في مشهد نادر تحت قبة الكونغرس الأميركي، جلس النائب الديمقراطي رو خانا المعروف بمواقفه التقدمية وانتقاده العلني للإبادة في غزة، إلى جانب النائب الجمهوري توماس ماسي، أحد أبرز منتقدي النزعة الحربية داخل إدارة ترامب.
ويحمل هذا المشهد الذي تجسد خلال خطاب “حال الاتحاد” الذي ألقاه ترامب في الكونغرس رسالة سياسية عابرة للحزبين بشأن ملف قد يشعل مواجهة عسكرية جديدة في الشرق الأوسط ألا وهو ملف إيران.
وجاء هذا الاصطفاف المشترك عقب تجديد ترامب تهديداته لإيران باستخدام القوة العسكرية إذا واصلت برنامجها النووي، رغم تأكيده في الوقت نفسه أن الولايات المتحدة “دمرت بالفعل” المواقع النووية الإيرانية في يونيو/حزيران الماضي.
وأعلن خانا وماسي عزمهما الدفع باتجاه تفعيل تصويت رسمي بموجب “قانون صلاحيات الحرب”، لإجبار جميع أعضاء الكونغرس على تسجيل موقف واضح تجاه أي ضربة عسكرية أميركية ضد إيران.
غير أن هذا المسعى تعرّض للتأجيل، وسط تقارير تشير إلى تحركات من داخل القيادة الديمقراطية لعرقلته.
ويتيح قانون صلاحيات الحرب الصادر عام 1973 لأي عضو في مجلس الشيوخ تقديم قرار يطالب بسحب القوات الأميركية من نزاع لم يمنحه الكونغرس تفويضاً رسمياً.
وبموجب الدستور الأميركي، فإن السلطة التشريعية هي الجهة المخولة بإعلان الحرب، فيما يُفترض أن يقتصر دور السلطة التنفيذية على التنفيذ لا القرار الأحادي.
غير أن صلاحيات البيت الأبيض توسعت منذ هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، ما أتاح تنفيذ ضربات عسكرية في دول عدة من دون إعلان حرب رسمي، من الصومال إلى باكستان، مستنداً إلى تفويضات فضفاضة ومفتوحة زمنياً تحت مظلة ما سُمي بـ”الحرب على الإرهاب”.
وفي 18 فبراير/شباط، كتب خانا على منصة X: “مسؤولو ترامب يقولون إن احتمال توجيه ضربات لإيران يصل إلى 90%، وهو لا يمكنه فعل ذلك دون الكونغرس”.
وأدرج خانا في ذات النص وسماً إشارياً للنائب الجمهوري توماس ماسي، جاء فيه “أنا وماسي قدمنا قراراً بموجب قانون صلاحيات الحرب لإجراء نقاش وتصويت قبل تعريض الجنود الأميركيين للخطر، سأقدّم طلباً لإجبار المجلس على التصويت الأسبوع المقبل”.
غير أن التقارير الأخيرة كشفت عن انقسام داخل الحزب الديمقراطي نفسه، إذ تشير المعطيات إلى أن قيادات ديمقراطية بارزة تسعى إلى كبح التصويت أو تأجيله، في ظل تباين الرؤى داخل الحزب بشأن كيفية التعامل مع إيران.
ويميل الجناح التقدمي إلى تقليص النزعة العسكرية واستعادة دور الكونغرس الرقابي، بينما يرى تيار آخر في الحزب أن مواجهة إيران عاجلاً أم آجلاً مسألة لا مفر منها.
ويأتي ذلك في سياق مواقف سابقة لكثير من الديمقراطيين الذين امتنعوا عن إدانة دولة الاحتلال بشأن ما وصفه أبرز خبراء القانون الدولي بأنه إبادة جماعية في غزة، في مقابل مواقف حازمة ومتكررة ضد إيران، التي يتهمونها بدعم “الإرهاب” والسعي إلى امتلاك قدرات نووية عسكرية.
وقد أكدت إيران من جهتها أنها تستعد لكل الاحتمالات، لكنها تفضل التوصل إلى اتفاق يحفظ لها حقها في الدفاع عن سيادتها، حيث تتهم طهران دولة الاحتلال بدفع الولايات المتحدة نحو التصعيد العسكري.
وفي أعقاب إحاطة مغلقة قدمها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ومدير وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف لقيادات مجلسي النواب والشيوخ بشأن التطورات مع إيران، خرج زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر ليقول للصحفيين: “الأمر خطير، وعلى الإدارة أن تعرض قضيتها على الشعب الأميركي”.
وقبل ذلك بأيام، قال شومر في بيان إن “مواجهة حملة إيران القاسية، وطموحاتها النووية، وعدوانها الإقليمي، وقمعها المروع لشعبها، تتطلب قوة وحزماً وتنسيقاً إقليمياً ووضوحاً استراتيجياً”.
لكنه أضاف: “يجب علينا تفعيل قانون صلاحيات الحرب وإجبار الإدارة على التشاور مع الكونغرس وشرح الأهداف بدقة، ولماذا تُعرّض مزيداً من الأرواح الأميركية للخطر”.
ويفهم من هذا الموقف أن القيادة الديمقراطية قد لا تعارض عملاً عسكرياً محدوداً شبيهاً بالضربة السريعة التي نفذها ترامب سابقاً في فنزويلا، لكنها تتحسب من تداعيات سياسية أوسع، خصوصاً مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.
وتمثل انتخابات التجديد النصفي التي تشمل الكونغرس وحكام الولايات ومناصب محلية أول اختبار سياسي حقيقي لترامب في ولايته الثانية.
ومن شأن الانزلاق إلى حرب مفتوحة أن يعيد إلى الأذهان تجارب التدخلات العسكرية السابقة التي أثقلت كاهل الإدارات الأميركية سياسياً وشعبياً.
ولا يعد هذا الجدل جديداً تماماً، ففي عام 2020، وعقب اغتيال القائد العسكري الإيراني قاسم سليماني بضربة أميركية في حقبة ترامب الأولى، صوّت مجلسا النواب والشيوخ لتقييد صلاحيات ترامب الحربية، غير أن الرئيس آنذاك استخدم حق النقض (الفيتو) لإسقاط القرار.
واليوم، يعود السؤال ذاته إلى الواجهة: من يملك قرار الحرب في الولايات المتحدة؟ وهل يستطيع الكونغرس استعادة دوره الدستوري، أم أن منطق “التهديدات الاستباقية” سيبقى سيد الموقف؟
في ظل هذا الانقسام الديمقراطي، تبدو المعركة المقبلة سياسية بقدر ما هي استراتيجية، حيث تتقاطع حسابات الأمن القومي مع اعتبارات صناديق الاقتراع، فيما تظل إيران محور اختبار جديد لتوازن السلطات في واشنطن.







