بقلم عبد أبو شحادة
ترجمة وتحرير نجاح خاطر
على تحو استثنائي، تعكس التطورات الأخيرة داخل دولة الاحتلال حجم التحولات السياسية والمؤسسية العميقة التي تتسارع أمام أعيننا خلال فترة زمنية قصيرة.
فخلال الوقت الذي ينشغل فيه العالم بملفات إقليمية أخرى، يواصل الاحتلال عدوانه في لبنان وسوريا وغزة، وفي أنحاء الضفة الغربية المحتلة التي جرى ضمّها فعليًا.
ويدرك اليمين المِسياني في دولة الاحتلال، بقيادة رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، أنه يعمل في لحظة تاريخية فارقة.
وفي ظل غياب شبه كامل لأي معارضة ذات معنى، تمضي الحكومة الحالية في تفكيك مؤسسات الدولة بصورة منهجية، بما يتيح لها ترسيخ سلطتها، وإضعاف القضاء، وتقويض الأعراف السياسية والاجتماعية التي حكمت المشهد العام لعقود.
تُظهر التجارب التاريخية أن الدول حين تنزلق إلى أنماط فاشية، فإن تدمير المؤسسات والمعايير لا يفضي إلى النظام أو الاستقرار، بل ينتج عنه فوضى اجتماعية وشعور عام بانهيار الضبط والاتزان.
وعلى الرغم من مشروعية القول إن دولة الاحتلال لم تكن يومًا ديمقراطية ليبرالية بالمعنى الحقيقي، إلا أن ذلك لا يلغي حقيقة أنها حكمت تاريخيًا بأسلوب بالغ الحساب والدقة، لا سيما في إدارتها لعلاقتها مع الفلسطينيين.
فعلى مدى عقود، قامت سياسة الاحتلال على معادلة دقيقة، قمع الفلسطينيين، لكن دون دفعهم إلى حدّ الانفجار أو التمرد الشامل.
وقد كان السلوك السياسي للفلسطينيين، خصوصًا داخل مناطق عام 1948، موضع دراسات موسعة، كثيرًا ما صيغت حول سؤال: لماذا لم يثوروا؟
وفي تقرير شامل حول هبة الفلسطينيين في دولة الاحتلال عام 2021، فصّل المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة آليات السيطرة التي استخدمتها دولة الاحتلال لقمع الفلسطينيين داخل أراضيها بأسلوب معقّد وممنهج، يهدف إلى منع المقاومة بشكل فعّال.
غير أن هذه الآليات، بطبيعتها، كانت تتطلب موارد بشرية كبيرة، وتخطيطًا طويل الأمد، وعقلية استراتيجية لا يمكن تعويضها بسهولة.
ومع صعود اليمين المِسياني وتغوّل الخطاب القائم على القوة الغاشمة في سياسة دولة الاحتلال تآكلت هذه المنظومات، وتفككت البنية البشرية التي كانت تحافظ عليها.
وبقدر ما كان هذا النهج قاسيًا ولا أخلاقيًا، إلا أنه اعتمد على كوادر مهنية مدرّبة، وعلى إدراك بأن القوة المجردة وحدها لا تكفي لحكم مجتمع، هذا التوازن انهار اليوم بشكل كامل.
عواقب عنيفة
منذ تعيين إيتمار بن غفير وزيرًا للأمن القومي، ومع تدخله المباشر في عمل شرطة الاحتلال استقال عدد متزايد من كبار ضباطها.
وفي المقابل، جرى تعيين أشخاص يدينون بالولاء الشخصي للوزير في مناصب عليا، كثير منهم يفتقرون إلى الخبرة والكفاءة والفهم المؤسسي.
وقد جاءت النتائج فورية ودامية، فخلال الأسبوعين الماضيين وحدهما، وعلى خلفية الاشتباه بسرقة حصان من إحدى التجمعات في النقب، بادر بن غفير والشرطة إلى تنفيذ دوريات استفزازية داخل قرية بدوية، ما أدى إلى اندلاع مواجهات مباشرة مع السكان.
فهناك، فُرض حصار على القرية لعدة أيام، واعتُقل العشرات، وقُتل أب لسبعة أطفال على عتبة منزله، أمام أعين أبنائه.
وبعد أيام، فشلت الشرطة في ضبط الأوضاع خلال احتجاج للحريديم اليهود ضد قانون التجنيد.
وأسفر ذلك عن مقتل فتى حريدي يبلغ من العمر 14 عامًا، وإصابة آخرين، بعدما دهسهم سائق حافلة فلسطيني.
وتشير الروايات إلى أن السائق حاول الفرار بعد تعرضه لاعتداء عنيف من حشد حريدي، وكان قد اتصل بالشرطة طلبًا للمساعدة، لكنها لم تصل.
ويبدو أن نتنياهو يراهن على أن الإبقاء حتى على قشرة ديمقراطية واحترام شكلي لحقوق الإنسان لم يعد ضروريًا.
ومنذ بداية العام، قضى ما لا يقل عن 16 فلسطينيًا في حوادث إطلاق نار مرتبطة بالجريمة المنظمة، كما سُجل ارتفاع حاد في جرائم قتل النساء داخل دولة الاحتلال، إلى جانب زيادة بنسبة 245% في طلبات اللجوء إلى مراكز الطوارئ لضحايا العنف الأسري.
