من الإبادة إلى خنق الإغاثة: كيف تحوّل الاحتلال المساعدات إلى أداة قتل بطيء في غزة

بقلم غادة مجادلي

ترجمة وتحرير نجاح خاطر

يمثّل قرار دولة الاحتلال وقف عمل 37 منظمة إغاثية دولية تصعيداً بالغ الخطورة في عدوان الإبادة المستمر الذي تمارسه في غزة، وهو عدوان لم تكتفِ خلاله بتدمير قدرة القطاع على البقاء عبر القصف والحصار، بل تنتقل اليوم إلى تجريد الناجين من آخر ما تبقّى لهم من أشكال الدعم والمساعدة.

ورغم تغليف هذا القرار بإطار إداري وتقني، إلا أن فهمه لا يمكن أن يتم بمعزل عن السياق الأوسع، فهو تتويج لمسار طويل امتدّ على مدى عامين، عملت خلاله دولة الاحتلال بشكل منهجي على تفكيك البنية الإنسانية والطبية التي تُبقي السكان المدنيين في غزة على قيد الحياة.

فمن خلال تجفيف مصادر تمويل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، وهي الجهة الأممية الأساسية المعنية بإغاثة اللاجئين الفلسطينيين، ومن خلال شيطنة العاملين في المجالين الإنساني والطبي عبر اتهامات متكررة، وفي ظل غياب أي ردع دولي فعّال، عمّقت دولة الاحتلال نظاماً راسخاً من “تجنيد المساعدات”، حيث تُستخدم الإغاثة أداة ضغط وعقاب جماعي.

وفي البداية، سوّقت حكومة الاحتلال قرار تعليق عمل المنظمات الإغاثية على أنه مرتبط بعدم امتثال هذه المنظمات لشروط تسجيل جديدة، لكن تل أبيب عادت وأوضحت في بيان لاحق أن هذه الإجراءات “تهدف إلى منع استغلال المساعدات من قبل حركة حماس، التي عملت في السابق، عن قصد أو دون قصد، تحت غطاء بعض المنظمات الإنسانية الدولية”.

ولطالما وجّهت دولة الاحتلال اتهامات لحركة حماس باستغلال المساعدات الإنسانية، رغم أن هذه المزاعم دُحضت مراراً، بما في ذلك على لسان مسؤولين عسكريين كبار في الدولة العبرية نفسها.

غير أن الإطار التنظيمي الجديد لا يقف عند حدود الامتثال الإداري، فهو يفرض شروطاً سياسية وأيديولوجية صريحة على العمل الإنساني، ويستبعد المنظمات التي دعمت مقاطعة دولة الاحتلال أو شاركت فيما تسميه “حملات نزع الشرعية” عنها.

هذه المعايير لا تقتصر على تنظيم العمل الإغاثي فحسب، بل تُخضعه للاختبار السياسي، وتحوّل إيصال المساعدات الإنسانية إلى امتياز مشروط بالولاء الأيديولوجي والصمت السياسي.

الأونروا سابقة مقصودة

وجاء استهداف الاحتلال المتكرر للأونروا بمثابة اختبار حاسم، فعلى مدى عقود، شكّلت الوكالة العمود الفقري للحياة المدنية للاجئين الفلسطينيين، مقدّمة خدمات الصحة والتعليم والغذاء والدعم الاجتماعي، في ظل الاحتلال والحصار.

وبعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، كثّفت دولة الاحتلال جهودها لإعادة تصوير الأونروا لا كوكالة إنسانية تعمل بتفويض دولي، بل كـ “مشكلة سياسية” ينبغي تحييدها، وسرعان ما جرى تعميم مزاعم بشأن انخراط عدد محدود من موظفي الوكالة بحركة حماس أو ارتباطهم بها، لتتحول إلى اتهام شامل يطال المؤسسة بأكملها.

هذه الادعاءات، التي افتقرت إلى أدلة دامغة، دفعت مانحين رئيسيين إلى تعليق تمويلهم فوراً، وعلى رأسهم الولايات المتحدة، في مشهد كشف مدى استعداد الدول للتحرك السريع بناءً على روايات دولة الاحتلال، في وقت تتجاهل فيه الهدف الأكثر جوهرية لتلك الروايات وهو الإفلات من المحاسبة الدولية على الجرائم المرتكبة في غزة.

