بقلم سارة ليا ويتسون ومحسن فرشنشاني
ترجمة وتحرير نجاح خاطر
في أول يوم له في منصبه، أنهى الرئيس دونالد ترمب أول برنامج عقوبات أميركي على الإطلاق صمم خصيصاً لمعالجة انتهاكات الاحتلال ضد الفلسطينيين، في خطوة لقيت إشادة متوقعة من القوى القومية المتطرفة المتشددة في دولة الاحتلال، وإدانة من المراقبين في جميع أنحاء العالم في المقابل.
وبعد عام من إصدار الرئيس السابق جو بايدن أمرًا تنفيذيًا لإطلاق البرنامج، فقد بات من الأهمية بمكان تقييم دور إدارته ذاتها في تقويض هذا البرنامج، حيث كان الأمر التنفيذي الذي أصدره بايدن خطوة جريئة قدمت وزنًا ملموسًا لعقود من خطاب السياسة الخارجية الأميركية من خلال تفويض عقوبات مستهدفة ضد الأفراد والكيانات المسؤولة عن الأنشطة المزعزعة للاستقرار في الضفة الغربية المحتلة.
ولأول مرة، واجه نظام العقوبات الأميركية جهات إسرائيلية متواطئة في التوسع الاستيطاني وعنف المستوطنين وتهجير الفلسطينيين، وهي الحقائق التي وصفها المسؤولون الأميركيون منذ فترة طويلة بأنها “عقبة أمام السلام” ولكنهم لم يفرضوا أبدًا عواقب عليها، ولم يعترفوا بها رسميًا باعتبارها انتهاكات للقانون الدولي.
ومع ذلك، فسرعان ما طغى الخجل السياسي وفشل الإرادة التنفيذية على قرار إدارة بايدن الجديد، حيث أدى هذا التراجع إلى تخفيف حدة العقوبات المفروضة على مستوطني الضفة الغربية، مما قلل من فعاليتها كأداة للسياسة الخارجية وقزّمها إلى مجرد ضربة خاطفة.
وفعلياً، فقد بدأ تفكك برنامج العقوبات منذ مارس/آذار الماضي، عندما أصدر مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأمريكية (OFAC)، وهي الوكالة المسؤولة عن إدارة العقوبات الأمريكية، خطابًا إرشاديًا إلى بنك إسرائيل بدا وكأنه قد صاغه وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش أو رفاقه المتطرفين.
وفي أعقاب حملة ضغط سريعة، أضعف خطاب التوجيه الأمر التنفيذي لبايدن من خلال حماية الكيانات الخاضعة للعقوبات من الاضطراب المالي والحد من الغموض الاستراتيجي الذي يعطي العقوبات الأمريكية تأثيرها المخيف على معاملات الطرف الثالث.
لحظة محورية
سمحت الرسالة أيضًا بالمعاملات التي تدعم الماشية في البؤر الاستيطانية الزراعية المعتمدة، وهذه البؤر الاستيطانية ليست مشاريع زراعية حميدة، فهي كما اعترف سموتريتش نفسه “أداة استراتيجية ضخمة” للتوسع الإسرائيلي.
لقد كانت الرسالة، التي ادعت التوافق مع برامج العقوبات الأمريكية المتعددة، في نهاية المطاف بمثابة تنازل استرضى المنتقدين وشكل لحظة محورية، حيث ورد في الرسالة إشارات إلى القوى المتشددة في قيادة الاحتلال وحلفائها في الولايات المتحدة أنهم حين يكونون مستهدفين فإنه يمكن التلاعب حتى في أقوى أداة للسياسة الخارجية لواشنطن وهي العقوبات الاقتصادية.
يقدم تقرير صحيفة واشنطن بوست عن صناعة الضغط على العقوبات التي تبلغ قيمتها ملايين الدولارات سياقًا واضحًا لفهم التفكيك الهادئ للأمر التنفيذي الذي أصدره بايدن.
