بقلم سميّة الغنوشي
ترجمة وتحرير نجاح خاطر
على مدى أكثر من عقدين، ظلّ رئيس وزراء دولة الاحتلال بنيامين نتنياهو يحدّق في أفقٍ واحد لا يتغيّر، لقد حذّر على الدوام منه، وضغط من أجله، وملأ المنابر الدولية بالتحذيرات الدرامية عنه، من واشنطن إلى الأمم المتحدة، واليوم يبدو أن نتنياهو قد وصل ذلك الأفق أخيراً.
فهذه الحرب التي طالما قدّمها باعتبارها حتمية قد اندلعت بالفعل، إنها مواجهة مباشرة مع إيران، لكنها لا تُخاض بقوة دولة الاحتلال وحدها، بل بثقل القوة العسكرية الكاملة للولايات المتحدة.
هذه ليست ضربة محدودة، ولا استعراض قوة محسوب، إنها واحدة من أخطر وأشدّ المواجهات تهوراً في العصر الحديث، حرب لم تولد من ضرورة أميركية، ولم تفرضها تهديدات وشيكة، ولم يوافق عليها الكونغرس أو الأمم المتحدة، بل دُفعت إليها واشنطن بدافع رؤية الاحتلال لإعادة تشكيل الشرق الأوسط.
لفترة سنوات طويلة، تحدث نتنياهو ودائرته السياسية علناً عن “إعادة رسم” المنطقة، في تلك الرؤية، لا تبدو الحدود ثابتة، والشرق الأوسط، في مخيلتهم، مجرد رقعة شطرنج يمكن إعادة ترتيبها وفق الرغبات الاستراتيجية والأيديولوجية لدولة الاحتلال.
ولم تعد لغة “إسرائيل الكبرى” محصورة في أطراف الخطاب السياسي، بل تسللت تدريجياً إلى قلب النقاش العام، إذ يتحدث مسؤولون في دولة الاحتلال، ومعهم أصوات كثيرة في واشنطن، بلا مواربة عن مواجهة “التطرف الشيعي” اليوم، ثم “التطرف السني” غداً، وكأن العالم الإسلامي بأسره مجرد قائمة أهداف تنتظر دورها.
واليوم، ومع القوة النارية الأميركية خلفه، يبدو أن نتنياهو يعتقد أنه قادر على إجبار التاريخ على الانحناء.
السيناريو ذاته
يُقال لنا إن هذه الحرب تدور حول الصواريخ والقنبلة النووية وأمن الولايات المتحدة، ويكرر وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث ووزير الخارجية ماركو روبيو النقاط نفسها بثقة مدروسة: إيران على وشك امتلاك السلاح النووي، إيران تمثل تهديداً، يجب إيقاف إيران.
لكن هذا الخطاب ليس جديداً، بل سمعناه من قبل، عندما تحدث الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الابن ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير عن “أسلحة الدمار الشامل” لدى صدام حسين.
لقد شاهد العالم كيف جرى غزو العراق وتدميره وتمزيق نسيجه الاجتماعي، ليكتشف لاحقاً أن الذريعة الأساسية للحرب لم تكن سوى اختلاق سياسي.
ولم تكن النتائج نظرية، بل كانت أرقاماً مفجعة: مئات آلاف القتلى، فوضى إقليمية ممتدة، وجرح عميق في مصداقية الغرب، واليوم، أُخرج السيناريو ذاته من الأرشيف وأُعيد استخدامه.
فبينما كانت طهران تتفاوض في مسقط وجنيف، وفيما أبدت استعداداً لخفض مستوى تخصيب اليورانيوم وقبول رقابة شاملة، كانت هناك مساحة حقيقية لخفض التصعيد.
لكن المفاوضات تحولت إلى مسرح سياسي، فبينما كان الدبلوماسيون يتحدثون عن التسويات، كانت الأساطيل تتحرك بصمت في المحيط الهندي ومياه الخليج، وكانت التعبئة العسكرية تتقدم تحت غطاء الحوار، لقد المشهد كان مألوفاً: تحدث عن السلام واستعد للحرب.
