من الحلف إلى الخصومة: كيف تفكك الصراع السعودي الإماراتي في اليمن؟

قال دبلوماسيون عرب وأميركيون لموقع “ميدل إيست آي” إن المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة أصبحتا تعتمدان على مكامن القوة العسكرية لهما في اليمن، تحسباً من تصعيد إضافي في التوتر بين الحليفين الخليجيين السابقين اللذين تحوّلا إلى خصمين.

وجاء ذلك بعدما شهدت العلاقات بين القوتين الإقليميتين تصعيداً حاداً يوم الثلاثاء، حين قصفت قوات تقودها السعودية ميناء المكلا في جنوب اليمن، مستهدفة ما قالت الرياض إنه شحنة أسلحة مرتبطة بالإمارات كانت في طريقها إلى “المجلس الانتقالي الجنوبي” الانفصالي.

وكان المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي أعلن دعمه العلني للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً في مواجهة جماعة الحوثي، قد شنّ في وقت سابق من هذا الشهر هجوماً على قوات الحكومة المدعومة من السعودية، في مسعى لإقامة دولة مستقلة في جنوب البلاد.

واستناداً إلى تقدّم قوات المجلس الانتقالي وشحنات الأسلحة، اعتبرت المملكة أن ما يجري يشكّل تهديداً لأمنها القومي، معربة عن خيبة أملها مما وصفته بـ “الضغوط التي تمارسها الإمارات” على الانفصاليين لتنفيذ عمليات عسكرية في محافظتي حضرموت والمهرة، المحاذيتين لكل من السعودية وسلطنة عُمان.

وقالت وزارة الخارجية السعودية إن “الخطوات التي اتخذتها الإمارات تُعدّ بالغة الخطورة”، مضيفة أنها تتعارض مع المبادئ التي أُنشئت على أساسها التحالفات الداعمة للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، والتي حظيت بدعم كلٍّ من الرياض وأبوظبي.

من جهتها، ردّت وزارة الخارجية الإماراتية بلهجة حادة على السعودية، متهمة إياها بالإيحاء بأن أبوظبي تسعى إلى “تقويض” أمن المملكة.

وفي وقت لاحق، أعلنت وزارة الدفاع الإماراتية أنها أجرت “تقييماً شاملاً” لدورها في اليمن، وقررت على أساسه إنهاء مهمتها هناك.

وقال مسؤول خليجي لموقع “ميدل إيست آي” إن الضربات السعودية الدقيقة فاجأت كلاً من القيادة الإماراتية ومسؤولين في الولايات المتحدة.

وأضاف المسؤول: “لم يكن هذا متوقعاً على هذا المستوى”، موضحاً أن استعراض القوة السعودي جاء بعدما شعرت الرياض بأنها “خُدعت” عند اكتشافها أن الإمارات كانت تعمل على تعزيز قدرات المجلس الانتقالي الجنوبي بالأسلحة والمركبات المدرعة، في الوقت الذي كانت فيه تجري مفاوضات مع السعودية لخفض التصعيد.

وفي هذا السياق، توقع محمد الباشا، المحلل المتخصص في الشأن اليمني ومؤسس “تقرير الباشا”، أن تقيّد سيطرة السعودية على المجال الجوي والمعابر البرية والمنافذ البحرية في جنوب اليمن تدفّق الأسلحة والمعدات والدعم اللوجستي إلى المجلس الانتقالي الجنوبي.

وأوضح الباشا أنه ورغم قدرة الإمارات على نشر مئات الآلاف من المقاتلين المدججين بالسلاح على الأرض، إلا أنها ستواجه صعوبات كبيرة في إعادة تسليح حلفائها من الميليشيات في حال اندلاع صراع طويل الأمد، بسبب تفوّق السعودية في التحكم بنقاط الاختناق البحرية والمعابر الحدودية.

“سيطرة السعودية على الأجواء والمعابر البرية والمنافذ البحرية في جنوب اليمن من شأنها أن تحدّ من تدفّق السلاح والمعدات والدعم اللوجستي إلى المجلس الانتقالي الجنوبي” – محمد الباشا، المحلل المتخصص في الشأن اليمني

وقد دفعت الطبيعة غير المسبوقة لهذه الضربات وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إلى إجراء اتصالات هاتفية مع نظيريه السعودي والإماراتي، غير أن البيانات الرسمية الصادرة عن تلك المكالمات اتسمت بالحذر والعمومية.

وأكد دبلوماسي أميركي ومسؤول خليجي لموقع “ميدل إيست آي” أن واشنطن تعمل على منع وقوع مزيد من التصعيد.

في المقابل، قال خبراء للموقع إن الضربات السعودية وقرار الإمارات الانسحاب من اليمن يثيران تساؤلات جدية حول الكيفية التي ستواصل بها أبوظبي دعم حليفها الرئيسي هناك.

