مقايضة الأواني بزجاجة من زيت الزيتون…. انهيار اقتصادي عميق في الضفة الغربية

مقايضة الأواني بزجاجة من زيت الزيتون…. انهيار اقتصادي عميق في الضفة الغربية

في منشور كتبته امرأة فلسطينية من بيت لحم على جروب خاص للأمهات في فيسبوك، قالت: “أواني للمقايضة مقابل زجاجة زيت زيتون وكيلوغرام من الزعتر حتى يتمكن أطفالي من أخذ بعضها إلى المدرسة”.

لقد أصبح منشور كهذا أمراً مألوفاً منذ أن بدأت الحرب على غزة وتكثفت القيود الإسرائيلية في جميع أنحاء الضفة الغربية المحتلة، حيث باتت النساء يعرضن الأثاث والألعاب وأدوات المطبخ وحتى ملابس أطفالهن مقابل الغذاء الأساسي.

على الجانب الآخر، فقد أصبح زيت الزيتون والزعتر، وهما من أبسط المواد الغذائية الأساسية في الحياة الفلسطينية، اختصاراً للفقر نفسه، كما ورد في المثل: “يعيش على الزيت والزعتر”.

وصلت نسبة البطالة في الضفة الغربية إلى نحو 28%، وانخفض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 13% مقارنة بعام 2023، كما انخفض الاستهلاك بنسبة 12%، مما يعكس انخفاضاً حاداً في مستويات المعيشة

قبل الحرب، كانت مجموعات الفيسبوك هذه للرفاهية، فقد كانوا يعرضون عليها ملابس البالية والألعاب الزائدة عن الحاجة، لكنها تحولت مع مرور الوقت إلى نداءات عاجلة للحصول على الحليب وزيت الطهي والأدوية وغيرها من الضروريات.

واليوم، ترسم هذه الجروبات عمق أزمة تكلفة المعيشة في جميع أنحاء الضفة الغربية، حيث يقول الباحث الاقتصادي الدكتور هيثم عويضة بأن المنطقة تنزلق إلى أزمة جوع.

ولا يعني الجوع، حسب التعريفات الدولية، الحرمان التام، بل يعني عدم القدرة على تأمين ما يكفي من الغذاء المغذي باستمرار، وهي حالة تترسخ الآن بشكل واضح في جميع أنحاء الضفة الغربية، وفقاً لعويضة. 

انهيار اقتصادي

منذ أكتوبر عام 2023، أدت القيود الإسرائيلية المفروضة على سبل العيش والموارد في جميع أنحاء الضفة الغربية إلى دفع الاقتصاد الهش بالفعل نحو الانهيار، مما حول البقاء اليومي إلى صراع، وقد ارتفعت معدلات الفقر إلى نحو 28% من السكان، كما حدث تراجع غير مسبوق في قدرة برامج الحماية الاجتماعية على تلبية الاحتياجات المتزايدة.

قبل الحرب، كان الاقتصاد الفلسطيني يرتكز على 3 ركائز أساسية، أولها العمالة الفلسطينية في إسرائيل، حيث قام ما بين 250 ألف إلى 300 ألف عامل، سواء بتصاريح أو بدونها، بضخ نحو 460 مليون دولار شهرياً، أي أكثر من 5.5 مليار دولار سنوياً، في الاقتصاد، ولكن مُنع معظم العمال من دخول إسرائيل منذ اندلاع الحرب في أكتوبر عام 2023. 

الركيزة الثانية هي السياحة الداخلية للمواطنين الفلسطينيين في إسرائيل، والتي دعمت التجارة والخدمات في جميع أنحاء الضفة الغربية ودرّت 460 مليون دولار شهرياً، أما الركيزة الثالثة فهي إيرادات المقاصة، أي الضرائب التي تجمعها إسرائيل نيابة عن السلطة الفلسطينية، والتي كانت تدر ما بين 260 مليون دولار إلى 310 ملايين دولار شهرياً.

بعد بدء الحرب، جفت معظم هذه التدفقات، كما انخفضت المساعدات الدولية للسلطة الفلسطينية وأصبحت غير مستقرة على نحو متزايد، حيث انخفضت في عام 2025 إلى ما يقدر بنحو 710 مليون دولار إلى 770 مليون دولار سنوياً.

لقد كان التأثير فورياً، حيث تكافح السلطة الفلسطينية لدفع رواتب كاملة لموظفي القطاع العام، حتى مع تدهور الأوضاع الأمنية، كما تكثفت عمليات الإغلاق الإسرائيلية، حيث ارتفع عدد نقاط التفتيش العسكرية إلى نحو 898 نقطة تفتيش، إلى جانب نحو 300 بوابة عسكرية، بحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا، حيث أدى هذا إلى إصابة التجارة والحركة الداخلية بالشلل إلى حد كبير.