ثم جاء الهجوم، فتم اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، واستهداف قيادات سياسية وعسكرية، وقصف أراضٍ سيادية واهتزاز مدن بكاملها، ومع ذلك، وفي الرواية الغربية السائدة، جرى تصوير إيران باعتبارها المعتدية.
القتال منفردين
على مدى عقود، حرصت دولة الاحتلال على ترسيخ صورة الدولة التي لا تُقهر عسكرياً، والتي هزمت الجيوش العربية مراراً في حروب تقليدية، لكن السجل التاريخي أكثر تعقيداً بكثير.
في عام 1948، لم يكن ما يسمى “التحالف العربي” موحداً ولا مستقلاً بالمعنى الحقيقي، بل كان العالم العربي ما يزال يخرج للتو من قبضة الاستعمار الأوروبي المباشر.
وكانت الإمبراطورية البريطانية نفسها التي حكمت فلسطين قد دربت وسلّحت وقادت فعلياً الفيلق العربي الأردني، الذي كان يقوده الضابط البريطاني جون غلوب، المعروف بغلوب باشا، وكان وقتها أقوى جيش عربي في الميدان لكنه لم يكن يعمل تحت قيادة عربية موحدة ومستقلة.
أما الملك عبد الله (الأول) في الأردن، فكان اهتمامه موجهاً أكثر إلى تثبيت السيطرة على الضفة الغربية، لا إلى الدفاع الكامل عن فلسطين، ورسمت حساباته السياسية حدود المشاركة العسكرية.
ورغم قدرته على الصمود في بعض الجبهات، جرى تقييد الجيش الأردني وتوجيهه وفق اعتبارات سياسية، بدلاً من أن يكون جزءاً من استراتيجية عربية مشتركة.
أما الجيش المصري فقد دخل حرب 1948 وهو يعاني من خلل عميق في القيادة والاستعداد، فتحت حكم الملك فاروق، افتقرت القوات المصرية إلى التنسيق والجاهزية الكافية.
ولاحقاً هزت فضيحة “الأسلحة الفاسدة” القاهرة، بعدما ظهرت اتهامات بتزويد الجنود بذخائر معطوبة وأسلحة غير صالحة للاستخدام، وقد كان الغضب الشعبي الذي أثارته تلك الفضيحة أحد العوامل التي مهدت لانقلاب الضباط الأحرار عام 1952.
أما المقاتلون الفلسطينيون فكان وضعهم أشد قسوة، عبد القادر الحسيني، الذي قاد القوات غير النظامية حول القدس، أرسل نداءات متكررة يطلب فيها السلاح والذخيرة.
وقبل معركة القسطل في أبريل/نيسان 1948، بعث برسائل عاجلة يطلب الإمدادات، وقبل يومين فقط من استشهاده كتب إلى الأمين العام لجامعة الدول العربية: “أحمّلكم المسؤولية بعد أن تركتم جنودي، وهم في ذروة انتصاراتهم، بلا دعم ولا سلاح”.
لقد قاتل عبد القادر الحسيني هو ورجاله حتى آخر رصاصة، واستشهد في المعركة، لم يكن خلفهم جيش عربي موحد، بل كانوا يقاتلون، إلى حد بعيد، وحدهم.
أسطورة التفوق
لم تكن هناك آلة عسكرية عربية موحدة ومتماسكة عام 1948، كانت هناك دول متفرقة، وملكيات متنافسة، وتشابكات استعمارية، وطموحات متضاربة، وقدرات عسكرية غير متكافئة.
ولم تهزم دولة الاحتلال “الجيوش العربية” ككتلة متماسكة، بل إنها كانت جيوش قد نشأت في عالم عربي ما يزال يعيش تحت ظل البنى الاستعمارية الأوروبية، بينما كانت الدولة العبرية تستفيد من تنظيم متقدم ودعم دولي واسع، ومع مرور الوقت، جرى صقل رواية “هزيمة الجيوش العربية” وتحويلها إلى أسطورة وطنية.