من جانبه، قال هشام الغنام، المحلل السعودي في الشؤون العسكرية والباحث في مركز كارنيغي للشرق الأوسط في الرياض أن “الإمارات قادرة على حشد قوات وكيلة كبيرة، لكن ميزة السعودية اليوم تكمن في مجالات أخرى، أبرزها الشرعية الدولية، والعمق الاستراتيجي، والنفوذ الاقتصادي، والدروس المستفادة من السنوات الماضية”.

شبكات النفوذ الإماراتية

وتتفاعل التوترات بين الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية منذ سنوات، لكنها تصاعدت بشكل ملحوظ بعد التقدّم الذي أحرزه “المجلس الانتقالي الجنوبي” في وقت سابق من هذا الشهر.

وقال فَريع المسلمِي، الخبير في الشأن اليمني في مركز “تشاتام هاوس”، لموقع ميدل إيست آي إن الوضع يزداد احتقاناً، وإن منطقة الخليج تدخل مرحلة تنافس “أكثر خطورة من عام 2017″، حين قادت السعودية والإمارات، وهما حليفان آنذاك، حصاراً على قطر.

وأضاف المسلمِي: “حتى في أسوأ مراحل الحصار، لم تقصف السعودية يوماً حلفاء قطر”.

من جهته، قال محمد الباشا إن إعلان الإمارات سحب قواتها من اليمن يُعدّ تطوراً كبيراً من حيث الشكل، لكنه في الواقع محدود الأثر.

وأوضح: “انسحاب الأفراد الإماراتيين لا يعني فك ارتباط أبوظبي بحلفائها المحليين في غرب وجنوب اليمن، لأن شبكات النفوذ الإماراتية وهياكل الدعم على الأرض ما زالت قائمة”.

وكانت السعودية والإمارات متحالفتين في اليمن، حيث قادتا قبل نحو عقد حملة عسكرية كارثية لإزاحة جماعة الحوثي المتحالفة مع إيران، ولا يزال الحوثيون يسيطرون على العاصمة صنعاء ومعظم شمال غرب البلاد المكتظ بالسكان.

وبدأت الإمارات سحب قواتها من اليمن عام 2019، مع توسيع استثماراتها في الميليشيات المحلية، لتُبقي فقط على عدد محدود من المستشارين على الأرض.

ويمنح هذا الاستثمار طويل الأمد في القوى الوكيلة أبوظبي أفضلية اليوم، إذ يمكنها، وفقاً للباشا، الاعتماد على ما يصل إلى 200 ألف مقاتل مسلح.

وتدعم الإمارات طيفاً واسعاً من التشكيلات المسلحة التي تمسك بنفوذ على امتداد الساحل الغربي لليمن على البحر الأحمر وفي الجنوب الغربي، من بينها قوات المقاومة الوطنية، وألوية العمالقة الجنوبية، وقوات الحزام الأمني.

في المقابل، قال محللون لـ ميدل إيست آي إن السعودية تعمل بدورها على حشد حلفائها ومنهم “تحالف قبائل حضرموت” وميليشيا تُعرف باسم “درع الوطن”، غير أن أعداد هذه القوات لا تتجاوز عشرات الآلاف.

وقالت إليونورا أرديماغني، الخبيرة في شؤون الجماعات المسلحة في اليمن والباحثة المشاركة الأولى في المعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية (ISPI)، أن “السعودية أوضحت بجلاء أنها تعتبر السيطرة على حدود حضرموت مع المملكة مسألة أمن قومي”.

وأضافت: “لا أعتقد أن السعوديين سيعيدون النظر في هذا الموقف، ما دامت قوات المجلس الانتقالي تسيطر على وادي حضرموت ومنشأة بترو مسيلة النفطية”.

هل ستكون القوة الجوية السعودية مختلفة هذه المرة؟

وكان التدخل السعودي في اليمن قبل عقد من الزمان قد تحول إلى مستنقع عسكري، فقد نفّذت الرياض عشرات الآلاف من الغارات الجوية التي فشلت في إزاحة الحوثيين، لكنها تسببت في مقتل آلاف المدنيين، ما أثار ردود فعل سلبية واسعة وألحق ضرراً بصورة المملكة بوصفها مركزاً اقتصادياً حديثاً.

ويرى خبراء أن الضربات الأخيرة تهدف جزئياً إلى إظهار أن الرياض استوعبت دروس الماضي، حيث نشرت المملكة لوسائل الإعلام لقطات مراقبة تُظهر على ما يبدو مركبات مدرعة قبل تدميرها.

وكان الحوثيون قد استفادوا من الطبيعة الجبلية الوعرة لتحييد التفوق الجوي السعودي، بينما يعمل المجلس الانتقالي الجنوبي في بيئة صحراوية مفتوحة في حضرموت.

وقال هشام الغنام، المحلل الدفاعي السعودي، إن الرياض “ابتعدت عن نمط الحروب التوسعية واسعة النطاق، واتجهت نحو نموذج يركز على الردع والضغط الانتقائي وتحقيق نتائج سياسية”.

