بقلم جو غيل
ترجمة وتحرير نجاح خاطر
هزّ الهجوم الأميركي على فنزويلا في الثالث من يناير/كانون الثاني، واختطاف الرئيس نيكولاس مادورو، العالم بأسره، وترك الفنزويليين في حالة صدمة وذهول.
وقد صفق بعض الفنزويليين ولا سيما من بين الملايين الذين فرّوا من الانهيار الاقتصادي الذي يحمّلون مادورو مسؤوليته لخطوة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الجريئة، بيد أن كثيرين لم يفعلوا، خصوصاً مع سقوط ما يصل إلى مئة قتيل بنيران القوات الأميركية.
وكي نفهم الكيفية التي وصلنا بها إلى هذه اللحظة، لا بد من العودة إلى التاريخ المضطرب لهذا البلد الغني بالنفط في أميركا الجنوبية خلال ربع القرن الماضي، فكثيراً ما يُختزل المشهد الفنزويلي في علاقته العدائية مع الولايات المتحدة، بدلاً من النظر إليه كبلد له تاريخه الخاص ودينامياته الداخلية المعقّدة.
في زيارتي الأخيرة إلى فنزويلا قبل عشرين عاماً، تجمع آلاف الناشطين الاشتراكيين من مختلف أنحاء العالم في كراكاس للمشاركة في المنتدى الاجتماعي العالمي، وكانت تلك ذروة المكانة التي تمتع بها هوغو تشافيز كزعيم اشتراكي شعبي وقائد إقليمي، وبالنسبة لليساريين، بدا المشهد وكأنه قطعة من الجنة وسط بحر من الرأسمالية.
لقد أصبح تشافيز بطلاً عالمياً لتحدّيه الإمبريالية الأميركية، خصوصاً بعد نجاته من محاولة انقلاب مدعومة أميركياً عام 2002، أنقذه منها جنوده واحتجاجات جماهيرية واسعة.
وعقب إضراب طويل لأرباب العمل بين عامي 2002 و2004 ألحق أضراراً جسيمة بالاقتصاد، أطلق تشافيز برنامجاً راديكالياً من “المهمات” في مجالات الصحة والتعليم ومحو أمية الكبار والإصلاح الزراعي، وهو ما حسّن حياة ملايين الفنزويليين.
اشتراكية البترودولار
وبعد أن أطاح تشافيز بالإدارة القديمة لشركة النفط الوطنية “بي دي في إس إيه”، تحولت الشركة إلى الممول الرئيسي للبرامج الاجتماعية الكبرى التي خفّضت معدلات الفقر وعدم المساواة بشكل ملحوظ خلال العقد التالي.
وفي كراكاس، أذكر أن طاهياً يعمل في فيلا على الشاطئ خرج من كوخه لينضم إلى ربّ عمله، الذي كان يشتكي من تشافيز مستنداً إلى خطابات الأخير الطويلة في برنامجه التلفزيوني “آلو بريزيدنتي”.
ومن غرفتي في الفندق، شاهدت تشافيز يستعرض الحسابات القومية مباشرة على الهواء، صفحة صفحة، لا شيء بهذه العفوية والشفافية يمكن أن يحدث في الديمقراطية البريطانية.
ومع ذلك، فقد كانت هناك إشارات إلى المشكلات، ففي صباح أحد الأيام، اقتادني شرطي إلى كشك للشرطة في كراكاس، وبعينين باردتين ميتتين، سألني عن “مخدراتي”، وهو يبحث في مجرد أدوية عادية وفتّش محفظتي، وأخرج شيكات السفر.
لقد قال زميله بالإسبانية إن عليّ أن أوقع الشيكات واحداً واحداً، أي إنها لا تستحق السرقة، ثم أطلق سراحي، وكان ذلك نموذجاً مصغراً لمجتمع ظل الفساد فيه متجذراً.
وكما شرح لي باحث فنزويلي، فإن طفرة عائدات النفط لم تقتصر على النخب، بل استفاد منها ملايين الناس بطرق مختلفة.
فقد سمح نظام العملة المزدوجة للمستوردين والطلاب ومواطنين عاديين قادرين على التعامل مع النظام بالحصول على دولارات مدعومة بسعر أقل بكثير من سعر السوق، ثم بيعها لاحقاً لتحقيق أرباح طائلة.
ومع سعي تشافيز إلى التحول نحو الاشتراكية، جرى تأميم صناعات عدة، لكن مليارات الدولارات التي كان يفترض استثمارها فيها ضاعت عبر واردات وهمية وعقود مبالغ في قيمتها.
أصيب تشافيز عام 2011 بسرطان شرس، وأمضى أشهراً طويلة في كوبا لتلقي العلاج، قبل أن يتوفى في يناير/كانون الثاني 2013 عن عمر 58 عاماً حيث نعته البلاد والعالم بحزن بالغ.
