من اليمن إلى باب المندب: كيف يُعاد تشكيل توازنات البحر الأحمر؟

بقلم تقادم الخطيب

ترجمة وتحرير موقع بالعربية

لم تكن الضربة العسكرية الأخيرة التي نفذتها السعودية ضد قوات مدعومة من الإمارات في اليمن حدثاً تكتيكياً عابراً، بل مثّلت لحظة مفصلية تشير إلى دخول المنطقة مرحلة جديدة، عنوانها الأبرز انهيار فكرة التحالفات بحد ذاتها.

فقد عكست الضربة السعودية في المكلا تفكك بنية تشكّلت منذ عام 2011، قائمة على وهم إمكانية توظيف الفوضى من دون أن ترتدّ كلفتها على من يصنعها. 

وجاءت هذه الضربة نتيجة إدراك قاسٍ مفاده أن إبقاء اليمن ضعيفاً يُنتج كيانات مسلحة قد تحوّل الحدود الجنوبية للسعودية إلى نقطة هشة دائمة، على غرار جنوب لبنان في مواجهة دولة الاحتلال، أو شمال سوريا بالنسبة إلى تركيا.

هذا الحدث لم يكن محض استعراض قوة، بل ضربة مدفوعة بمخاوف من أن أدوات نفوذ كانت تُعدّ موثوقة قد تتحول مستقبلاً إلى مصادر تهديد. 

وكانت الرسالة الموجهة إلى الإمارات رسالة عسكرية وبنيوية في آن واحد مفادها أن مرحلة اللعب على الهوامش وبناء النفوذ عبر وكلاء محليين وميليشيات عابرة للحدود قد أصبحت مكلفة وربما مدمّرة للذات.

وبالنسبة إلى الإمارات، فقد كشفت الضربة عن هشاشة استراتيجية عميقة، ذلك أن أبو ظبي لم تبنِ قوتها على عمق ديمغرافي أو ثقل تاريخي–سياسي، ولا تمتلك رأس مال رمزيّاً كالذي تتمتع به مدن إقليمية كبرى مثل مكة والمدينة والقاهرة ودمشق وبغداد وإسطنبول. 

ولم يعد السؤال الملح أمام الإمارات يقتصر على كيفية الرد على هذه الضربة، بل على ما إذا كانت قادرة على الاستمرار كلاعب من الظل في زمن لم يعد يحتمل الظلال.

إن هذا الفراغ البنيوي يجعل من الصعب على أبوظبي ترسيخ نفوذ إقليمي طويل الأمد، مهما امتلكت من ثروة وقدرات مالية. 

ولهذا السبب فقد اعتمدت نموذج السيطرة غير المباشرة عبر الموانئ والجزر والممرات البحرية وشركات الأمن الخاصة. 

وربما نجح هذا النموذج خلال مرحلة الانهيار العربي الإقليمي، لكنه يصبح هشّاً حين تبدأ الدول حتى المُنهكة منها في استعادة غريزة البقاء والدفاع عن مجالاتها الحيوية.

الخروج من الظل

ويبقى السؤال الحاسم للإمارات اليوم هو ما إذا كانت قادرة على الاستمرار كلاعب خفي في مرحلة لم تعد تتسامح مع الغموض، أم أن المنطق الجديد سيدفعها إلى التحول إلى فاعل مباشر في صراعات تتجاوز قدرتها الديمغرافية والسياسية.

وهنا نصل إلى البحر الأحمر، الذي لم يعد مجرد ممر مائي، بل تحوّل إلى ساحة مفتوحة لإعادة توزيع القوى. 

فمثلاً، لا تسعى دولة الاحتلال إلى السيطرة على البحر الأحمر عبر الاحتلال المباشر، بل إلى تجريده من أي سيادة عربية فاعلة، وتحويله إلى “بحر تردّد”، تتم إدارة أمنه عبر قواعد غير مباشرة، وكيانات هشّة، واتفاقيات أمنية مع دول تبحث عن الحماية لا عن الفاعلية.

في المقابل، لا ترغب إيران في بحر أحمر مستقر، بل في بحر مضطرب يُستخدم أداة ضغط عالمية. 

أما تركيا فلا تنازع في القلب مباشرة، بل تطوّق الأطراف، ليبيا، القرن الأفريقي، قطر، لتحسين شروط التفاوض الأعم، وتمدّ كل قوة كبرى يدها إلى المياه، فيما تتنازع الدول العربية على الشواطئ.

وفي هذه المرحلة من التاريخ الإقليمي، لا يُعاقَب من يخطئ في الحساب، بل من يترك المساحات بلا حماية

وضمن هذا السياق، لم يكن اعتراف دولة الاحتلال الأخير بأرض الصومال خطوة رمزية أو دبلوماسية، بل تحركاً متقدماً لإعادة تشكيل البحر الأحمر، فمن يرسّخ موطئ قدم في القرن الأفريقي يراقب مضيق باب المندب، ومن يسيطر على هذا الممر الحيوي يستطيع خنق الخليج أو حمايته، والضغط على مصر أو تحييدها.

وقد أثبتت التجربة أن الحروب الحديثة لا تُخاض بالدبابات، بل بالاعترافات الدولية، وسلاسل الإمداد، وشبكات النفوذ التي تعمل تحت غطاء الاستثمار أو “مكافحة الإرهاب”.

ولا يمكن فهم هذا المشهد خارج الاستراتيجية الأشمل لدولة الاحتلال، التي لا تهدف إلى إسقاط الدول العربية دفعة واحدة، بل إلى تفكيك قدراتها السيادية وتحويلها إلى وحدات وظيفية أو مناطق أزمات دائمة. 