وخلافاً للأزمات الاقتصادية السابقة، فإن التداعيات لم تقتصر على الفئات الأشد فقراً بل طالت جميع طبقات المجتمع، ففي حديثه مع موقع ميدل إيست آي، قال الدكتور عويضة: “ما يحدث في الضفة الغربية هو نزوح اقتصادي طوعي، فقد وصلنا إلى مرحلة لم يعد بإمكان الفلسطينيين، سواء كانوا تجاراً أو موظفين عموميين أو عمالاً، الاستمرار في العمل”.

بحسب تقرير عام 2025 الصادر عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني وسلطة النقد الفلسطينية، فقد وصلت نسبة البطالة في الضفة الغربية إلى نحو 28%، وانخفض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 13% مقارنة بعام 2023، كما انخفض الاستهلاك بنسبة 12%، مما يعكس انخفاضاً حاداً في مستويات المعيشة.

ويعتقد عويضة أن الأرقام الحقيقية للفقر والبطالة قد تكون أعلى، حيث يقول بأن حوالي 50% من مؤسسات القطاع الخاص تأثرت، كما أن غياب السياسات والتدخلات الحكومية الفعالة أدى إلى تعميق الأزمة.

لا يوجد خيارات

في حديثه لميدل إيست آي أيضاً، قال شقيق عامل فلسطيني باسم جهاد قزمر، زيد قزمر، بأنه حاول ثنيه عن ذلك قبل أيام من وفاته، ورد جهاد بأنه لم يعد أمامه خيار سوى “تسول طعام عائلتي خارج المساجد”، فغادر المنزل ولم يعد أبداً، وبعد عبور الجدار، انهار على الجانب الآخر ومات على الفور.

“لقد وصلنا إلى مرحلة لم يعد بإمكاننا فيها تقديم وجبات الطعام أو تلبية احتياجات أطفالنا” هبة- فلسطينية من الضفة الغربية لميدل إيست آي

بحسب الاتحاد العام لنقابات العمال الفلسطينية، فقد قُتل 38 عاملاً فلسطينياً في الفترة من أكتوبر عام 2023 إلى سبتمبر عام 2025، وذلك أثناء محاولتهم الوصول إلى أماكن عملهم في إسرائيل. 

يذكر أنه قد أصيب أكثر من 1500 شخص منذ أكتوبر عام 2023، وربما يكون الرقم الحقيقي أعلى من ذلك بكثير، حيث يتجنب الكثيرون الإبلاغ عن الإصابات خوفاً من الاضطهاد، ففي مقابلته مع ميدل إيست آي، قال سعيد عمران من الاتحاد: “لقد باعوا العديد من العمال كل ما يملكون، حتى أثاث منازلهم، لمجرد البقاء على قيد الحياة”.

قبل الحرب، كان هناك حوالي 240 ألف فلسطيني يعملون في إسرائيل، ويحصلون على أجور شهرية تزيد على 410 ملايين دولار، وهو ما يتجاوز مجموع رواتب القطاعين العام والخاص في الضفة الغربية، حيث تقدر خسائرهم خلال الحرب بحوالي 9 مليارات دولار.

واليوم، يتمكن حوالي 40 ألف عامل فقط من الوصول إلى وظائف في إسرائيل، ويقوم حوالي 30 ألف شخص بذلك دون تصاريح، ويسلكون طرقاً يومية محفوفة بالمخاطر.

من بين هؤلاء العمال، سليم رجب الفار، وهو أب لسبعة أطفال، وبعد أن فقد وظيفته، استنفدت الأسرة مدخراتها، فباعت زوجته هبة مجوهراتها، ومع تراكم الديون، بدأ المخاطرة بالعبور.

تقول زوجته هبة لموقع ميدل إيست آي: “لقد وصلنا إلى مرحلة لم يعد بإمكاننا فيها تقديم وجبات الطعام أو تلبية احتياجات أطفالنا”، وتمكن أكثر من مرة من الوصول إلى مكان عمله، وفي كل مرة كان ذلك يعني ساعات من المشي على أرض وعرة وتسلق الجدار العازل والزحف عبر قنوات الصرف الصحي والمياه، ولكن المحاولة الأخيرة انتهت بشكل مختلف.

في أكتوبر الماضي، غادر جهاد منزله متوجهاً إلى العمل، وعبر الجدار وصل إلى مجرى مائي، حيث قام جنود إسرائيليون على الجانب الآخر باحتجاز المجموعة، وبعد دقائق طلب الماء من أحد الجنود فتعرض للضرب حتى مات.

ورغم حزنها، تقول هبة بأنه لم يكن لديه خيار آخر، فقالت: “لقد فقدت زوجي على الجدار، ولا أستطيع أن أطلب من الآخرين إيقاف أبنائهم، فأختي تخشى على أبنائها الذين أجبروا على فعل الشيء نفسه، فلا أحد يسلك هذا الطريق إلا إذا اضطر لذلك”.

مقالات ذات صلة