مسؤول أممي: ما يجري في الضفة الغربية يرقى إلى فصل عنصري ممنهج

قالت الأمم المتحدة، في تقرير جديد صدر إن دولة الاحتلال تنتهك القانون الدولي من خلال فرض نظام يرقى إلى الفصل العنصري، محذّرة من أن سياسات التمييز ضد الفلسطينيين تسارعت بشكل غير مسبوق منذ أواخر عام 2022، في ظل تصاعد العنف والقمع وسيادة الإفلات من العقاب في الضفة الغربية المحتلة.

وجاء ذلك في تقرير بعنوان: “الإدارة التمييزية لدولة الاحتلال في الضفة الغربية المحتلة والقدس الشرقية”، أكّد فيه مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان أن عقوداً من “التمييز المنهجي” بحق الفلسطينيين آخذة في التفاقم، داعياً دولة الاحتلال صراحة إلى إنهاء ما وصفه بـ”نظام الفصل العنصري”.

وفي بيان رسمي، قال المفوض السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك: “هناك خنقٌ منهجي لحقوق الفلسطينيين في الضفة الغربية”، مضيفاً أن ما يجري “يمثل شكلاً بالغ القسوة من التمييز العنصري والفصل، ويشبه أنظمة الفصل العنصري التي عرفها العالم من قبل”.

ويستعرض التقرير، الممتد على 42 صفحة، طيفاً واسعاً من الانتهاكات، من بينها عمليات القتل غير القانونية بحق الفلسطينيين، وفرض قيود تمييزية على حرية الحركة، وتصاعد الاعتقالات والتعذيب، وتوسّع الاستيطان والاستيلاء على الموارد الفلسطينية، وقمع حرية التعبير، وهدم المنازل، وعمليات التهجير القسري.

وأشار التقرير إلى أن هذه هي المرة الأولى التي يستخدم فيها رئيس لهيئة أممية لحقوق الإنسان مصطلح “الفصل العنصري” لوصف الواقع في الضفة الغربية المحتلة، رغم أن خبراء أمميين مستقلين سبق أن تبنّوا هذا التوصيف، ويستحضر المصطلح سياسة الفصل والتمييز العنصري التي انتهجها نظام الأقلية البيضاء في جنوب أفريقيا بين عامي 1948 وبداية التسعينيات.

وأوضح التقرير أن سلطات الاحتلال “تخضع المستوطنين الإسرائيليين والفلسطينيين في الضفة الغربية لنظامين قانونيين وسياسيين منفصلين”، مؤكداً أن الفلسطينيين يواجهون “مصادرة واسعة النطاق للأراضي وحرماناً ممنهجاً من الوصول إلى الموارد”.

وبيّن أن الفلسطينيين يُحاكمون أمام محاكم عسكرية تُنتهك فيها “بشكل منهجي” معايير المحاكمة العادلة والإجراءات القانونية السليمة، في حين “يستفيد” المستوطنون من نظام قانوني مدني يمنحهم الحقوق نفسها التي يتمتع بها المواطنون داخل دولة الاحتلال.

وطالب تورك دولة الاحتلال بـ”إلغاء جميع القوانين والسياسات والممارسات التي تكرّس التمييز المنهجي ضد الفلسطينيين على أساس العرق أو الدين أو الأصل القومي”.

في المقابل، رفضت بعثة دولة الاحتلال لدى جنيف التقرير، واعتبرته “عبثياً ومشوّهاً”، زاعمة أنه يعكس “انشغالاً سياسياً متحيزاً” من مكتب حقوق الإنسان الأممي بـ”تشويه صورة إسرائيل”.

القتل والانتهاكات الجسيمة

وأشار التقرير إلى أن حكومة دولة الاحتلال وسّعت بشكل أكبر استخدام القوة غير القانونية، والاعتقال التعسفي، والتعذيب، وقمع المجتمع المدني، وتقييد الإعلام، وفرض قيود مشددة على الحركة، وتسريع الاستيطان والانتهاكات المرتبطة به في الضفة الغربية، ولا سيما عقب هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، والحرب اللاحقة على غزة، والتي اعترفت بها الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية وباحثون في شؤون الإبادة الجماعية على أنها إبادة.

كما وثّق التقرير “استمرار وتصاعد عنف المستوطنين”، مشيراً إلى أن ذلك جرى “في كثير من الحالات بتواطؤ أو دعم أو مشاركة من قوات الأمن الإسرائيلية”.

وبحسب التقرير، قتلت قوات الاحتلال بين عام 2005 و20 سبتمبر/أيلول 2025 ما مجموعه 2321 فلسطينياً في الضفة الغربية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، بينهم 1760 رجلاً و65 امرأة و496 طفلاً، إضافة إلى إصابة آلاف الآخرين، كثير منهم بإعاقات دائمة.

وخلال الفترة ذاتها، قُتل 205 إسرائيليين، بينهم 69 عنصراً من جيش الاحتلال، في سياق توترات أو هجمات فردية نفذها فلسطينيون.

