ترجمة وتحرير موقع بالعربية
تمكنت إيران من قلب موازين القوة في أحد أهم الممرات البحرية في العالم، بعد أن فرضت سيطرة فعّالة على مضيق هرمز.
ويرى الخبراء أن هذه الخطوة قد تعيد تشكيل معادلات التجارة والتمويل العالمي إذا عجزت الولايات المتحدة عن استعادة السيطرة أو قررت الانسحاب من تأمين هذا الشريان الحيوي.
وعلى مدى عقد كامل، عملت طهران على بناء ما يُعرف بـ “أسطول الظل” من ناقلات النفط، بعيداً عن منظومة التمويل والتأمين الغربية، بهدف الالتفاف على العقوبات الأمريكية.
واليوم، تتحرك هذه السفن عبر المضيق، في حين تجد السفن المرتبطة بالغرب نفسها مستبعدة من هذا الممر الحيوي.
ففي الوقت الذي استخدمت فيه الولايات المتحدة نفوذها المالي كضامن للنظام المالي العالمي لعزل خصومها مثل إيران وروسيا، تلجأ الجمهورية الإسلامية اليوم إلى الصواريخ والطائرات المسيّرة لتحقيق الهدف ذاته ميدانياً.
فمنذ اندلاع الحرب في 28 فبراير/شباط، تعرضت 17 سفينة على الأقل لهجمات في مياه الخليج، فيما باتت شركات الشحن الغربية التي ترغب في عبور المضيق تواجه تكاليف تأمين باهظة للغاية.
ورغم تراجع حركة الملاحة، تشير بيانات شركة “كبلر” إلى أن أكثر من 20 ناقلة نفط تمكنت من مغادرة المضيق منذ بدء الحرب، بينها سفن خاضعة للعقوبات الأمريكية أو تنتمي لما يسمى بأسطول الظل.
وقال نيكولاس مولدر، أستاذ التاريخ المساعد في جامعة كورنيل، إن إيران طورت على مدى سنوات طويلة آليات للتكيف والالتفاف على العقوبات، ما جعلها أقل عرضة لتداعيات إغلاق المضيق، وأن العقوبات الأمريكية عزلت إيران بشكل جزئي عن تداعيات هذه الحرب.
هل انتهى عصر “أسطول الظل”؟
ويبرز دور أسطول الظل الذي لا يعتمد على التأمين الغربي بشكل واضح من خلال دوره في تمكين إيران من تصدير نحو 1.02 مليون برميل يومياً من النفط منذ اندلاع الحرب، معظمها إلى الصين مقابل 1.69 مليون برميل كانت تصدر يومياً العام الماضي.
ووصف خبراء هذه الأرقام بأنها لافتة في ظل ظروف الحرب، مؤكدين أن قدرة إيران على مواصلة التصدير تمثل إحراجاً مباشراً للولايات المتحدة.
ويعود صعود هذا الأسطول إلى عام 2018، عندما انسحبت الولايات المتحدة من الاتفاق النووي وفرضت عقوبات مشددة على قطاع النفط الإيراني.
ورغم أن العقوبات تُعد أداة سياسية شائعة، فإن العقوبات الأمريكية تظل الأكثر تأثيراً بسبب هيمنة الدولار والبنية التحتية المالية الغربية.
لكن في المقابل، ظهرت شبكات تجارية بديلة، خاصة بين إيران والصين وروسيا، تعتمد على العملات المحلية أو ترتيبات غير تقليدية مثل المقايضة بالبنية التحتية أو النفط.
ويرى خبراء أن العقوبات لم تُضعف هذه الدول بقدر ما ساهمت في بناء نظام اقتصادي موازٍ.
ولم تقتصر التطورات على السفن الإيرانية، إذ بدأت سفن غير إيرانية تعبر المضيق بعد تفاهمات مع طهران، ما يشير إلى تغير قواعد الملاحة في هذا الممر الاستراتيجي.
“دليل الحوثيين”… نموذج يُعاد تطبيقه
وخلال الأيام الماضية، وصلت ناقلتان تحملان علم الهند محملتان بغاز البترول المسال إلى موانئ هندية بعد عبورهما المضيق، فيما أكد وزير الخارجية الهندي سوبرامانيام جايشانكار أن بلاده تجري محادثات مباشرة مع إيران لضمان المرور.
كما بدأت بعض السفن تعلن أنها مملوكة للصين أو يعمل عليها طواقم صينية في محاولة لتأمين عبور آمن.
ورغم أن التجربة لا تزال في بدايتها، فإن قرار إيران فرز السفن المسموح لها بالمرور بشكل انتقائي يعيد إلى الأذهان ما فعله حلفاؤها الحوثيون في البحر الأحمر، عندما سعوا إلى فرض نظام مرور خاص بهم.