وقد أظهرت حملة استهداف الأونروا مدى هشاشة النظام الإنساني الدولي، وسهولة تفكيك أحد أعمدته المركزية، وهو ما مهّد الطريق للمرحلة التالية.

وفي الأشهر اللاحقة، منعت دولة الاحتلال الوكالة من العمل ميدانياً، ومرّرت تشريعات تجرّم نشاطها في كامل فلسطين التاريخية. 

وكان رد الفعل الدولي لافتاً بضعفه، صحيح أن بعض المانحين استأنفوا التمويل لاحقاً، لكن لم تُفعَّل أي آليات إلزامية، ولم تُفرض أي كلفة سياسية حقيقية على دولة الاحتلال.

وهكذا تحوّل استهداف الأونروا إلى سابقة خطيرة، فتحت الباب أمام هجوم أوسع يستهدف المنظمات الدولية العاملة في غزة.

ضربة قاضية للبقاء

إن تداعيات القرار الأخير مدمّرة بكل المقاييس، فعلى مدى سنوات، أدّت هذه المنظمات دوراً حيوياً في تقديم خدمات أساسية، وسط التآكل المتواصل للبنية التحتية المدنية والاستهداف المتكرر للقطاع الصحي في غزة.

وقد وفرت منظمات مثل “أطباء بلا حدود” و”المساعدة الطبية للفلسطينيين” موارد لا غنى عنها للرعاية الطارئة وعلاج الإصابات الخطرة، وأسهمت في الحفاظ على ما تبقّى من نظام صحي شبه منهار، في وقت خرجت فيه مستشفيات عديدة عن الخدمة بفعل القصف والتدمير.

ويعكس اعتماد غزة العميق على هذه المنظمات حجم الدمار الذي لحق بالمجتمع الفلسطيني، فهي تعمل منذ سنوات في فراغ خلّفه تفكيك المؤسسات الفلسطينية وتأجيل أي حل سياسي، وفي ظل استمرار الاحتلال والحصار، أصبحت هذه الجهات من آخر الحواجز التي تحول دون الانهيار الشامل.

وفي سياق إبادة جماعية مستمرة، وتدمير ممنهج لمقومات الحياة، فإن سحب الوجود الإنساني المتبقي لا يعني سوى توجيه ضربة مباشرة لفكرة البقاء ذاتها.

تحاول حكومة الاحتلال التقليل من أثر هذه الخطوة بالقول إن المنظمات المستهدفة “لم تدخل مساعدات إلى غزة خلال وقف إطلاق النار الحالي، وإن مساهمتها مجتمعة لم تتجاوز1% من إجمالي حجم المساعدات”.

لكن هذا الحساب المادي الضيق يتجاهل طبيعة الدور الحقيقي الذي أدّته تلك المنظمات، من جراحات متخصصة، وعلاج الصدمات، وإعادة التأهيل للمصابين وذوي الإعاقة، إلى خدمات الصحة النفسية والدعم المؤسسي المستمر للنظام الصحي.

في عام 2025 وحده، نفذت منظمة أطباء بلا حدود قرابة 800 ألف استشارة طبية خارجية، وعالجت أكثر من 100 ألف حالة إصابة في غزة، بينما نفّذت منظمة المساعدة الطبية للفلسطينيين تدخلات حيوية، من بينها توسيع خدمات علاج السرطان في شمال القطاع.

إن اختزال هذا الأثر في “نسبة مئوية” غير موثّقة لا يُعد تقييماً موضوعياً، بل سردية تهدف إلى تطبيع إقصاء هذه المنظمات، وتصويره كأمر هامشي.

ما يتكشّف في المحصلة هو استراتيجية متكاملة، أولاً، خلق الاعتماد عبر الحصار والتدمير وتفكيك المؤسسات، ثم تسليح هذا الاعتماد عبر التحكم بوسائل البقاء أو سحبها، وفي غزة، حيث دمّرت دولة الاحتلال بالفعل الشروط المادية للحياة، يأتي تعليق العمل الإنساني ليُكمل هذه المعادلة القاتلة.

إن ما يجري ليس فشلاً إنسانياً، بل جزء من سياسة إبادة أوسع، يستخدم فيها تقديم المساعدات أو منعها كأداة لجعل البقاء نفسه أمراً مستحيلاً.

للاطلاع على المقال الأصلي من (هنا)

مقالات ذات صلة