بقلم محمد المصري
ترجمة وتحرير موقع بالعربية
يوماً في إثر يوم، يتضح باستمرار أن الضربات السعودية ضد الانفصاليين المدعومين من الإمارات في اليمن، أواخر العام الماضي ومطلع هذا الشهر، لم تكن خاتمة الخلاف بين الدولتين الخليجيتين، بل بدايته الفعلية.
ذلك أن ما بدا للبعض نزاعاً تكتيكياً محدوداً حول اليمن، يظهر اليوم باعتباره قطيعة استراتيجية عميقة، ذات تداعيات بعيدة المدى على شكل النظام الإقليمي في مرحلة ما بعد “الربيع العربي”.
ففي أواخر ديسمبر/كانون الأول، قصفت السعودية شحنة أسلحة إماراتية في ميناء المكلا، كانت مخصصة للمجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من أبوظبي، ثم شنّ تحالف تقوده الرياض غارات جوية استهدفت معسكرات للمجلس في حضرموت والمهرة.
وخلال فترة وجيزة، انهار المجلس الانتقالي الجنوبي كقوة عسكرية وإدارية، وفرّ زعيمه عيدروس الزبيدي إلى الإمارات.
لقد جاءت الحملة السعودية برسالة واضحة مفادها أن “الهامش” الذي كانت تتحرك فيه أبوظبي قد انتهى بالنسبة للرياض، ولم يعد ولي العهد السعودي محمد بن سلمان مستعداً لمراقبة توسّع النفوذ العسكري الإماراتي عبر دعم مليشيات انفصالية، من اليمن إلى السودان وما وراءه.
وبصورة أوسع، شكّلت هذه العملية شرخاً حاداً بين دولتين خليجيتين جمعتهما، تاريخياً، علاقات وثيقة.
فقد تعاونت السعودية والإمارات في تنظيم الثورات المضادة للربيع العربي بعد عام 2013، كما اشتركتا في فرض حصار استمر أربع سنوات على قطر بين عامي 2017 و2021. واليوم، يشير تفكك هذا التحالف إلى إعادة اصطفاف إقليمي أعمق.
حرب الإعلام والسرديات
لقد أظهر الخطاب السياسي والإعلامي السعودي والإماراتي خلال الأسابيع الماضية، خصوصاً منذ الحملة العسكرية القصيرة ضد المجلس الانتقالي، أن الخلاف يتجاوز اليمن بكثير.
ويمتلك الطرفان خبرة واسعة في الحروب الإعلامية والرقمية، ولذلك لم يكن مستغرباً أن تتصدّر “معركة السرديات” هذه المرحلة الحساسة من النزاع.
فقد أطلقت الرياض حملة إعلامية شرسة استهدفت القيادة الإماراتية ومشروعها السياسي الأوسع، وجرى تصوير الإمارات بوصفها دولة تسعى إلى تفكيك الدول العربية خدمةً لمصالحها الخاصة، ولمصالح دولة الاحتلال.
وفي هذا السياق، زعمت قناة “الإخبارية” السعودية أن الإمارات “تستثمر في الفوضى وتدعم الحركات الانفصالية” في شمال أفريقيا والقرن الأفريقي.
وذهب الكاتب السعودي سلمان الأنصاري أبعد من ذلك، معتبراً أن الدعم الاقتصادي الإماراتي لمصر “واحد من أكبر عمليات الخداع السياسي” في التاريخ الحديث.
بدوره، اتهم الأكاديمي والكاتب السعودي أحمد بن عثمان التويجري أبوظبي بالسعي المتعمّد إلى تقويض السعودية، عبر “الارتماء في أحضان الصهيونية” والعمل كـ “حصان طروادة” لدولة الاحتلال في المنطقة.
في المقابل، جاء الرد الإماراتي أقل مباشرة عبر وسائل إعلامها، وأكثر اعتماداً على حليفها الاستراتيجي الأوثق الماثل في دولة الاحتلال.
فخلال الأيام الأخيرة، صدرت الهجمات على السعودية من شبكات ضغط موالية لدولة الاحتلال، ومن شخصيات إعلامية أميركية، ومن سياسيين أميركيين معروفين بقربهم منها.
وفي 23 يناير/كانون الثاني، نشرت رابطة مكافحة التشهير بياناً دعمت فيه الإمارات، محذّرة مما وصفته بـ “التزايد في وتيرة وحدّة أصوات سعودية بارزة تستخدم إيحاءات معادية للسامية وتهاجم اتفاقيات أبراهام”.
