من دافوس إلى حرب إيران… سقوط الخطاب الأخلاقي للسياسة الكندية

بقلم جيريمي وايلدمان

ترجمة وتحرير نجاح خاطر

حظي رئيس الوزراء الكندي مارك كارني بإشادةً دولية واسعة إثر خطابه في دافوس، في العشرين من يناير/ كانون الثاني الماضي، حين دعا القوى المتوسطة، ومن بينها كندا، إلى التضامن وبناء نظام عالمي جديد، تُشكّل ركائزه احترامُ حقوق الإنسان، والتنمية المستدامة، والسيادة الوطنية، وصون سلامة الأراضي.

جاء ذلك الخطاب في توقيت بالغ الدلالة، إذ يشهد النظام الدولي القائم على القواعد تصدّعاً عميقاً في بنيانه، في خضمّ تراجع أمريكي لافت عن التزاماتها تجاهه، وصل حدّ التلويح بضمّ أراضٍ تابعة لحلفاء غربيين، كندا نفسها في مقدّمتهم. 

حذّر كارني من عالم باتت القوى الكبرى تتحرك فيه بلا وازع ولا رادع، ودعا إلى تكاتف القوى المتوسطة لصون النظام الدولي وترسيخ عدالته، بيد أن سؤالاً شائكاً يفرض نفسه بإلحاح: لماذا أسرعت حكومته، في غضون أسابيع معدودة، إلى الانتظام في ركب الحرب الأمريكية التي شنّتها واشنطن بالتنسيق مع دولة الاحتلال ضد إيران؟

وبمعزل عن السجل الحقوقي الإيراني المثير للجدل، وهو سجل لا يبدو أقل إشكالية من سجلات الولايات المتحدة ودولة الاحتلال، تظل هذه الحرب انتهاكاً صريحاً للفقرة الرابعة من المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة، التي تُجرّم صراحةً توظيف القوة ضد دول ذات سيادة، وهي فضلاً عن ذلك تتجاوز الدستور الأمريكي ذاته، الذي يحتفظ للكونغرس وحده بصلاحية إعلان الحرب.

والحروب، في طبيعتها، لا تلبث أن تفتح أبواب الجحيم: تتداعى البنى التحتية، وتنهار الاقتصادات، ويدفع المدنيون الأبرياء الثمن الأفدح. 

وقد كان المشهد الافتتاحي للحرب على إيران كارثياً بامتياز؛ إذ استهدفت الضربات الأمريكية الأولى مدرسةً، راح ضحيتها أكثر من مئة وسبعين شخصاً، في مقدّمتهم الأطفال، لتتواصل بعدها موجات من الغارات استهدفت المنظومة الصحية الإيرانية بصورة ممنهجة.

تناقض صارخ على الملأ

تكشف تصريحات وزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند، طوال الأسابيع المنصرمة، عن انحياز لافت نحو تحميل إيران مسؤولية الصراع، يفوق بمراحل ما تُحمّله للطرف الذي أشعل فتيله فعلياً.

ففي تناولها لجذور الأزمة، غضّت أناند الطرف بشكل منهجي عن الفعل العدواني المشترك بين الولايات المتحدة ودولة الاحتلال، لتُركّز بدلاً من ذلك على الردود الإيرانية، من ضربات طالت دول الخليج إلى إغلاق مضيق هرمز. 

فوُصفت هذه الأفعال بأنها “مرفوضة”، بينما استُخدمت عبارات أكثر تحفظاً وتخفيفاً في وصف الهجمات الأمريكية وهجمات جيش الاحتلال. 

وهكذا يُستحضر القانون الدولي حين يتعلق الأمر بإيران، ويتوارى تماماً حين يتعلق الأمر بواشنطن وتل أبيب: فبينما تندّد كندا باستهداف إيران لمنشآت الطاقة في الخليج أو بسقوط الضحايا، تُحجم عن استخدام هذا المعجم الأخلاقي ذاته إزاء ما تتعرض له البنية التحتية الإيرانية ومدنيّوها.

ولا يعكس هذا النهج سوى تطبيق انتقائي صارخ للمبادئ الكونية، يُنتج منظومة دولية تذكّر بمنطق الفصل العنصري، حيث تُطبَّق قواعد على دول الجنوب العالمي لا تُطبَّق على مثيلاتها من الدول الغربية.

ويتجلّى هذا التضارب بأكثر صوره وضوحاً عند المقارنة بين الموقف الكندي من الحرب في أوكرانيا وموقفه من الحرب على إيران، ففي الحالة الأولى، تُسمّي كندا روسيا معتدياً دون مواربة، وتُدين أفعالها، وتُحكم عليها طوق العقوبات. 

أما في الحالة الثانية، فلا الخطاب ذاته، ولا الإجراءات نفسها، بل ذهبت أناند إلى وصف الضربات الروسية على البنية التحتية الأوكرانية بأنها “انتهاك صريح للقانون الدولي” يستوجب المحاسبة، دون أن تُجشّم نفسها عناء استخدام وصف مماثل لما اقترفته الولايات المتحدة ودولة الاحتلال على الأراضي الإيرانية.

