مخطط ترمب لتهجير الفلسطينيين.. تهديد وجودي للأردن ومصر وخيار المواجهة هو السبيل الوحيد للبقاء

بقلم رجا عبد الحق

ترجمة وتحرير نجاح خاطر

خلال 24 ساعة من لقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، أصدر البيت الأبيض مقطع فيديو مسجلاً لترمب وهو يمتدح الملك بعد لقاء مهين أمام وسائل الإعلام.

فخلال اجتماعهما، دفع ترمب الملك عبد الله إلى قبول خطته لتهجير الفلسطينيين من غزة إلى الأردن، تاركاً إياه يكافح في البحث عن استجابة مناسبة.

وفي الفترة التي سبقت الاجتماع، هدد ترمب بقطع المساعدات عن الأردن ومصر إذا رفضتا خطته، ومنذ ذلك الحين، كررت مصر رفضها وأكدت على أهمية إنهاء الحرب وإعادة بناء غزة دون تهجير، في حين أفيد بأن الرئيس عبد الفتاح السيسي أرجأ زيارة إلى البيت الأبيض لتجنب مناقشة اقتراح ترمب.

أما الملك عبد الله، فبدا وكأنه يشير إلى انفتاحه على الفكرة من خلال التأكيد على أنه سيفعل ما هو أفضل لبلاده، في موقف يمثل انحرافاً واضحاً عن الموقف الأردني الرسمي الراسخ المتمثل في رفض تهجير الفلسطينيين من وطنهم.

وفي وقت لاحق، أكد الملك نفسه، إلى جانب وزير خارجيته والمتحدث باسم البيت الأبيض، الموقف الرسمي الأردني الرافض لأي خطط للتهجير.

تسلط هذه المحاولات اليائسة لتوضيح موقف الأردن، على الرغم من تنمر ترمب في خطاباته، الضوء على أهمية الأردن بالنسبة لقوة الولايات المتحدة ونفوذها في المنطقة.

فعلى الرغم من أن ترمب قد تراجع بالفعل عن إنذاراته ضد الأردن ومصر، إلا أن مقطع الفيديو الذي نشره والذي أشاد فيه بالملك يجب أن يُنظر إليه باعتباره تدخلاً من جانب البيروقراطية الأمريكية، حيث أصبحت عبارات ترمب عبئًا واضحاً على الإمبراطورية الأمريكية.

رد فعل عنيف

وفي حين قد تحاول الولايات المتحدة إجبار الأردن ومصر على قبول خطة تهجير غزة، فإن رد الفعل العنيف ضد المصالح الأمريكية في المنطقة سيكون شديداً، حيث إن كلا النظامين حيويان للهيمنة الأمريكية في المنطقة، وخاصة فيما يتعلق بإسرائيل، الأمر الذي يعني أن الموافقة على تهجير واسع النطاق للفلسطينيين من شأنه أن يقوض النظامين المصري والأردني أخلاقياً وسياسياً.

فالأردن ومصر مسؤولان عن حماية حدود الاحتلال في مواجهة الهجمات وتهريب الأسلحة إلى المقاومة الفلسطينية، كما تعمل الدولتان على احتواء الجهات السياسية المحلية المعارضة للهيمنة الأميركية والاحتلال.

ومنذ النكبة عام 1948، ناضل الأردن للتعامل مع وجود اللاجئين الفلسطينيين داخل حدوده، وقد أدى تشكيل منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964، والوجود القوي للمقاومة الفلسطينية في الأردن، إلى تعقيد الأمور أكثر.

وبعد طرد القوات الثورية الفلسطينية إلى لبنان عام 1971، بدأت الأردن عملية “الأردنة”، بهدف خلق هوية وطنية واحدة تطغى على الوجود الفلسطيني، وقد ترك هذا اللاجئين الفلسطينيين في البلاد في وضع ضعيف، على غرار المهاجرين الآخرين الذين دفعوا إلى الاندماج في “بوتقة الانصهار” الأميركية.

