بقلم جون ريس
ترجمة وتحرير نجاح خاطر
مازالت الهزّة السياسية التي ولّدها نشر ملفات إبستين مستمرة في حصد أسماء وازنة في عوالم السياسة والمال والثقافة، فمن مخرجين في هوليوود، مروراً بوزراء سابقين في فرنسا، إلى شخصيات أوروبية رفيعة، تتساقط السمعة تلو الأخرى تحت وطأة فضيحة عابرة للحدود.
وفي بريطانيا، يبدو المشهد أكثر درامية، ذلك أن أحداً من العائلة المالكة لم يصبح منبوذاً بشكل صارخ مثل الأمير أندرو منذ تنازل إدوارد الثامن عن العرش عام 1936.
ولم يشهد مجلس اللوردات ولا حزب العمال فضيحة حديثة بحجم سقوط بيتر ماندلسون، الذي كُشف عن تورطه في تمرير معلومات حكومية سرية إلى المدان بالاتجار بالأطفال جيفري إبستين.
ولم تقف موجة الارتدادات عند هذا الحد، بل وصلت إلى أبواب 10 داونينغ ستريت، لتطيح بمورغان ماكسويني، العقل المدبر لمشروع ستارمر، ولتحاصر رئيس الوزراء نفسه بسؤال البقاء، حيث بات حجم الغضب الشعبي من القوة إلى الحد الحد الذي يجد فيه كير ستارمر نفسه يقاتل سياسياً للحفاظ على منصبه.
ورغم ذلك، فإن فضيحة ملفات إبستين، أو حتى تعيين ماندلسون سفيراً في الولايات المتحدة، لم تكن وحدها كافية لدفع ستارمر إلى هذا المنحدر الحاد، حيث أن رئيس وزراء فاز بانتصار كاسح قبل عام ونصف فقط، ويتمتع بأغلبية مريحة في مجلس العموم، كان يفترض أن يكون قادراً على امتصاص العاصفة.
لكن الحقيقة أن شعبية ستارمر كانت تتآكل منذ أشهر طويلة قبل انفجار الفضيحة، نفسب التأييد له شخصياً ولحزب العمال تراجعت بوتيرة متسارعة، والسبب يعود إلى خيارات سياسية وُصفت بالكارثية، اتخذها ستارمر ووزيرة خزانته رايتشل ريفز، وأدت في أكثر من مرة إلى تراجعات حكومية محرجة وصاخبة.
لم نعد نسمع اليوم كثيراً عن التغطية المتملقة التي رافقت صعود ستارمر إلى زعامة الحزب بعد جيريمي كوربن، حين جرى الترويج له باعتباره صاحب “عقل تحليلي دقيق”، بل اتضح مع الوقت أن مهارته الأبرز كانت في أمر واحد وهو إقصاء اليسار من حزب العمال، أو تهميش من تبقى من الاشتراكيين داخله.
أما على مستوى الرؤية السياسية الأوسع، فقد بدت أدوات ستارمر محدودة إلى حد كبير، والسؤال المطروح الآن هو هل يملك اليسار فرصة للانتعاش إذا كانت أيام ستارمر قد أصبحت معدودة؟ والإجابة تختلف باختلاف التيارات داخل اليسار.
يسار الوسط… تغيير في اللغة لا في الجوهر
لنبدأ بتيار يسار الوسط داخل حزب العمال، وهو تيار بالكاد يمكن وصفه باليساري، هذا التيار شارك في مشروع ستارمر، أو اكتفى، في أفضل الأحوال، بالانتظار الصامت حتى ينفد رصيده، واليوم يحاول أبرز رموز هذا التيار، أنجيلا راينر وآندي برنهام، التموضع كمنتقدين لستارمر.
وبالنسبة إلى راينر، التي لا تزال تخضع لتحقيق ضريبي بشأن تعاملات عقارية، فقد كانت ستبقى نائبة للزعيم لولا اضطرارها للاستقالة، أما برنهام، فقد منعه ستارمر من خوض انتخابات جورتون ودنتون الفرعية، إذ إن عودته إلى البرلمان كانت ستمنحه فرصة حقيقية لتحدي الزعامة.
ويواجه هذا التيار الوسطي صعوبات حقيقية في إطلاق تحدٍّ فعّال، غير أن المفارقة أن استمرار ستارمر في منصبه قد يسهّل مهمتهم بمرور الوقت، ومع ذلك، حتى لو خلفه أحد من الاتجاه السياسي ذاته، فما الذي سيتغير فعلياً؟
يمكن أن تتبدل اللغة السياسية، وقد يتم التخلي عن بعض الاستراتيجيات التي بدت متماهية مع خطاب حزب “الإصلاح”، وربما تُسحب بعض الإجراءات الأكثر قسوة بحق الطبقات العاملة، لكن في الجوهر، سيبقى الأمر “ستارمرية بلا ستارمر”.
وبالعموم فإن شهر العسل المنتظر لأي زعيم جديد سيكون قصيراً، والفجوة بين حزب العمال وقطاعات واسعة من الطبقة العاملة الناقمة ستظل قائمة.
ما بعد لحظة المطاردة
أما في الجناح الأكثر يسارية داخل الحزب، أي التيار الكوربيني (تيار كوربن) الذي بقي داخله، فيمكن القول إن أسوأ مراحل حملة استهدافه قد انقضت، وها هم بعض النواب مثل جون ماكدونيل وريتشارد بورغون باتوا يتحركون بهامش أوسع مما كان متاحاً لهم منذ تولي ستارمر القيادة، ومن الصعب تخيّل أن يتمكن ستارمر مجدداً من سحب “السوط” البرلماني من نواب مجموعة الحملة كما فعل سابقاً.