وتجلّت هذه الازدواجية في ذروتها يوم السادس والعشرين من مارس/آذار، حين أعلنت كندا حزمة عقوبات جديدة على إيران، دون أن تطال أي إجراء الجهات التي افتعلت الحرب ابتداءً. 

وفي اليوم التالي، بادرت أناند إلى إعادة نشر صورة تجمع وزراء خارجية مجموعة السبع بنظيرهم الأوكراني، في رسالة تضامن لا تُخطئها العين.

وعلى امتداد هذه التصريحات كلها، ظلّت أناند تستحضر خطاب كارني في دافوس، مقدّمةً كندا باعتبارها قوة متوسطة تتحرك “بوضوح وثبات” في عالم يموج بالاضطرابات، غير أن هذا الخطاب الرفيع بات يُوظَّف أداةً لتسويغ التناقضات، وتقديم الازدواجية الفاضحة في صورة “واقعية سياسية” مبدئية.

تقويض القانون الدولي من الداخل

من زاوية أشمل، تبدو السياسة الكندية أكثر اتساقاً مما يوحي به ظاهرها؛ فسواء عبر الدعم الصريح أو التواطؤ بالصمت، يعكس موقفها من إيران نمطاً راسخاً في تعاملها مع انتهاكات الولايات المتحدة ودولة الاحتلال في ساحات متعددة: من فنزويلا وكوبا إلى غزة ولبنان.

وحين دعا كارني إلى تعاون القوى المتوسطة، يبدو جلياً أنه كان يقصد تحالف القوى الغربية المهيمنة على هذا النظام، وهي في تاريخها قوى استعمارية قامت على نهب شعوب الجنوب واستنزاف مواردها، ولا تزال تُدار عجلتها بتدفقات العمالة الرخيصة والثروات الطبيعية القادمة من تلك البلدان، مع التعويل على الولايات المتحدة ذراعاً تنفيذية تضمن استدامة هذا النظام وتصون اشتراطاته.

في هذا السياق، لا غرابة أن يسعى صانع القرار الكندي إلى استرضاء واشنطن، خاصة في ظل ضغوط داخلية تصبّ في الاتجاه ذاته. 

وقد أسهم في تعزيز هذا التوجه خطابُ وزير الخارجية الأمريكي في مؤتمر ميونيخ للأمن، الذي رسم فيه صورة لإعادة توزيع مكاسب “الاستعمار العالمي في طبعته الجديدة” بين القوى الغربية، ما قد يُغري كندا بدعم الحرب على إيران رهاناً على إعادة واشنطن إلى موقعها في قيادة النظام الدولي.

غير أن النظام الذي على ما يبدو تسعى حكومة كارني إلى بنائه سيكون أضيق وأقل عدلاً، وأشد خطورة بشكل لا يُقاس، ذلك أن لا شيء يُهدّد النظام الدولي كما يُهدّده التطبيق الانتقائي لقواعده وأحكامه؛ إذ يحوّل العالم إلى غابة تسود فيها شريعة الأقوى، لا شريعة القانون.

وقد ألقت الحرب على إيران فعلاً بتداعياتها الاقتصادية الثقيلة على المستويين الدولي والكندي، وطالت آثارها المواطنين الكنديين المرتبطين بالمنطقة، في ظل صراع ينطوي على أبعاد نووية بالغة الخطورة. 

كما تواجه كندا ذاتها مخاطر وجودية على أراضيها، من احتمالات انفصال مقاطعات غنية بثرواتها الطبيعية إلى سيناريوهات الضم التي باتت تُلوّح بها واشنطن. 

والحماية الحقيقية لكندا لن تجيء من الانحياز الأعمى، بل من نظام قانوني دولي متين يجعل مثل هذه الاعتداءات مكلفةً إلى حدّ الردع.

وبناء هذا النظام يقتضي قيادة راشدة من القوى المتوسطة، على غرار إسبانيا التي انتصبت مدافعةً جادة عن القانون الدولي، مطبّقةً مبادئه على أوكرانيا وغزة وإيران بالقدر ذاته، دون انتقاء ولا تمييز، أما حكومة كارني، فقد آثرت مساراً معاكساً، يُسهم في تآكل هذا النظام بدلاً من تعزيز صرامته.

في المحصلة، لا تكمن خطورة الموقف الكندي في تناقضاته وحدها، بل في مساهمته الفاعلة في ترسيخ عالم يحكمه منطق القوة لا القانون، وتُطبَّق فيه القواعد على الضعفاء دون الأقوياء، وذلك عالمٌ يدفع الجميع ثمنه في نهاية المطاف، بمن فيهم من يحسبون أنهم في مأمن من حساباته.

للاطلاع على المقال الأصلي من (هنا)

مقالات ذات صلة