وفي عام 1967، جاء التفوق الحاسم لدولة الاحتلال عبر ضربة جوية استباقية دمّرت سلاح الجو المصري وهو على الأرض خلال ساعات، وبعد السيطرة الجوية، أصبح مسار الحرب شبه محسوم، لم تكن معركة متكافئة طويلة بين جيوش متقاربة القدرات، بل ضربة شلّت الخصم قبل أن تبدأ المواجهة التقليدية فعلياً.
أما حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973، فقد أربكت هذه الأسطورة أكثر، في ذلك العام، عبر الجيش المصري قناة السويس، واخترق خط بارليف، وتقدم داخل سيناء في هجوم مباغت هز القيادة العسكرية لدولة الاحتلال وخرق صورة التفوق المطلق التي ترسخت بعد 1967.
وللمرة الأولى منذ قيام دولة الاحتلال، أثبت جيش عربي قدرة واضحة على التخطيط والتنسيق القتالي، لكن الزخم العسكري لم يتحول إلى نصر استراتيجي، فقد أعاد جسر جوي أميركي ضخم تزويد دولة الاحتلال بالسلاح والعتاد، وأعاد التوازن إلى الميدان.
وبعدها، انتقل الرئيس المصري أنور السادات سريعاً نحو المسار السياسي، فانتهى ما بدأ بصدمة عسكرية بإعادة تموضع دبلوماسي قادت إلى اتفاقيات كامب ديفيد.
نمط متكرر
ومنذ ذلك الحين، كانت معظم مواجهات دولة الاحتلال مع فاعلين غير الدول، في لبنان، واجهت حزب الله واضطرت في نهاية المطاف إلى الانسحاب.
وفي غزة، رغم الدعم الأميركي الهائل والتفوق العسكري الساحق، لم تتمكن من القضاء على حركة حماس، وحتى استعادة الأسرى جاءت عبر صفقات تفاوض، لا عبر حسم عسكري كامل.
لقد اعتادت دولة الاحتلال نمطاً معيناً من الحروب: قصف جوي مكثف ضد خصوم مفككين، لا حرب استنزاف طويلة ضد جيش منظم يقوده نظام سياسي متماسك.
والواقع أن الولايات المتحدة بدورها سارت على النمط نفسه، ففي 2003، كان العراق قد أنهكته سنوات طويلة من العقوبات، وتآكل جيشه وبنيته التحتية.
وفي أفغانستان، واجهت واشنطن تمرداً غير نظامي، أما ليبيا والصومال وسوريا فكانت ساحات مجزأة بفاعلين متعددين.
لقد اعتادت واشنطن خوض حروب ضد أنظمة ضعيفة أو حركات مشتتة، حتى أصبحت الوصفة مألوفة: تدخل سريع، قوة نارية ساحقة، ثم إعلان النصر.
لكن هذه المواجهة مختلفة، فللمرة الأولى منذ عقود، تواجه دولة الاحتلال والولايات المتحدة قوة عسكرية منظمة، متكاملة مع نظام سياسي قادر على الاستمرار وإعادة إنتاج قوته.
إيران ليست عراق 2003، ولا أفغانستان 2001، إنها دولة ذات عمق جغرافي كبير، وثقل ديمغرافي واضح، ومؤسسات عسكرية راسخة، وترسانة صاروخية تعد من الأكبر في المنطقة.
فعلى مدى عقود من العقوبات، استثمرت إيران في صناعاتها العسكرية المحلية، وفي تقنيات الطائرات المسيّرة، وفي بنية دفاعية معقدة هي نتاج ثورة تشكلت في سياق شعور عميق بمقاومة الهيمنة الأجنبية.
إنها ثورة وطنية وأيديولوجية في آن واحد، أطاحت بنظام ملكي مدعوم من الغرب، وسعت منذ ذلك الحين إلى بناء استقلالها تحت الحصار، إيران تصنع سلاحها بنفسها، وتبني تحالفاتها بنفسها.
وعليه فإن وصف قيادتها ببساطة بأنها “مجموعة من الملالي” ليس تحليلاً سياسياً، بل تبسيط سطحي يعكس ميلاً أميركياً متكرراً لاستخفاف بالمجتمعات التي لا يفهمها.
