بقلم أنتوني لوينشتاين
ترجمة وتحرير نجاح خاطر
ما جرى لم يكن مرتبطًا بهجوم بوندي بيتش في سيدني، ولا بشخص الكاتبة الفلسطينية رندا عبد الفتاح بذاتها، بقدر ما كان تعبيرًا صارخًا عن حالة ذعر متصاعدة تهدف إلى إسكات كل صوت ناقد لدولة الاحتلال.
ففي مطلع يناير/كانون الثاني، تلقّت الكاتبة الفلسطينية الأسترالية رندا عبد الفتاح رسالة صادمة من مجلس إدارة مهرجان أديلايد الثقافي، تُبلغها بإلغاء مشاركتها في “أسبوع الكتّاب في أديلايد”، بحجة أن وجودها قد يكون “غير مناسب ثقافيًا”، وبرّر القائمون على المهرجان القرار بالمناخ العام الذي أعقب الهجوم الذي شهدته منطقة بوندي بيتش.
في جوهرها، تمثل الرسالة نموذجًا فجًّا للغة مموّهة تخفي نوايا واضحة وهي أنه بات من غير المقبول أن تكون فلسطينيًا في الفضاء العام، وأن تعلن صراحة معارضتك لدولة الاحتلال والصهيونية.
لم تكن رندا عبد الفتاح يوماً صوتًا طارئًا، فهي تكتب منذ سنوات طويلة حول فلسطين، ومواقفها معروفة على نطاق واسع، وبصفتها فلسطينية ترى شعبها يُقتَل ويُجَوَّع في غزة وسواها، فإن من حقها الكامل رفض الدولة التي تمارس هذا العنف، بل وحتى الدعوة إلى تفكيك بنيتها الاستعمارية.
لكن، كما يوضح الكاتب الفلسطيني محمد الكُرد في كتابه الصادر عام 2025 تحت عنوان “الضحايا المثاليون وسياسات الاسترضاء”، فإن الإعلام السائد يعمل على تحويل الفلسطينيين إلى “مجرمي فكر، مدانين بغضبهم وضغائنهم، وبردود أفعالهم الطبيعية تجاه القمع الوحشي”.
ولم يتأخر الرد على قرار إلغاء مشاركة رندا عبد الفتاح، ففي غضون أيام، أعلن أكثر من 180 كاتبًا وكاتبة، محليين ودوليين، انسحابهم من الفعالية تضامنًا معها، ما أدى عمليًا إلى إلغاء “أسبوع الكتّاب” برمّته، وهو الحدث الأدبي الأبرز في أستراليا.
لقد تحوّلت القضية سريعًا إلى عاصفة ثقافية عالمية، كشفت خطوط الصدع داخل المجتمع الأسترالي بين لوبيات مؤيدة لدولة الاحتلال وإعلام مردوخ وبعض السياسيين المحافظين من جهة، في مواجهة نشطاء حرية التعبير والحركة المتضامنة مع فلسطين من جهة أخرى، وفي نهاية المطاف، اضطر مجلس إدارة جديد لمهرجان أديلايد إلى الاعتذار لعبد الفتاح ودعوتها للمشاركة في دورة العام المقبل.
سلاح “معاداة السامية”
تتجاوز دلالات هذه القصة حدود أستراليا، الدولة التي تملك سجلًا طويلًا في دعم دولة الاحتلال، بما في ذلك استمرار تصدير قطع طائرات F-35 التي تُستخدم في قصف غزة إلى حكومة بنيامين نتنياهو.
فمنذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، شهدت أستراليا، كما دول غربية أخرى، موجة إلغاء للفعاليات والمعارض والنقاشات العامة، بذريعة “تفشي معاداة السامية” في الأوساط الثقافية والفنية.
ومن أحدث الأمثلة على ذلك، ما تعرضت له المصوّرة العالمية نان غولدين، حين امتنعت “غاليري أونتاريو للفنون” في كندا عن شراء أحد أعمالها، بعد أن انتقدت علنًا جرائم دولة الاحتلال في غزة.
ووفق منطق الإدارات الثقافية، فإن جريمة غولدين تكمن في أنها نددت بـ “الإبادة في غزة ولبنان” خلال خطاب ألقته في برلين أواخر عام 2024، ورغم أن كلماتها لم تتضمن أي إساءة لليهود، ومع ذلك وُصمت بمعاداة السامية.