فبعد عدوان دولة الاحتلال على غزة، استخدم الحوثيون بيانات مفتوحة المصدر ومعلومات استخباراتية إيرانية لاستهداف السفن المرتبطة بالولايات المتحدة وأوروبا ودولة الاحتلال، مع السماح للسفن المرتبطة بالصين وروسيا بالمرور الآمن.
لكن تطبيق هذا النظام كان صعباً في اقتصاد عالمي مترابط، إذ يمكن لسفينة صينية أن تنقل بضائع إلى أوروبا.
ورغم وجود أخطاء في الاستهداف، فإن التجربة جذبت اهتمام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي درس إمكانية تزويد الحوثيين بصواريخ مضادة للسفن.
وترى المحللة ميشيل ويزه بوكمان أن إيران تطبق هذا النموذج بشكل أكثر تطوراً، مستفيدة من قدرات استخباراتية وتقنية أعلى.
وقالت: “الإيرانيون يستخدمون نموذج الحوثيين، وهو فعال جداً في إبقاء السفن المرتبطة بالغرب خارج المنطقة”.
وأضافت أن الحوثيين كانوا يعتمدون على “ممر افتراضي” يطلب فيه ملاك السفن إذناً للعبور، رغم محدودية دقة عملياتهم.
ضربة استراتيجية لواشنطن
ورغم الضربات التي وجهتها إيران لقواعد أمريكية واستهدافها مدناً في الخليج، فإن إغلاق مضيق هرمز يبدو أنه أكبر انتكاسة لإدارة ترامب في الحرب التي تشنها الولايات المتحدة بالتعاون مع دولة الاحتلال.
ذلك أن هيمنة الولايات المتحدة كقوة عظمى تعتمد بشكل كبير على قدرتها على تأمين التجارة العالمية والممرات البحرية.
لكن إدارة ترامب لم تتمكن حتى الآن من إيجاد حل فعال لمواجهة السيطرة الإيرانية على المضيق، فهل تستطيع الآن استعادة السيطرة؟
وقال وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت إن الولايات المتحدة تسمح عملياً بمرور ناقلات النفط الإيرانية عبر المضيق.
ورغم أن واشنطن تمتلك القدرة العسكرية لتدمير الزوارق الإيرانية، فإن أي خطوة من هذا النوع قد تؤدي إلى تصعيد متبادل خطير، إضافة إلى إغضاب الصين ورفع أسعار الطاقة عالمياً.
ويرى بعض المحللين أن ترامب قد يتعرض لضغوط لشن اجتياح بري لإيران لاستعادة السيطرة، خاصة مع تحرك نحو 2500 جندي من مشاة البحرية الأمريكية نحو المنطقة.
وفي هذا السياق، دعا ترامب حلفاءه في الناتو للمساعدة في تأمين المضيق، لكنه واجه رفضاً أوروبياً، ما دفعه إلى مهاجمتهم علناً، بالقول: “لم نعد بحاجة إلى مساعدة دول الناتو، نحن لم نحتج إليها أبداً، لماذا نحمي مضيق هرمز بينما يخدم الصين ودولاً أخرى؟ لماذا لا تقوم هي بذلك؟”.
بل إن ترامب ذهب إلى حد القول إن الولايات المتحدة قد لا تحتاج إلى التواجد هناك أصلاً، نظراً لامتلاكها كميات كبيرة من النفط.
تداعيات اقتصادية عالمية
ورغم أن الولايات المتحدة تنتج معظم احتياجاتها من الطاقة، فإن الأسعار تحددها الأسواق العالمية، وهو ما أدى إلى ارتفاع أسعار الوقود داخلها بأكثر من 25% منذ بدء الحرب.
كما أن دول الخليج التي تصدر النفط عبر المضيق تدعم الدولار من خلال تعاملاتها المالية واستثماراتها في الاقتصاد الأمريكي.
ويرى محللون أن الاتفاقات التي أبرمتها دول مثل الهند وباكستان مع إيران لعبور المضيق تشير إلى تراجع السيطرة الأمريكية.
وقال الباحث الجيوسياسي باراغ خانا إن ما يحدث يمثل “بداية بديل من الأسفل” قد يتحول إلى نظام دائم.
وأضاف: السؤال هو ما إذا كانت تحالفات جديدة ستنشأ لتأمين الممرات البحرية العالمية، وهو الدور الذي ادعت الولايات المتحدة القيام به قبل أن تقوضه عبر سياساتها العسكرية”.
للإطلاع على النص الأصلي من (هنا)