أما خليفته الذي اختاره بنفسه، مادورو، فلم يمتلك قدرة تشافيز على اقتناص اللحظة أو التعامل مع التحديات الاقتصادية والسياسية، فقد فاز بفارق ضئيل في انتخابات 2013، وواجه فوراً سلسلة أزمات.
صراع وعنف وعقوبات
ورداً على تصاعد الجريمة العنيفة في بلد غارق منذ زمن في السلاح، نشرت حكومة مادورو وحدات شرطة خاصة لملاحقة العصابات في الأحياء الفقيرة، ما أدى إلى عمليات قتل خارج إطار القانون طالت آلاف الشبان، كثيرون منهم قُتلوا داخل منازلهم أو في الشوارع، بحسب تحقيقات للأمم المتحدة ومنظمة العفو الدولية.
وتفاقم الصراع السياسي بين الحكومة والمعارضة مع تراجع أسعار النفط، وتزايد النقص في السلع، واستشراء الفساد داخل شركة النفط الوطنية للاقتصاد.
ونظمت المعارضة احتجاجات عنيفة في الشوارع عامي 2014 و2017، شلّت الحياة في كراكاس عبر إغلاق الطرق، وأودت بحياة العشرات.
يقول ترامب إن الولايات المتحدة ستسيطر على جميع عائدات مبيعات النفط، وسيكون ذلك خنجراً في قلب السيادة الاقتصادية للبلاد.
ويشير الخبير الاقتصادي الفنزويلي المقيم في الولايات المتحدة فرانسيسكو رودريغيز إلى أن دخل الفرد في فنزويلا انخفض بين عامي 2012 و2020 بنسبة 71% وهو أكبر انكماش اقتصادي في زمن السلم في التاريخ الحديث.
لقد اتبعت حكومة مادورو سياسة إنكار، إما بنفي وجود الأزمة أو بإلقاء اللوم على الولايات المتحدة و”المخربين” في الداخل ليبدأ التضخم المفرط والجوع الجماعي وهجرة الملايين بين عامي 2016 و2018، أي قبل فرض أشد مراحل العقوبات الأميركية.
غير أن رودريغيز يبيّن أن الصراع السياسي الداخلي، مقروناً بالعقوبات الأميركية، كان العامل الرئيسي في هذا الانهيار.
فبعد فوزها بانتخابات الجمعية الوطنية عام 2015، أخفقت المعارضة اليمينية في استثمار مكاسبها، وقاطعت الانتخابات الرئاسية لعام 2018.
وفي 2019، اعترفت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي من جانب واحد بشخصية معارضة هي خوان غوايدو رئيساً، لكن الاستراتيجية فشلت فشلاً ذريعاً، إذ افتقر غوايدو إلى دعم فعلي داخل البلاد.
ومنذ عام 2017 فرض ترامب عقوبات مالية ونفطية وديوناً قطعت فنزويلا عن الاقتصاد العالمي، وكانت لها آثار مدمرة.
وفي 2024، وبدفع من مسؤولين أميركيين، توحدت المعارضة خلف الدبلوماسي إدموندو غونزاليس في الانتخابات الرئاسية، وقد بدا أنه فاز بفارق كبير، لكن مادورو أعلن فوزه واعتقل أكثر من ألفي متظاهر في حملة قمع واسعة.
صعود ديلسي رودريغيز
ومع وجود مادورو الآن في سجن بنيويورك بعد اختطافه بشكل غير قانوني من قبل الولايات المتحدة، تتجه الأنظار إلى الرئيسة المؤقتة الحالية ديلسي رودريغيز، وهي ابنة قائد يساري أسس حزب “ليغا سوسياليستا” الثوري في سبعينيات القرن الماضي، وتعرض للتعذيب حتى الموت على يد أجهزة الأمن الفنزويلية عام 1976.
وبوصفها نائبة للرئيس ووزيرة للاقتصاد منذ عام 2020، يُنسب إلى رودريغيز الفضل في إنقاذ الاقتصاد بعد انهياره، عبر ما وصفه أحد المحللين بـ “بيريسترويكا من دون غلاسنوست” أي إصلاحات تحريرية خفّضت التضخم وأفادت طبقة جديدة من رجال الأعمال المرتبطين بالدولة.
وقد نسجت رودريغيز إلى جانب شقيقها النافذ خورخي، رئيس الجمعية الوطنية، علاقات وثيقة مع حلفاء فنزويلا مثل الصين وإيران وتركيا.
وذكرت صحيفة ميامي هيرالد في أكتوبر/تشرين الأول أن ديلسي وخورخي رودريغيز سعيا لتقديم نفسيهما لواشنطن كبديل “أكثر قبولاً” من مادورو.
ومن خلال وسطاء في قطر، جرت محادثات مع مسؤولين أميركيين للتفاوض على انتقال سلمي للسلطة بموافقة مادورو، لكن ذلك لم يكتب له النجاح.