ولفهم المشهد الأشمل، لا بد من التوقف عند ما يجري حول المحكمة العليا.
فقد هدد حزب “يهوديت هتوراة” بإسقاط الحكومة ورفض تمرير الموازنة العامة ما لم يُشرّع قانون ينظم إعفاء الحريديم من الخدمة العسكرية الإلزامية.
وفي الوقت ذاته، وقّع بن غفير وقادة آخرون في الائتلاف رسالة تحث نتنياهو على تجاهل أي التماس أمام المحكمة العليا قد يطالبه بإقالة وزير الأمن القومي بسبب تدخله غير القانوني في عمل الشرطة.
ويمثل هذا الطلب خرقًا غير مسبوق للأسس السياسية التي قامت عليها منظومة الحكم في دولة الاحتلال.
وفي مشهد آخر يعكس انهيار المعايير، نشر حزب بيني غانتس، خصم نتنياهو، مقطعًا دعائيًا يظهر عائلة من دولة الاحتلال تختبئ في غرفة آمنة، فيما يعلن مذيع أن الحكومة، لاعتمادها على حزب عربي، عاجزة عن عقد المجلس الأمني خلال الحرب.
كان الفيديو يحمل الشعار: “أمن أطفالنا أولًا، لا نعتمد على الأحزاب العربية”.
ورغم الطابع التحريضي الذي يربط بين سلامة الأطفال وشرعية التمثيل السياسي للفلسطينيين المواطنين في دولة الاحتلال، فإن هذا الخطاب بات أمرًا مألوفًا ومقبولًا في الفضاء العام.
نظام عالمي يتفكك
أما الجديد اليوم فهو حجم التحريض غير المسبوق الذي طال حتى شخصيات من اليسار الصهيوني، كثير منها أيد ودافع عن الحرب على غزة.
فبعد أن حذّر رئيس المحكمة العليا السابق أهارون باراك من أن دولة الاحتلال “لم تعد ديمقراطية ليبرالية”، ومن خطر حكم الفرد الواحد، انهالت عليه موجة من التحريض، رغم مكانته الدولية ودوره التاريخي في إضفاء شرعية قانونية على الاحتلال خارجيًا.
وتتزامن هذه التطورات مع سلسلة تشريعات دفع بها نتنياهو منذ تشكيل حكومته الحالية عام 2022، وتهدف بوضوح إلى إضعاف القضاء وتقويض مكانته.
ومع تآكل النظام العالمي وتراجع الولايات المتحدة عن أدوارها في المؤسسات الدولية، يبدو أن نتنياهو يراهن على أن احترام حقوق الإنسان أو حتى التظاهر بذلك لم يعد شرطًا للبقاء في الحكم.
فخلال الأيام الأخيرة، ناقش الكنيست بجدية مشروع قانون تقدمت به النائبة ليمور سون هار-ميليخ (القوة اليهودية)، يتيح فرض عقوبة الإعدام على الفلسطينيين المدانين بـ “الإرهاب” حتى في حال لم يطالب الادعاء بذلك.
ولا يشترط المقترح إجماع القضاة، بل يكتفي بالأغلبية، على أن ينفذ حراس السجون عمليات الإعدام.
ويدرك كثير من الإسرائيليين خطورة المسار الحالي، خصوصًا في ظل تقارير تفيد بأن جهاز “الشاباك” أجرى محادثات “تحذيرية” مع قادة احتجاجات مناهضة لنتنياهو، وهي ممارسة كانت حكرًا تقريبًا على الفلسطينيين المواطنين في دولة الاحتلال.
ومن المفارقات اللافتة أن هذه التطورات تعكس الخطة التي نشرها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش عام 2017 لضم الضفة الغربية.
فقد تخيّل كثيرون أن الضم يعني تمدد دولة الاحتلال داخل الضفة، لكن الواقع أن منطق الاحتلال نفسه بات يتسلل إلى الداخل الإسرائيلي.
لقد باتت الدولة تتحول إلى كيان ذي مؤسسات جوفاء، تقوده أيديولوجيا دينية مِسيانية، ويستند بقاؤه إلى القوة العسكرية.
وليس مستغربًا، في هذا السياق، أن يتواصل تسجيل هجرة الإسرائيليين إلى الخارج في العلم 2025، مع وصول معدل النمو السكاني إلى أدنى مستوى له منذ تأسيس الدولة.
إن ما نشهده اليوم هو تجسيد عملي لتحذيرات أطلقتها قبل عقود الفيلسوفة الألمانية اليهودية حنّة آرندت بشأن سلوك الأنظمة الشمولية.
وقتها قالت: “الشمولية حين تصل إلى الحكم تستبدل دائمًا أصحاب الكفاءة الحقيقية، بغض النظر عن ميولهم، بأشباه المهووسين والحمقى، لأن افتقارهم للذكاء والإبداع هي أفضل ضمانة لولائهم”.
وعليه، فإن الذين يغادرون هم غالبًا الأكفأ والأقدر، أولئك الذين يملكون خيار الرحيل.
وفي المقابل، يتسلم مواقع النفوذ أشخاص أقل تأهيلًا وكفاءة، ما يزيد من هشاشة المؤسسات، وهي سمة ملازمة لكل نظام شمولي في طور الترسخ.
للاطلاع على المقال الأصلي من (هنا)