جعل كل ذلك القضية الفلسطينية ملفاً ثانوياً، حيث تم تأمين حدود الأردن مع دولة الاحتلال ضد الهجمات بحجة الحفاظ على الأمن الوطني الأردني، وضاعف الأردن التزامه بحماية حدود الاحتلال بتوقيع معاهدة السلام بينهما عام 1994.

وعليه، فلن يكون قبول الفلسطينيين النازحين من غزة بالنسبة للنظام الأردني مجرد كابوس للعلاقات العامة، بل إن من شأنه أيضاً أن يقوض كل جانب من جوانب مشروع الأردنة الذي كان محورياً في تبسيط الخطاب السياسي في البلاد، الأمر الذي أفاد الولايات المتحدة والاحتلال معاً.

وإلى جانب التأثيرات الاجتماعية والاقتصادية المترتبة على استقبال مئات الآلاف من الفلسطينيين، فإن الأردن سوف يكافح من أجل استيعاب السكان النازحين حديثاً، الأمر الذي يعرض الاستقرار السياسي للخطر، وآخر ما يحتاج إليه النظام الأردني هو تكرار أحداث الستينيات.

التهديد الوجودي

وفي الوقت نفسه، لعبت مصر دورًا حاسمًا في السنوات الأخيرة في خنق غزة من خلال تدمير أكثر من 2000 نفق وهدم رفح لإنشاء منطقة عازلة بطول خمسة كيلومترات، بهدف وقف تهريب الأسلحة، وقد ساعد هذا دولة الاحتلال على تشديد حصارها لغزة.

ولكن بعد فشلها في تصفية المقاومة الفلسطينية في غزة من خلال 17 عامًا من الحصار، والعديد من الحروب الكبرى والإبادة الجماعية التي استمرت 15 شهرًا، يبدو أن الملاذ الأخير لدولة الاحتلال هو تكرار التطهير العرقي الذي سبق أن مارسته عام 1948.

وقد يكون إحباط خطة ترمب لتهجير الفلسطينيين هو الاستراتيجية الوحيدة المتبقية لهذه الأنظمة لتجنب زوالها السياسي، فعلى الرغم من اعتماد الأردن ومصر بشكل كبير على الدعم الأمريكي، إلا أنهما لا يمكنهما قبول خطة ترمب لتهجير غزة لأنها تشكل تهديداً وجودياً لأنظمتهما

فحتى الآن، ظل الاعتماد على الولايات المتحدة يمثل وضعاً مربحاً للجانبين، حيث يمكن لكلا الدولتين (الأردن ومصر) أن يتماشيا مع المصالح الأميركية في حين يدفعان ظاهرياً نحو حل “عادل” للقضية الفلسطينية.

ولكن مع الدفع الأميركي الإسرائيلي الجديد لتطهير غزة عرقياً، أصبح يتعين على الأردن ومصر أن يدركا أن عبوديتهما التي دامت عقوداً من الزمن للمصالح الأميركية، والتي كانت ترتدي زي البراغماتية من أجل البقاء، لن تحميهما من المشروع الاستعماري الاستيطاني الصهيوني التوسعي.

ونظراً لأن الفلسطينيين في غزة يرفضون الطرد، فمن مصلحة الأردن ومصر أن يقدما لهم الدعم اللوجستي والسياسي، وفي حين كان التطبيع مع دولة الاحتلال وحماية حدودها من تكاليف البقاء في السلطة، فإن إحباط خطة التهجير التي وضعها ترمب ربما يكون اليوم الاستراتيجية الوحيدة المتبقية لهذه الأنظمة لتفادي زوالها السياسي.

إذا عملت الأردن ومصر بشكل استباقي ضد تهجير الفلسطينيين، حتى لو كانت هذه الاستراتيجية أنانية، فسوف تضطر الولايات المتحدة إلى اتخاذ خيارات صعبة حول ما إذا كانت عواقب تقويض أكبر حلفائها في المنطقة لتحقيق أوهام ترمب ورئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو تستحق العناء.

للاطلاع على النص الأصلي من (هنا)

مقالات ذات صلة