هذا الاستخدام الانتهازي للتهمة لا يخدم سوى هدف واحد هو تشتيت النقاش وإرباكه، وتفريغ مفهوم معاداة السامية من مضمونه الحقيقي، في وقت يشهد فيه الغرب تصاعدًا فعليًا لليمين المتطرف النازي الجديد، لا سيما في الولايات المتحدة، وهو خطر حقيقي غالبًا ما يتجاهله أشد المدافعين عن دولة الاحتلال صخبًا.
والمفارقة هنا أن حكومة دولة الاحتلال نفسها فتحت أبوابها مؤخرًا لسياسيين أوروبيين من أقصى اليمين، بعضهم يحمل تاريخًا موثقًا في كراهية اليهود، للمشاركة في مؤتمر عن “مكافحة معاداة السامية”.
تضييق المجال العام
النتيجة المباشرة لهذه السياسات هي تقليص المجال العام، وحصر الخطاب المقبول في إطار واحد هو تمجيد دولة الاحتلال بوصفها “الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط”.
ومن المشروع تمامًا، لأي إنسان، يهوديًا كان أو مسلمًا أو مسيحيًا أو غير متدين، أن يقول إن دولة قائمة على الفصل العنصري لا تمتلك “حقًا طبيعيًا” في الوجود، وهو مبدأ ينطبق على أي دولة في العالم.
ولمن يريد أن يرى التطرف الحقيقي، يكفي أن يتابع محتوى “الكوميديان” والجندي السابق في جيش الاحتلال غاي هوخمان، الذي أمضى عامين في إنتاج مواد دعائية مع جيش الاحتلال، داعيًا صراحة إلى تدمير غزة، وقد جرى توقيفه مؤخرًا واستجوابه في كندا على خلفية شبهات بالتحريض على الإبادة الجماعية.
ومع ذلك، لا نكاد نسمع أي إدانة له من القوى ذاتها التي تلهث وراء مراقبة كل كلمة تُقال دعمًا لفلسطين، فحياة الفلسطينيين وكرامتهم ليست أولوية في هذا الخطاب، بل الأولوية المطلقة هي حماية دولة الاحتلال من أي مساءلة.
وفي أستراليا، تعرّضت رندا عبد الفتاح لحملة منظمة من التشويه وسوء التوصيف والتشهير، بسبب مواقفها من فلسطين، إذ يراد للفلسطيني في هذا السياق أن يكون مادة للسخرية والتجريم، لا إنسانًا يُصغى إلى روايته.
من حق أي طرف أن يناقش أو ينتقد مواقف الفلسطينيين، لكن ما حدث في هذه القضية لم يكن نقاشًا نزيهًا، بل محاولة اغتيال شخصية، تهدف إلى جعل الدعم الصريح لفلسطين أمرًا غير مقبول ثقافيًا وسياسيًا.
ومع ذلك، لست مقتنعًا بأن المحاولة نجحت، صحيح أنه تم إلغاء فعالية “أسبوع الكتّاب”، لكن حجم التضامن الواسع مع عبد الفتاح كشف هشاشة القرار، وعزلة القائمين عليه.
وتشير استطلاعات حديثة إلى أن أكثر من نصف الأستراليين يؤيدون فرض عقوبات على دولة الاحتلال بسبب جرائمها في غزة، وكثيرون كتبوا إليّ في السنوات الأخيرة معترفين بأنهم لم يكونوا معنيين بالقضية الفلسطينية قبل 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، لكنهم اليوم غاضبون من مشهد إبادة تُبث مباشرة على الهواء، وتحظى بدعم غربي.
ما لا يمكن حجبه
والواقع أن هذا هو جوهر المعركة: ليس هجوم بوندي بيتش، ولا رندا عبد الفتاح، بل الخوف المتزايد من تحوّل الرأي العام ضد دولة الاحتلال، ونظامها القائم على التفوق العرقي، واحتلالها المستمر لفلسطين.
إذ قد تنجح أساليب الترهيب مؤقتًا في حذف حساب أو إلغاء فعالية، لكنها لن تمحو ما شاهده العالم في غزة منذ أواخر عام 2023، إنها، بلا مبالغة، قضية أخلاقية كبرى لعصرنا، لا يمكن إيقافها عبر الحجب أو التشويه.
وفي زمن يتصاعد فيه الاستبداد عالميًا، وتتحالف فيه دولة الاحتلال علنًا مع قوى فاشية ويمينية متطرفة، يصبح الخطر الحقيقي متمثلًا في أولئك الذين يفرغون معركة التصدي لكراهية اليهود من معناها، عبر استخدامها كسلاح ضد كل من يؤمن بفلسطين حرّة، يعيش فيها جميع المواطنين، على اختلاف أديانهم وأعراقهم، بكرامة وحرية.
للاطلاع على المقال الأصلي من (هنا)