فكما وجدت الكيانات الخاضعة للعقوبات وحلفاء الخليج طرقًا لتوجيه سياسة العقوبات الأمريكية من خلال المترافعين الذين يتقاضون رواتب جيدة، فإن الممكِّنين الأمريكيين للقوى الأكثر تشددًا في دولة الاحتلال الذين لديهم بالفعل خبرة جيدة في عمل ممرات القوة في واشنطن كانوا بالتأكيد متقدمين بخطوات إلى الأمام.
وفي نظام إنفاذ “مكدس بالفعل ضد الحياد”، كما قال كبير خبير الاقتصاد السابق في ماكينزي جيمس إس هنري، فإنه من المرجح أن يضمن الضغط من الحلفاء المحليين والضغط الدبلوماسي من تل أبيب التخفيف السريع للأمر التنفيذي.
وعلى عكس جهود الضغط النموذجية للعقوبات والتي تؤدي في أفضل الأحوال إلى تخفيف التنفيذ، والعزل الوقائي عن العقوبات، والاستثناءات الضيقة للمعينين الأفراد أو شطبهم من القائمة، تبرز هذه الحالة كمثال غير مسبوق لبرنامج عقوبات كامل يتم تفريغه من معناه.
ولم يحدث من قبل أن تآكل إطار العقوبات الأمريكية بشكل منهجي من الداخل، مما جعله معيبًا وظيفيًا في تحقيق أهدافه المقصودة كما حصل في هذا الأمر التنفيذي المتعلق بالاحتلال.
لقد كشف استسلام إدارة بايدن لهذه الضغوط عن افتقار مقلق للعزيمة، وكان هذا أكثر من مجرد فشل في تطبيق العقوبات وإنفاذها بشكل فعال، فقد قوض السيادة الأمريكية وشجع أولئك الذين كان من المفترض أن تستهدفهم العقوبات.
وبهذا الاستسلام، أضعفت الإدارة قدرتها على ترسيخ التحول السياسي الذي بدأه الأمر التنفيذي، مما أدى إلى تآكل مصداقيتها وسلامة برنامج العقوبات في الضفة الغربية.
لقد نقلت تصرفات بايدن رسالة واضحة: لن تستغل الولايات المتحدة قوتها الاقتصادية الهائلة لتحدي انتهاكات الاحتلال المتطرفة حقًا في السعي إلى غزو الأراضي، حتى عندما تتناقض هذه الانتهاكات بشكل صارخ مع أهداف السياسة الخارجية الأمريكية الرسمية
الفرصة الضائعة
لقد أهدرت هذه التنازلات فرصة حاسمة لإعطاء وزن حقيقي لعقود من السياسة الرسمية الأمريكية المعارضة للتوسع الإسرائيلي.
وقد ورد أن البنوك الإسرائيلية جمدت أصول المستهدفين عندما فرض بايدن لأول مرة عقوبات على المستوطنين الأفراد، وهي استجابة حكيمة وحاسمة مدفوعة بالمخاطر القانونية والسمعة الكبيرة المرتبطة بالتعامل مع الكيانات الخاضعة للعقوبات الأمريكية.
إن مثل هذه الإجراءات، التي تعكس استقلال البنوك الإسرائيلية عن سياسات سموتريتش القاسية، تُرى عادةً بوضوح من البنوك الأمريكية المقيدة بالقانون الأمريكي أو البنوك الأجنبية ذات الروابط العميقة بالنظام المالي الأمريكي، وقد أظهر هذا فعالية العقوبات المحتملة وقدرتها على التأثير على المؤسسات الإسرائيلية.
ولكن بدلاً من الاستفادة من هذا الزخم من خلال تصعيد الاستهداف للجهات الفاعلة أو الكيانات الأكبر حجماً التي تمول وتسهل عنف المستوطنين والاستيلاء على الأراضي الفلسطينية، لم تضعف إدارة بايدن أداة عملها الأكثر فعالية فحسب، بل خففت من أهم تصنيف لها.
ولطالما وصف زئيف هيفر، رئيس منظمة أمانا، الذراع التشغيلي لحركة المستوطنين في إسرائيل، البؤر الاستيطانية بأنها “الوسيلة الرئيسية” للحركة في الاستحواذ على الأراضي وتهجير الفلسطينيين.