ومنذ بدء الحرب على غزة وحدها، قُتل أكثر من ألف فلسطيني في الضفة الغربية على يد قوات الاحتلال والمستوطنين، في تصعيد غير مسبوق.

وسجّل التقرير ارتفاعاً في عمليات القتل خارج نطاق القضاء، مع “إفلات شبه كامل من العقاب”، موضحاً أنه من بين أكثر من 1500 حالة قتل فلسطيني موثقة منذ يناير/كانون الثاني 2017 وحتى سبتمبر/أيلول الماضي، لم تُفتح سوى 112 تحقيقاً، أفضى واحد فقط منها إلى إدانة.

وسرد التقرير حالات قتل “تعسفية وبلا مبرر”، من بينها حادثة نوفمبر/تشرين الثاني 2023 حين أطلق جنود من جيش الاحتلال النار على الطفل آدم سامر عثمان الغول (8 أعوام) من الخلف في رأسه أثناء فراره، وعلى الفتى باسل سليمان توفيق أبو الوفا (15 عاماً) برصاصتين في الصدر، رغم أن الجهاز الذي كان يحمله “لم يكن ليشكّل أي تهديد لمركبة مدرعة”، ولم يُقدّم الجنود أي إسعاف للطفلين، وتركوهما ينزفان حتى الموت.

ويعيش في الضفة الغربية نحو 3.3 ملايين فلسطيني، إلى جانب قرابة 700 ألف مستوطن في مستوطنات تُعد غير شرعية بموجب القانون الدولي.

تقييد الحركة والآثار الاجتماعية

وأفاد التقرير بأن سلطات الاحتلال “وسّعت وعمّقت” القيود المفروضة على حركة الفلسطينيين منذ اندلاع الحرب على غزة، معتبراً أن هذه القيود تهدف بصورة غير قانونية إلى “تفتيت الجغرافيا والمجتمع الفلسطيني لتسهيل السيطرة العسكرية، وخلق مناطق حصرية لجيش الاحتلال والمستوطنين، بما في ذلك الطرق، بذريعة توفير الأمن للمستوطنين”.

ولفت إلى أن هذه القيود ألحقت أضراراً جسيمة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للفلسطينيين، وحرمتهم من العمل والوصول إلى أراضيهم، ما تسبب في أزمات مالية خانقة ومسّ بحقهم في مستوى معيشي لائق.

وذكرت منظمة العمل الدولية أن الإجراءات الإسرائيلية تسببت في فقدان 306 آلاف وظيفة في الضفة الغربية حتى 31 يناير/كانون الثاني 2024، فيما بلغت معدلات البطالة بحلول الربع الأول من عام 2025 نحو 31.7% بين الرجال و33.7% بين النساء.

أما في قطاع التعليم، فأشارت “مجموعة التعليم العالمية” إلى أن القيود على الحركة والعمليات العسكرية وعنف المستوطنين أدت إلى تراجع الحركة بنسبة 85% في الضفة الغربية بين أكتوبر/تشرين الأول 2023 وأغسطس/آب 2024، ما أثّر على ما لا يقل عن 782 ألف طالب، وتسبب في تعليق الدراسة والاعتماد على التعليم عن بُعد، الذي لا يتوفر للجميع.

كما أدّى إغلاق 12 مدرسة تابعة للأمم المتحدة في القدس الشرقية ومخيمات شمال الضفة الغربية إلى حرمان 6630 طالباً فلسطينياً من التعليم، مع تأثير مضاعف على النساء والفتيات، إذ امتنعت عائلات كثيرة عن إرسال بناتها إلى المدارس خوفاً من العنف الجنسي والإهانات خلال عمليات التفتيش على الحواجز.

الاعتقال والتعذيب

وأكد التقرير أن الاعتقال التعسفي يُستخدم كأداة مركزية للسيطرة على الفلسطينيين، موثقاً إخضاع المعتقلين لظروف احتجاز غير إنسانية، ولسوء معاملة وتعذيب، بما في ذلك عنف جنسي واسع النطاق ضد الرجال والنساء، من اغتصاب وتهديد بالاغتصاب، وضرب الأعضاء التناسلية، وتفتيشات مهينة ومتكررة، وإجبار على التعري، ولمس غير لائق.

ونقل التقرير شهادات معتقلين أفادوا بتعرضهم، مع آخرين، لاعتداءات جنسية باستخدام أدوات داخل مراكز الاحتجاز.

وخلص التقرير إلى وجود “أسس معقولة للاعتقاد بأن هذا الفصل والتمييز والإخضاع مقصود أن يكون دائماً، بهدف ترسيخ القمع والهيمنة على الفلسطينيين”.

ودعا مكتب حقوق الإنسان الأممي دولة الاحتلال إلى إنهاء “وجودها غير القانوني في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما يشمل تفكيك جميع المستوطنات وإجلاء المستوطنين، واحترام حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره”.

مقالات ذات صلة