بقلم فريد حافظ
ترجمة وتحرير نجاح خاطر
عندما حلّ حزب الحرية النمساوي اليميني المتطرف (FPO) بزعامة يورغ هايدر في المرتبة الثانية خلال الانتخابات الوطنية عام 1999، ثم دخل لاحقاً إلى الحكومة، جاءت ردود الفعل الأوروبية سريعة وقاسية.
في ذلك الوقت، فرضت الدول الأعضاء الأربع عشرة الأخرى في الاتحاد الأوروبي عقوبات دبلوماسية، فيما جرى التعامل مع اليمين المتطرف باعتباره منبوذاً على المستوى الدولي، وهو الذي كان لا يزال محصوراً إلى حد كبير في هوامش المشهد السياسي.
وفي تلك المرحلة، شمل هذا الموقف دولة الاحتلال التي مُنع هايدر من دخولها أيضاً، فرغم أنه كان متعلماً ويتمتع بكاريزما واضحة، وكان أصغر سناً من أن يكون نازياً بالمعنى التاريخي، إلا أنه قاد حزباً لم تكن جذوره وثقافته موضع لبس.
فقد تأسس حزب الحرية النمساوي عام 1956 على يد جنرال سابق في قوات الحماية النازية، وكان العداء للسامية جزءاً متجذراً في حمضه النووي السياسي وكان يظهر بانتظام أيضاً في خطاباته واجتماعاته وأدائه العلني، والمسؤولون في دولة الاحتلال كانوا يدركون تماماً هذا الإرث.
غير أن تلك الأيام انقضت، فلم تعد أحزاب اليمين المتطرف تقف على أطراف السياسة الأوروبية، إذ دخلت أحزاب ما بعد الفاشية والتيارات اليمينية المتشددة الحكومات، أو دعمت ائتلافات حاكمة، أو حتى تولت مواقع قيادية عبر القارة.
وفي القلب من هذا التحول، كان هناك جهد منظم لإعادة تطبيع صورة هذه الأحزاب، لا عبر التخلي عن سياساتها الإقصائية، بل من خلال إعادة تغليفها بلغة المخاوف العنصرية السائدة في الزمن الراهن.
فبعدما كانت هذه الحركات وأسلافها يروّجون لنظريات مؤامرة حول “مخطط يهودي عالمي” يسعى للهيمنة على العالم، باتوا اليوم يعلنون أنهم يواجهون تهديداً وجودياً مختلفاً، مستخدمين خطاباً شديد الشبه.
وبحسب السرد الجديد، فإن المسلمين هم من يسعون إلى “الاستيلاء” على أوروبا بالتنسيق مع نخب “عالمية ويقِظة”، أي أن سردية هذه الأحزاب تقوم على مبدأ أن المؤامرة باقية لكن الهدف هو الذي تغيّر,
السعي إلى القبول
في هذا السياق، عمل اليمين الأوروبي المتطرف بلا كلل للحصول على اعتراف في دولة الاحتلال.
ففي عام 2010، زار وفد من قيادات يمينية متطرفة من النمسا وبلجيكا وألمانيا والسويد دولة الاحتلال، في أول زيارة من نوعها في القرن الحادي والعشرين، للقاء سياسيين منها.
وقد سهّل رجل أعمال من دولة الاحتلال الزيارة، واقتصرت اللقاءات على أعضاء هامشيين في الكنيست من حزب “شاس” الحريدي ونائب وزير من حزب الليكود، من دون استقبال رسمي من الكنيست أو الحكومة.
لكن تلك الزيارة شكّلت نقطة تحول، فقد وقّع الوفد ما عُرف بـ “إعلان القدس”، في إشارة إلى تحوّل استراتيجي بعيداً عن العداء الصريح للسامية، ونحو جعل الإسلاموفوبيا أساساً لبناء التحالفات.
وأعلن البيان بوضوح: “نحن في طليعة النضال دفاعاً عن المجتمع الغربي الديمقراطي في مواجهة التهديد الشمولي الذي يمثله الإسلام الأصولي”.
بعبارة مباشرة، تنسّق دولة الاحتلال مع موجة سلطوية تجتاح أوروبا لتكريس شرعية سياساتها القائمة على حرب الإبادة وتآكل الديمقراطية.
وقد عبّر كنت إيكرُوث، الأمين الدولي السابق لحزب “ديمقراطيو السويد”، بصراحة عن الهدف من التحالف مع دولة الاحتلال، قائلاً إنه يهدف إلى “إضفاء الشرعية على أحزابنا في أوروبا”.
ورغم استمرار تردّد قطاعات من المجتمعات اليهودية إزاء تطبيع العلاقات مع أحزاب ذات جذور في التعاون مع النازية والعداء للسامية، فإن دولة الاحتلال أعادت صياغة مقاربتها جذرياً.
ففي فبراير/شباط 2025، انضم حزب الليكود الحاكم بزعامة بنيامين نتنياهو بصفة مراقب إلى مجموعة “وطنيون من أجل أوروبا” التي باتت ثالث أكبر كتلة يمينية متطرفة في البرلمان الأوروبي.
وبعد أقل من عام، وفي 25 يناير/كانون الثاني، استقبلت حكومة نتنياهو السابعة والثلاثون رسمياً وفداً من اليمين المتطرف في مكاتبها.