في المقابل، فإن تراجع ستارمر سيفتح مجالاً أوسع لتلقي الأفكار اليسارية داخل الحزب، مقارنة بفترة الإقصاء الفعلي لكوربن، صحيح أن اليسار العمالي لن يعود إلى ذروة أيام قيادة كوربن، لكنه أيضاً لن يبقى في موقع النبذ الكامل الذي عاشه في عهد ستارمر.
غير أن استثمار هذه اللحظة يظل رهناً بقدرة هذا التيار على البناء والتنظيم، فإذا واصل الزعيم المقبل الدورة نفسها من خيبة آمال أنصار الحزب، فإن فكرة “استعادة الحزب للاشتراكية” قد تبدو أبعد منالاً، وربما عديمة الجدوى في نظر كثيرين.
بين الخضر والبدائل الراديكالية
خارج حزب العمال، يستقطب “حزب الخضر” جزءاً كبيراً من الطاقة الباحثة عن بديل، فقد أعاد زعيمه زاك بولانسكي تموضع الحزب بوصفه بديلاً جذرياً لحزب العمال، مستفيداً من خطأ تكتيكي جسيم ارتكبه ستارمر حين اعتبر أن التهديد الوحيد يأتي من حزب “الإصلاح”.
لكن مدى عمق التحول داخل الخضر يظل موضع تساؤل، ذلك أن سجل الحزب في دعم الحركات المناهضة للحرب متذبذب، وصلاته بالنقابات ضعيفة، وحضوره في المجتمعات العمالية محدود.
كما أن شريحة وازنة من أعضائه أقرب إلى الليبرالية منهم إلى الاشتراكية، لذلك لا يزال بعيداً عن أن يكون حزباً اشتراكياً ذا برنامج واضح ومتماسك.
ومع اتساع حضور حزب الخضر، ستتزايد ضغوط الإعلام والمؤسسة الحاكمة عليه، ما قد يدفعه إلى تنازلات يفتقر إلى أدوات أيديولوجية صلبة لمقاومتها، خصوصاً إذا ظل التفكير الانتخابي قصير المدى هو البوصلة الأساسية.
العمود الفقري للمقاومة
أما المشاريع الاشتراكية الواقعة على يسار حزب العمال، وفي مقدمتها التيار الكوربيني الراديكالي، فتواجه تحدياً إضافياً يتمثل في تعثر مشروع “يور بارتي”.
فقد كان يُفترض أن يشكل تراجع ستارمر لحظة فارقة لهذا المشروع، لالتقاط الزخم الذي يتجه حالياً نحو الخضر، لكنه انشغل بصراعات داخلية أفقدته زخمه الأول بسرعة لافتة.
مع ذلك، فإن مشروع “يور بارتي” ليس الطريق الوحيد لمنافسة حزب العمال انتخابياً، فقد سبق انتخاب أربعة نواب مؤيدين لغزة، إضافة إلى كوربن نفسه، تأسيس هذا المشروع.
كما نجحت حملات محلية أخرى في إيصال أعضاء إلى المجالس أو منافسة نواب بقوة، وفي الانتخابات المقبلة في مايو/أيار، سيخوض عدد من المستقلين الراديكاليين السباق بفرص متفاوتة.
هذا الاستقطاب السياسي لن يتوقف بسبب تعثر مشروع بعينه، بل قد يتخذ شكلاً جديداً، دافعه سيظل أزمة كلفة المعيشة، وتآكل دولة الرفاه، والمواقف الخارجية غير الشعبية للمؤسسة البريطانية في مجمل أحزابها الرئيسية، بما في ذلك اصطفافها التقليدي إلى جانب دولة الاحتلال وسياساتها.
وكما حدث في تجربة الكوربينية الأولى، فإن الزخم سيأتي في الأغلب من الحركات خارج البرلمان، هذه الحركات، أكثر من المشاريع الانتخابية، ستظل العمود الفقري للمقاومة في وجه التقشف المدفوع بإعادة التسلح، الذي تلتزم به الطبقات الحاكمة الأوروبية، ومعها الأحزاب البريطانية السائدة.
لقد بات فشل مسيرة ستارمر السياسية شاهداً على رفض واسع لهذا المشروع، وفضيحة إبستين كشفت نخبة حاكمة تتصرف باستخفاف تجاه حياة الناس العاديين، وتتعامل مع نفسها ككيان فوق المساءلة والقواعد التي يخضع لها الآخرون.
إن سقوط ستارمر المحتمل يكرّس حقيقة باتت تتكرر مفادها أن “المركز السياسي لا يستطيع الصمود”، فاليمين الشعبوي يسعى لملء الفراغ، مستفيداً من الغضب والسخط.
غير أن اليسار يمكنه بدوره الاستفادة من هذا الفشل، شرط أن يمتلك حركة جماهيرية حيوية خارج البرلمان، وأن يربط أي مشروع انتخابي بهذه القاعدة الاجتماعية، وعندها فقط قد تتحول لحظة الانهيار إلى بداية مسار جديد، لا مجرد تبديل أسماء في قمة الهرم.
للاطلاع على المقال الأصلي من (هنا)