كما شنّ المذيع الأميركي المقرّب من دوائر دولة الاحتلال، مارك ليفين، سلسلة هجمات على السعودية أمام ملايين متابعيه، متهماً الرياض بمحاولة “تدمير الإمارات”، ومذكّراً بهجمات 11 سبتمبر/أيلول.
وانضم إلى هذا الخطاب السيناتور الأميركي ليندسي غراهام، إلى جانب منصات إعلامية ومراكز أبحاث عدّة.
أدوات التضليل والضغط
والواقع أن تاريخ الإمارات في هذا المجال ليس جديداً، فقد وثّق الباحث مارك أوين جونز استخدام أبوظبي لجيوش من الحسابات الآلية خلال أزمة الخليج (2017-2021) لنشر معلومات مضللة ضد قطر.
كما كشف، في وقت لاحق، عن توظيف نحو 19 ألف حساب آلي لدعم “قوات الدعم السريع” في السودان عقب ارتكابها مجازر في الفاشر.
وقبل ذلك، كشف تحقيق لموقع “ذا إنترسبت” عام 2014 أن الإمارات استعانت بشركة استشارات أميركية لزرع قصص معادية لقطر في وسائل الإعلام الأميركية الكبرى.
وقد بدأت تداعيات الصراع السعودي-الإماراتي تظهر بوضوح على الأرض، فإلى جانب تراجع المجلس الانتقالي الجنوبي، ألغت الصومال عقوداً كبرى مع أبوظبي، وتبحث، إلى جانب مصر، في إبرام اتفاق دفاعي مع السعودية.
ومن شأن تحالف سعودي-صومالي-مصري أن يضعف النفوذ الإماراتي في مضيق باب المندب.
والأهم، أن تركيا قد تسعى للانضمام إلى اتفاق دفاعي سعودي-باكستاني أُعلن في سبتمبر/أيلول 2025، ما قد يقود إلى تكتل يقترب من نموذج “ناتو إسلامي”، وهو ما ستكون له تداعيات مباشرة على الإمارات، ودولة الاحتلال، والولايات المتحدة.
ومع تراجع نفوذ وكلائها وتحول موازين القوى، تبدو الإمارات أكثر اتجاهاً إلى الموقع الدفاعي وهي فتتجه لتعميق شراكاتها مع حكومة ناريندرا مودي في الهند، وتوسيع تعاونها الاستخباراتي مع دولة الاحتلال، لا سيما في ما يتعلق بغزة.
في المقابل، تمثل اللحظة الراهنة فرصة نادرة للسعودية، التي يبدو أنها تجاوزت، إلى حد كبير، تبعات جريمة اغتيال الصحفي جمال خاشقجي عام 2018.
فمصر تعاني هشاشة اقتصادية ودبلوماسية، فيما يظهر محمد بن سلمان أكثر ثقة واستعداداً لتقديم نفسه قائداً في العالمين العربي والإسلامي.
وقبل سنوات قليلة، كان من غير المتصور أن يفكر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في ترتيب دفاعي مع بن سلمان، أما اليوم، فتشير التقارير إلى أن هذا الخيار مطروح بجدية.
رهانات المرحلة المقبلة
ولا تزال الصورة النهائية غير مكتملة، والأسئلة أكثر من الإجابات، فهل ستقترب السعودية من تركيا وقطر؟ وهل تسعى الرياض إلى تعزيز نفوذها في مصر لموازنة التمدد الإماراتي هناك؟.
وإلى أي مدى ستكون السعودية مستعدة لمواجهة المحور الإماراتي مع الاحتلال؟ وهل يمكن تخيّل مواجهة عسكرية مباشرة بين الرياض وأبوظبي، في ظل علاقات واشنطن الوثيقة مع الطرفين؟
وهل تسعى السعودية إلى دفع الإمارات نحو تراجع سياسي، تمهيداً للعودة إلى سياسة احتواء “الإسلام السياسي”؟ وإذا تحقق ذلك، هل تعود مسارات التطبيع مع دولة الاحتلال إلى الواجهة مجدداً؟
قد يستغرق الأمر أشهراً أو حتى سنوات للإجابة عن هذه الأسئلة، لكن ما بات واضحاً اليوم هو أن الشراكة السعودية-الإماراتية، التي شكّلت ركناً أساسياً في نظام ما بعد الربيع العربي، قد تصدّعت بعمق، وربما بلا رجعة، وقد كشفت الحرب الإعلامية والرقمية الجارية الحجم الحقيقي لهذا الشرخ.
للاطلاع على المقال الأصلي من (هنا)