وبدا أن منظمة أمانا، التي فرضت عليها كندا والمملكة المتحدة عقوبات، على استعداد لمواجهة إجراءات مماثلة بموجب الأمر التنفيذي لبايدن وتمت معاقبتها في نهاية المطاف في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي.
ومع ذلك، حتى في تصنيفها الأكثر أهمية، عملت إدارة بايدن على تقويض تأثير هذه العقوبات على الفور، ففي نفس اليوم الذي فرضت فيه عقوبات على أمانا، أصدرت الإدارة ترخيصًا عامًا يسمح لها بفترة سماح انتهت في 10 يناير/كانون الثاني، مما أدى فعليًا إلى إضعاف عواقب التصنيف.
ومن خلال الحد من تأثير العقوبات إلى فترة أسبوعين فقط، قامت إدارة ترمب عند توليها منصبها الشهر الماضي بإزالة أمانا من القائمة، وأزالت كذلك جميع الكيانات الأخرى، أي أن الإدارة الأمريكية قلصت التصنيف إلى ما هو أكثر بقليل من لفتة رمزية.
وعلى الرغم من كل أوجه القصور فيه، إلا أن أمر العقوبات الذي أصدره بايدن وفر فرصة نادرة لإعادة تشكيل السياسة الخارجية الأمريكية بشأن إسرائيل وفلسطين، ومعالجة القضية الأساسية المتمثلة في المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية في الضفة الغربية.
ومع ذلك، فشلت إدارة بايدن في الالتزام الكامل بهذا المسار، فيما لم يشر ترمب، الذي أظهر إصرارًا على تأمين وقف إطلاق النار في غزة الذي لم يتمكن بايدن من تحقيقه لمدة 15 شهرًا، إلى أي حل من هذا القبيل في الضفة الغربية.
فبدلاً من العقوبات أو المساءلة عن عنف المستوطنين، أشار ترمب إلى استعداده لإعطاء الضوء الأخضر لإسرائيل كي تمارس الضم، إلى جانب حديثه عن استيلاء الولايات المتحدة على غزة.
المساءلة العالمية
وبينما تواصل الولايات المتحدة ممارسة الاحتكار الفريد للعقوبات خارج حدودها، لا يزال بإمكان القوى العالمية الأخرى خلق تأثير كبير من خلال حرمان الكيانات الإسرائيلية المسيئة من الوصول إلى أسواقها وأنظمتها المالية.
فمع حماية إسرائيل من المساءلة العالمية وفشل واشنطن في التصرف، فإن الطموحات الإسرائيلية المتطرفة دون رادع باتت معرضة لخطر التكشف، ذلك أنها لم تعد تقوم على حساب أرواح وحقوق الفلسطينيين فقط، بل وأيضاً على حساب المصالح الأميركية.
ومن شأن ارتكاب المزيد من عنف المستوطنين الإسرائيليين وتهجير الفلسطينيين أن يقوض أي احتمالات متبقية للسلام ويضغط على التحالفات الأميركية مع الدول العربية.
إن فشل إدارة بايدن في متابعة أمرها التنفيذي كشف عن مدى هشاشة وعدم فعالية برامج العقوبات في غياب عزم البيت الأبيض.
ومع إشارة إدارة ترامب إلى العودة الوشيكة إلى سياسته في ولايته الأولى المتمثلة في التخلي عن الضفة الغربية، والآن غزة، لصالح التطهير العرقي والضم، يجب على الدول الأخرى أن تتدخل، كما رأينا مع تشكيل مجموعة لاهاي، التي أنشئت لفرض أحكام محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية ضد إسرائيل.
ومن الضروري أن يواجه أولئك الذين يقودون سياسات توسعية في إسرائيل وفلسطين تهدف إلى تهجير المدنيين الفلسطينيين وطردهم عواقب وخيمة، وإلا فلن يسود إلا الإفلات من العقاب.
للاطلاع على المقال الأصلي من (هنا)