لقد كانت فلسطين هي النموذج الأول، إذ أن فيها إقليمان بلا سيادة،  ثم لبنان عبر شلل الدولة المركزية، وسوريا عبر خرائط النفوذ، والعراق عبر الحفاظ على الانقسامات البنيوية دون تفكك رسمي، والسودان من خلال تفتيت الدولة.

أما الجزائر، فهي حالة مختلفة لكنها مقلقة في تقديرات دولة الاحتلال، إنها دولة تحمل ذاكرة تحرر، وجيشاً منضبطاً أيديولوجياً، وموقفاً ثابتاً من التطبيع، ما يجعلها هدفاً للإضعاف لا للتفكيك، عبر إنهاك إقليمي ممتد في الساحل وليبيا والمغرب والصحراء الغربية، وعزل استراتيجي عن المشرق.

وقد بات التطبيع أداة مركزية في هذه البنية، عبر إدماج بعض الدول العربية في منظومة أمنية تقودها دولة الاحتلال، وتوزيع الأدوار بين ممولين ووسطاء وحراس ممرات. 

وهنا يبرز نموذج “الدولة الوظيفية” بوصفه النموذج المثالي، هي دولة بلا طموحات سيادية، يرتكز نفوذها على الموانئ والقواعد وشركات الأمن، لا على القرار السياسي أو العمق الشعبي.

تفكيك الدول

يفسّر هذا السلوك تركيز دولة الاحتلال على مناطق في الخليج والقرن الأفريقي، حيث تستهدف كيانات داخل الدول لتفكيكها إلى وحدات وظيفية ضمن شبكة نفوذها، من جنوب اليمن عبر المجلس الانتقالي الجنوبي، إلى مناطق قبلية في الجزائر، وأقاليم ليبية تحت سيطرة خليفة حفتر، وأجزاء من الصومال.

ومن خلال التطبيع والاعتراف الدولي، تسعى دولة الاحتلال إلى تحويل هذه الكيانات إلى أدوات ضغط، فيما تحتفظ دول أخرى بحدود ضيقة من القرار السيادي. 

وهكذا تتحول الإمارات إلى كيان وظيفي يربط هذه المناطق بتحالفات دولة الاحتلال، ويؤمّن السيطرة على الممرات الحيوية، بينما تواجه قوى عربية تقليدية مثل مصر والجزائر وسوريا ضغوطاً متزايدة للتكيف أو القبول بقواعد اللعبة الإقليمية.

في المرحلة المقبلة، تشمل السيناريوهات المحتملة تصعيداً عسكرياً مستمراً في اليمن، قد يتطور إلى مواجهة إقليمية تهدد مجدداً الملاحة في البحر الأحمر، وتدفع مصر إلى انخراط أوسع في حماية الممرات الاستراتيجية وقناة السويس.

وفي الوقت نفسه، قد تتحرك دولة الاحتلال لترسيخ وجودها في الصومال والقرن الأفريقي لضمان السيطرة على باب المندب، وربط البحر الأحمر بتحالفات الخليج، بما يضع المنطقة تحت إشراف شبه كامل من الاحتلال، مع تقليص هامش الاستقلال العربي.

وبالتوازي، ستواصل إيران توظيف الحوثيين والقرن الأفريقي كورقة ضغط على الخليج ومصر، بما يعيد تشكيل موازين القوة البحرية ويفرض على الدول العربية إعادة ترتيب تحالفاتها والتفاوض على ترتيبات أمنية إقليمية شاملة. 

كما قد تدخل تركيا هذا الميدان مباشرة عبر شراكات مع السودان أو الصومال، ما يزيد المشهد تعقيداً.

وبالنسبة إلى مصر، تتمثل التحديات المركزية في التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير، وانقسام السودان، وضعف ليبيا، وقد قيّدت هذه العوامل قدرتها على تأمين الممرات الحيوية، ما يدفعها إما إلى بناء تحالفات جديدة أو تعزيز الحضور الأمني الدولي للحفاظ على استقرار البحر الأحمر.

وتعيش مصر اليوم وضعها الإقليمي الأكثر هشاشة لأنها الأكثر تقييداً، وذلك لأن التخلي عن تيران وصنافير لم يكن مجرد خسارة جزيرتين، بل فقدان رمز للسيطرة على البوابة الشمالية للبحر الأحمر. 

وفي الوقت نفسه، أدى السماح بتفكك السودان إلى استنزاف عمقها الاستراتيجي، فيما تركت إدارة الملف الليبي أمنياً دون مشروع سياسي طويل الأمد الباب مفتوحاً أمام التدخلات الخارجية.

والنتيجة تآكل في قدرة الردع، وطرح سؤال وجودي: هل ترغب مصر في استعادة قدرة حقيقية على المنع والتعطيل، أم الاكتفاء بإدارة وضع “مستقر” داخل إقليم مضطرب؟

إن ما يجري اليوم ليس أزمة عابرة، بل تحوّل تاريخي واضح: من شرق أوسط كانت تُدار فيه الأزمات، إلى شرق أوسط تُدار فيه الخرائط. 

لم يعد الصراع بين دول فقط، بل على فراغ السيادة والقرار والردع، وفي هذه المرحلة، لا يُعاقَب من يخطئ الحساب، بل من يترك الفراغ بلا حراسة.

ومن لا يملأ الفراغ بنفسه، سيجده مملوءاً بغيره، تلك هي القاعدة القاسية التي باتت تحكم المنطقة اليوم.

للاطلاع على المقال الأصلي من (هنا)

مقالات ذات صلة