واستقبل نتنياهو ووزيرة المواصلات ميري ريغيف وهي ضابطة سابقة في جيش الاحتلال برتبة عميد وناطقة باسمه سابقاً ممثلين عن “وطنيون من أجل أوروبا”، بينهم هيرمان تيرتش من حزب “فوكس” الإسباني، وفابريس ليغريه وفيرجيني جورون من “التجمع الوطني” الفرنسي، وهارالد فيليمسكي من حزب الحرية النمساوي، إضافة إلى ممثل عن حزب “فيدس” الحاكم في هنغاريا.
ووصف حزب الحرية النمساوي اللقاء الذي استمر 45 دقيقة بأنه “تاريخي”، كونه أول ظهور رسمي لممثل الحزب في مكتب رئيس وزراء دولة الاحتلال.
يجسد هذا المشهد انخراط دولة الاحتلال في موجة سلطوية تجتاح أوروبا لتمنح شرعية لسياساتها القائمة على حرب الإبادة وتآكل الديمقراطية، فيما يزداد اليمين المتطرف الأوروبي حضوراً وتحولاً إلى تيار سائد في قلب المشهد السياسي
خطاب نهاية العالم
لم يعد نتنياهو يتردد في غض الطرف عن النزعات المعادية للسامية لدى حلفائه، ولا في توظيف اتهامات العداء للسامية لتحقيق مكاسب سياسية، بل امتد ذلك إلى التحالف مع فاعلين عنصريين يعيدون تدوير الصور النمطية ذاتها التي استُخدمت تاريخياً ضد اليهود، ولكن هذه المرة موجّهة ضد المسلمين.
وخلال اللقاء، حذّر نتنياهو من “هجوم منسّق” تقوده “قوى إسلامية ويسارية” على تحالف دولته مع الغرب.
وقال نتنياهو: “الحضارة الغربية اليهودية-المسيحية تتعرض لهجوم، هذا الجهد لا تقوم به فقط قوى الإسلام الراديكالي، بل أيضاً قوى تعرفونها جيداً: اليسار الراديكالي العميق والإسلاميون، الذين يُفترض أنهم خصوم، لكنهم يتحدون حول شيء واحد – كراهية إسرائيل واليهود”.
واستحضر نتنياهو في حديثه إيران، مردداً خطاباً كارثياً تصاعد منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 حين أضاف: “لسنا مجرد حلفاء ورفاق سلاح، بل نحن إخوة وأخوات في معركة حاسمة من أجل مستقبل العالم، إن أخطر تهديد يواجه العالم هو الجمع بين الإسلام المتشدد والسلاح النووي”.
وجاء اللقاء ضمن تحرك دبلوماسي أوسع تزامن مع المؤتمر الدولي الثاني لمكافحة معاداة السامية، الذي عُقد يومي 26 و27 يناير/كانون الثاني، وجمع عدداً من أبرز رموز اليمين المتطرف العالمي.
وفي كلمته هناك، قال نتنياهو: “ما تفعله إسرائيل اليوم لا يقتصر على الدفاع عن نفسها بل هو دفاع عنكم أيضاً، لأنه لن يكون هناك غرب في الشرق الأوسط إذا دُمرت الدولة اليهودية، ولن يكون هناك ما يعيق الغزو اللاحق لأوروبا إذا لم توجد الدولة اليهودية” وهكذا غذّى صراحةً المخاوف من “غزو مسلم” لأوروبا.
وقال أحد ممثلي “وطنيون من أجل أوروبا” إن المعركة هي ضد “الاشتراكية والإسلاموية والجريمة المنظمة”، لقد عاد اليوم ما كان يُسمى يوماً “مؤامرة يهودية-بلشفية” في صورة “مؤامرة إسلاموية-يسارية”.
وشهد المؤتمر اجتماعات جانبية عدة، بينها جلسات في الكنيست قدّم خلالها ليغريه رؤيته بشأن “أدوات تشريعية لمواجهة الإسلاموية والحركات المتطرفة”.
كما شهد لقاءات مع وزير شؤون الشتات في دولة الاحتلال حول مكافحة معاداة السامية في أوروبا، وتكررت في هذه اللقاءات عناوين “السيادة والأمن والتعاون الدولي”.
ومع تولي ريغيف تمثيل ما أُطلق عليه “وطنيو القدس”، أنشأت دولة الاحتلال أول فرع رسمي فيها مرتبط بمجموعة “وطنيون من أجل أوروبا”، في خطوة يُتوقع أن تعمّق التنسيق السياسي بين الجانبين.
أما المكاسب التي تأمل دولة الاحتلال في تحقيقها، فقد عبّرت عنها ريغيف بوضوح، ففي ظل تزايد الدعم الانتخابي للأحزاب اليمينية المتطرفة في أوروبا، وصفت ريغيف التحالف بأنه “خطوة استراتيجية” تعزّز مكانة الاحتلال الدولية، وتشكّل “جبهة واضحة في مواجهة محاولات المقاطعة ونزع الشرعية”.
وبصورة مباشرة، فإن دولة الاحتلال تنخرط في موجة سلطوية تجتاح أوروبا لتمنح شرعية لسياساتها القائمة على حرب الإبادة وتآكل الديمقراطية، فيما يزداد اليمين المتطرف الأوروبي حضوراً وتحولاً إلى تيار سائد في قلب المشهد السياسي.
للاطلاع على المقال الأصلي من (هنا)







