون للسلام.

سيُلقي الفلسطينيون “مجلس السلام” في مزبلة التاريخ قبل وقت طويل من إلقائهم ترامب نفسه هناك

لقد كان بلير مهندس الشروط الدولية التي أبعدت حماس عن طاولة المفاوضات طالما أنها ترفض الاعتراف بالاحتلال، وكان ذلك الاتفاق الدولي هو الأساس الذي فرض الاحتلال بموجبه حصاره على غزة عام 2006، حين فازت حماس في الانتخابات الوحيدة التي جرت في فلسطين، ولا يزال الحصار مستمراً منذ ذلك الحين.

وفي عهد ديفيد كاميرون، كشفتُ كيف أن بلير، حين كان مبعوث الرباعية إلى الشرق الأوسط، تحدث إلى خالد مشعل، الذي كان آنذاك زعيم حماس، ودعاه إلى لندن.

لم تسفر الدعوة عن شيء، لكن مجرد إجراء المحادثات كان إقراراً بفشل سياسة بلير القائمة على إقصاء حماس عن طاولة التفاوض

لقد دار بلير حول هذه القضية مرات عديدة، وفي كل مرة لم يكن أثره سوى توفير غطاء لحصار الاحتلال، الذي ازداد شدة بعد كل حرب.

ولا توجد أي إشارة إلى أن بلير قد اهتدى أو سيتصرف بشكل مختلف هذه المرة، بل إن تصريحاته بشأن الإسلام والإسلاميين ازدادت تصلباً.

وعلى عكس خليفته النبيل غوردون براون، استثمر بلير كل الامتيازات التي يمكن لرئيس وزراء سابق جنيها.

زعيم مافيا

أما ترامب، فهو لا يتظاهر حتى بالاهتمام بالفلسطينيين، أو بالعدالة، أو بحقوق الإنسان، أو بالأطفال الذين يموتون من البرد في الخيام، فما يهمه فقط هو زرع قطع من “ترامب لاند” في أنحاء العالم، وشفط مبالغ طائلة من المال في هذه العملية.

ومن خلال إنشاء عصابته الخاصة من “المستشارين” وتسميتها مجلس السلام، يحاول ترامب الآن إدارة العالم بالطريقة نفسها التي يدير بها أميركا.

إنه ليس فاشياً بقدر ما هو زعيم مافيا، يطالب بالاحترام وبالدفع المنتظم، وإذا حصل على الاثنين، فقد يقرر ترك صغار هذا العالم وشأنهم أو ربما لا، فترامب متنمّر، ويستمتع برؤية قلة من الناس تجرؤ على الوقوف في وجهه.

وإذا لم تُرهب أساليب ترامب سكان غرينلاند، فمن غير المرجح أن تُخضع الفلسطينيين، الذين صمدوا في وجه الاستعمار، والانتدابات الدولية، والمنفى، والحكم العسكري، وجدران الفصل، والهدم، والحصار، والآن الإبادة، مع احتفاظهم بهويتهم الوطنية.

إن القضية الفلسطينية تنبض اليوم في قلب كل فلسطيني بقوة أكبر مما كانت عليه في أي وقت مضى وسيُلقي الفلسطينيون مجلس السلام في مزبلة التاريخ قبل وقت طويل من حدوث الشيء نفسه لترامب.

للاطلاع على المقال الأصلي من (هنا)

مقالات ذات صلة