بين الخطاب والواقع
هذا التبسيط ظهر بوضوح في المؤتمر الصحافي للبنتاغون، حين وصف هيغسيث القيادة الإيرانية بأنها “مجنونة” ومهووسة بنبوءات دينية، أما روبيو، فقال إن إيران يقودها رجال دين “متطرفون” يتخذون قراراتهم على أساس لاهوتي “نهاية الزمان”.
لكن هذا الكلام يأتي من إدارة متحالفة مع الصهيونية المسيحية، ومع حكومة يمينية متطرفة في دولة الاحتلال تستند بدورها إلى قراءات توراتية لتبرير المطالب الإقليمية.
غير أن الواقع الأهم يتجاوز الخطاب، فإيران لا تقاتل دولة الاحتلال وحدها، إنها تواجه النظام الأميركي الكامل للقوة في المنطقة: الراعي، والممول، والضامن لتفوق دولة الاحتلال.
وطهران لا ترى تل أبيب خصماً منفرداً، بل عقدة محصنة داخل شبكة أوسع من الهيمنة الأميركية، حيث لا يتوقف خط القوة عند حدود دولة الاحتلال، بل يمتد عبر شبكة القواعد الأميركية الممتدة من البحرين إلى الكويت والإمارات والعراق وغيرها.
رد إيران لم يكن عشوائياً، فقد استهدفت أصولاً أميركية ودولاً خليجية تستضيف قواعد عسكرية أميركية، في إشارة واضحة إلى أنها تفهم خصمها باعتباره نظام قوة عالمي، لا مجرد جيش واحد.
إيران لا تخوض حرباً تقليدية متماثلة، بل تنفذ استراتيجية غير متكافئة تهدد البنية التحتية الخليجية، وتدفقات الطاقة، والممرات البحرية التي يقوم عليها الاقتصاد العالمي والنظام المالي الذي تقوده الولايات المتحدة، وخاصة نظام البترودولار الذي يغذي وول ستريت وواشنطن معاً.
إذا اهتز الخليج، فلن تكون التداعيات إقليمية فقط، بل ستمتد إلى أسواق الطاقة والعملات، وربما إلى البنية المالية التي تستند إليها القوة الأميركية.
لحظة السويس الأميركية
قد تتحول هذه الحرب إلى أخطر مغامرة تخوضها واشنطن، بقيادة أحد أكثر رؤسائها تهوراً، وقد لا تنتهي بولادة شرق أوسط جديد على صورة دولة الاحتلال، بل قد تتبع نمطاً تاريخياً مألوفاً: قصة قوة عظمى تتجاوز حدود قدرتها.
الإمبراطوريات في لحظة الثقة المفرطة تبدأ بتصديق أساطيرها الخاصة، تخلط بين التفوق العسكري والحكمة الاستراتيجية، وتتوهم أن القوة قادرة على إعادة تشكيل التاريخ.
لكن الإمبراطوريات لا تسقط عادة لأنها ضعيفة، بل لأنها تبالغ في تقدير قوتها، وقد تعلمت بريطانيا هذا الدرس عام 1956.
فقد اعتقدت، وهي واثقة من استمرار نفوذها، أنها قادرة على فرض إرادتها خارج حدودها، حين أطلقت مغامرة السويس لاستعادة الهيبة الإمبراطورية، لكن ما حدث كان العكس تماماً، تصاعد الضغط المالي واشتدت المعارضة الدولية وانكشفت حدود القوة البريطانية.
ما كان يُفترض أن يكون استعراضاً للقوة تحول إلى بداية تراجع استراتيجي طويل، ولم تنهِ أزمة السويس الإمبراطورية البريطانية فوراً، لكنها كشفت حقيقة قاتلة: أن القوة العسكرية حين تنفصل عن الشرعية السياسية، وأن استخدام القوة بلا قيود، قد يسرّع سقوط الإمبراطوريات بدلاً من إنقاذها.
الخلاصة هي أن التاريخ نادراً ما يكرر نفسه حرفياً، لكنه يكرر منطقه، وقد تصبح إيران لحظة السويس الخاصة بواشنطن.
للاطلاع على المقال الأصلي من (هنا)