فقد كان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، وكبير مستشاري ترامب ستيفن ميلر، والرئيس نفسه، مصممين على تنفيذ العملية العسكرية لاختطاف مادورو.
وبالنسبة لروبيو، وهو أميركي من أصول كوبية، فإن إسقاط فنزويلا هو المحطة الأولى في الطريق نحو إسقاط الحكومة الشيوعية في كوبا.
وأوضح ميلر العقيدة “الترامبية” الجديدة ذات النزعة النيتشوية في حديث لشبكة “سي إن إن” الأسبوع الماضي، قائلاً: “نحن نعيش في عالم حقيقي، عالم تحكمه القوة، وتحكمه الهيمنة، هذه هي القوانين الحديدية للعالم”.
هل تنجح الصفقة مع ترامب؟
تقول إيفا غولينغر، الصديقة والمستشارة السابقة لتشافيز التي اختلفت لاحقاً مع حكومة مادورو، إن معظم صادرات النفط الفنزويلي ستذهب بموجب الصفقة المحتملة بين ترامب ورودريغيز إلى الولايات المتحدة بدلاً من الصين.
وتشير إلى أن هذه الصفقة قد تؤدي إلى تخفيف العقوبات وتحسين ظروف الفنزويليين لكنها تحذّر قائلة: “العامل الأكثر غموضاً هو ترامب نفسه، تقلبه وافتقاره إلى استراتيجية يجعلان من الممكن أن يغيّر رأيه في أي لحظة، إنه وقت بالغ الخطورة على فنزويلا”.
وقد تخلّى ترامب عن زعيمة المعارضة البارزة ماريا كورينا ماتشادو، اليمينية المؤيدة لدولة الاحتلال والحائزة على جائزة نوبل، معتبراً أنها لا تحظى بدعم كافٍ داخلياً، ثم عاد ليُلمّح إلى احتمال لقائها بعد أن عرضت عليه إهداءه جائزتها.
وأكد عملاق النفط الأميركي Exxon أن نجاح خطة ترامب مشروط بخضوع كاراكاس لمطالبه بتحقيق “أرباح فائقة” من النفط الفنزويلي.
وبينما يعلن ترامب بصخب أنه يسيطر على فنزويلا، لا يزال الوزراء الفنزويليون يديرون شؤون الدولة في كراكاس، وتفرض “الكوليكتيفوس” وهي ميليشيات شعبية حضورها في الشوارع.
لم يكن الجيش الفنزويلي قادراً على مقاومة التفوق العسكري والتقني الكاسح للعملية الأميركية في 3 يناير/كانون الثاني، التي لم تسفر عن خسائر أميركية، لكنها أودت بحياة عشرات من عناصر النخبة الفنزويلية والكوبية.
غير أنه، وبعد أكثر من عقدين من محاولات تغيير النظام التي قادتها الولايات المتحدة ضد الحكومة البوليفارية، بُنيت قيادة عسكرية موحدة، وأصبح الجيش متداخلاً بعمق في قطاعات النفط والتعدين وغيرها، ما يمنحه مصلحة اقتصادية مباشرة في بقاء النظام القائم.
وفوق ذلك، وبغض النظر عن مواقفهم من مادورو، صُدم كثير من الفنزويليين بالغارة الأميركية، ولا يرغبون في أن تحكمهم الولايات المتحدة، وقد صوّتت المعارضة في الجمعية الوطنية الأسبوع الماضي بأغلبية ساحقة لإدانة الهجمات.
وقال ترامب يوم الجمعة إن “الموجة الثانية المتوقعة من الهجمات” لن تكون ضرورية، بعد أن تعاونت الحكومة مع واشنطن وأفرجت كراكاس عن عدد من السجناء السياسيين.
لكن ثمة عقبات كبرى أمام نجاح هذا المسار، فقد أوضحت شركة إكسون أن جعل الخطة جذابة لشركات النفط الكبرى يتطلب من كراكاس التخلي عن سيطرتها على العائدات النفطية.
ويقول ترامب إن الولايات المتحدة ستستحوذ على جميع إيرادات مبيعات النفط، وهو ما سيكون ضربة قاتلة لسيادة البلاد الاقتصادية.
ويقول مصدر فنزويلي إن تعبئة يومية تجري دعماً للحكومة في كراكاس ومدن كبرى أخرى، مضيفاً: “حتى قبل القصف، في النصف الأول من ديسمبر/كانون الأول، شهدنا أيضاً احتجاجات ذات مشاركة لا بأس بها ضد العدوان الأميركي المتمثل في الحصار البحري”.
ربما يكون ترامب، ومن حيث لا يدري، قد وحّد الفنزويليين عبر مهاجمة بلدهم وهو أمر كان من شبه المستحيل تخيّله قبل أشهر قليلة فقط.