وأضاف أن المملكة أدركت أن “الاعتماد على الوكلاء والقوة النارية وحدهما لا يمكن أن يحقق الاستقرار في اليمن”، وأنها تسعى من خلال موقف دفاعي في مواجهة الإمارات إلى بلوغ تسوية سياسية، لا إلى “الهيمنة العسكرية على اليمن”.

“الوضع مختلف جذرياً عمّا كان عليه حين كان الحوثيون يختبئون في الجبال، هنا، للسعوديين أفضلية، المجلس الانتقالي الجنوبي أكثر عرضة للقوة الجوية السعودية مما كان عليه الحوثيون، وأي بدوي يعرف كيف يُقاتل في الصحراء” – فَريع المسلمِي

من جهتها، قالت أرديما غني أن المجلس الانتقالي يدخل الآن “معركته الوجودية” لإقامة دولة جنوبية.

وأوضحت: “على المدى القصير إلى المتوسط، قد يسعى المجلس إلى التفاوض على ترتيبات محلية محدودة مع القوات المدعومة من السعودية بشأن إدارة الحدود، لكنني لا أعتقد أنه قادر على التراجع عن هدفه الأصلي”.

وفي السياق ذاته، قال مسؤول في المجلس الانتقالي الجنوبي لـ ميدل إيست آي إن الجماعة منفتحة على محادثات لخفض التصعيد، لكنها “لن تتردد في الدفاع عن أراضيها”.

الورقة الحوثية الرابحة

ويرى محللون أن جماعة الحوثي خرجت بالفعل أكبرَ المستفيدين من الصراع المتصاعد بين السعودية والإمارات.

وقالت إليونورا أرديما غني إن “هذا المستوى من الانقسام، وتضارب السرديات، وانعدام الثقة بين القوات المدعومة إماراتياً وتلك المدعومة سعودياً في اليمن، يطرح سؤالاً بديهياً: من سيجرؤ بعد اليوم على تخيّل عملية برية مشتركة لاستعادة الحديدة أو صنعاء؟”.

وبعد إخفاقها في إزاحة الحوثيين، دخلت السعودية في هدنة مع الجماعة عام 2022، ورغم انتهاء الاتفاق الذي رعته الأمم المتحدة، فإن حالة التهدئة استمرّت إلى حدّ كبير، خصوصاً بعد أن توسطت الصين عام 2023 في استعادة العلاقات الدبلوماسية بين طهران والرياض، ما ساهم في ضبط التوتر مع الحوثيين.

كما خرجت السعودية إلى حدّ بعيد سالمة من الهجمات التي شنّها الحوثيون على السفن في البحر الأحمر، والتي قالوا إنها جاءت تضامناً مع الفلسطينيين المحاصَرين في غزة، عقب الهجوم الذي قادته حركة حماس في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 على جنوب دولة الاحتلال.

بل إن السعودية، وفق ما كشفه موقع ميدل إيست آي، ضغطت على الرئيس الأميركي دونالد ترامب لوقف الضربات الأميركية ضد الحوثيين، قبل زيارته منطقة الخليج في مايو/أيار 2025.

ورغم ذلك، لا تزال العلاقة بين الحوثيين والسعودية مثقلة بقدر عميق من انعدام الثقة، إذ يشير محللون سعوديون باستمرار إلى خطاب حوثي يشكّك في سيادة المملكة على أجزاء من أراضيها كما تبقى الرياض متحفزة لاحتمال تجدّد هجمات الطائرات المسيّرة والصواريخ الحوثية. 

ومع هذا، أجرى الطرفان محادثات مكثفة، وتوصلا في ديسمبر/كانون الأول إلى اتفاق على عملية تبادل أسرى واسعة.

“انفتاح السعودية على الحوثيين فاقم التوتر مع الإمارات التي لم تكن راضية عن تهميشها في المفاوضات بين الحوثيين والسعودية” – فَريع المسلمِي

وأشار المسلمي إلى أنه لا يستبعد قيام ترتيب تكتيكي بين الحوثيين والسعودية في مواجهة الإمارات، مبيناً أن “وقف إطلاق النار الفعلي بين الحوثيين والإماراتيين سينهار”.

وتابعا: “لن أُفاجأ إذا أطلق الحوثيون عدداً من الطائرات المسيّرة والصواريخ باتجاه الإمارات”.

وكان آخر هجوم حوثي على أبوظبي قد وقع في يناير/كانون الثاني 2022، ما أثار آنذاك مخاوف جدية بشأن مكانة الإمارة بوصفها مركزاً عالمياً للأعمال.

في السياق نفسه، قال محلل خليجي مقرّب من دوائر صنع القرار في السعودية لموقع ميدل إيست آي إن الرياض “لن تمانع” رؤية المجلس الانتقالي الجنوبي والحوثيين ينخرطون في مواجهة مباشرة.

واستدرك بالقول أن الرياض في الوقت ذاته لا ترغب في إطلاق موجة جديدة من الفوضى الإقليمية خشية أن تنقلب تداعياتها عليها”، وختم بالقول: “السعوديون يريدون فقط الهدوء على حدودهم”.

مقالات ذات صلة