بعد أسبوع من الإطاحة بحكومة بشار الأسد، وجه أحد كبار العاملين في مجال حقوق الإنسان في سوريا رسالة صادمة حين قال: “من المؤكد أن 100 ألف من المفقودين قد ماتوا”.
ويعمل فضل عبد الغني، مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، منذ سنوات مع فريق من 21 شخصاً داخل سوريا لتسجيل كل من تم اعتقاله أو اختفى دون أن يترك أثراً.
ومع تقدم قوات الثوار نحو دمشق، والاستيلاء على مدينة تلو الأخرى، زارت الشبكة السورية لحقوق الإنسان كل سجن ومركز احتجاز عند سقوطه، ووثقت أكبر عدد ممكن من المعتقلين المحررين من زنازينهم.
ويقول عبد الغني لموقع ميدل إيست آي: “تُظهر سجلاتنا أن ما يقرب من 136 ألف شخص كانوا إما محتجزين أو اختفوا قسراً من قبل نظام الأسد بينهم أكثر من 5000 طفل”.
ويضيف: “لكننا سجلنا تقديراً أقصى يبلغ 31000 شخص فقط تم إطلاق سراحهم خلال الأيام القليلة الماضية”.
ويعتقد عبد الغني أن الاستنتاج الوحيد حول العدد الكبير من الأسرى والمختفين الذين لم يتم توثيق إطلاق سراحهم هو أن معظمهم قُتلوا تحت التعذيب.
وأوضح أنه: “لا يوجد مركز اعتقال سري يمكن اكتشافه، ولا توجد طوابق سرية تحت السجون، أو أبواب ثقيلة لم تُفتح”.
وحذر من أن تداول الناس لمعلومات كاذبة، يؤدي إلى تأثيرات نفسية على عائلات الضحايا.
ويقول عبد الغني إن سجن صيدنايا، أكثر سجون سوريا شهرة، كان يتسع لـ 10000 شخص، مستطرداً: “تم إطلاق سراح حوالي 1600 منهم فقط”.
ويعتبر هذا العدد من المحررين أقل بكثير مما ورد على وسائل التواصل الاجتماعي التي يتلقى العديد من السوريين منها أخبارهم.
جثث معذبة
وعلى الرغم من ذلك، يبحث السوريون في السجون والمستشفيات عن معلومات عن أقاربهم المفقودين.
ففي مستشفى المجتهد بدمشق، يخرج الناس من المشرحة وأوشحتهم مشدودة على أفواههم، وبالكاد يستطيعون رفع عيونهم المحمرة من الدمع، وتتحول وجوههم إلى اللون الرمادي مع كل ثانية.
لقد تم اكتشاف حوالي 35 جثة في مستشفى في الريف خارج العاصمة وتم نقلها إلى مستشفى المجتهد، حيث توجد الكهرباء والمرافق الأفضل.
وتقول شهد بو حسون، وهي طبيبة متطوعة في مستشفى المجتهد: “يبدو أنهم كانوا جميعًا في صيدنايا لأن ملابسهم كانت هي نفسها التي يرتديها الأسرى المحتجزون هناك”.
ويتنقل الرجال والنساء داخل وخارج المرفق الضيق، ويمشون بحذر بين الجثث على الأرض، ويقومون بتحريك أكياس الجثث وفرزها لإلقاء نظرة أفضل على الوجوه المشوهة، وهي فرصة لمعرفة ما إذا كان من الممكن التعرف على ملامح أقاربهم وسط التجهمات الشاحبة.
ويقول الأطباء إن العديد من الأشخاص المحتجزين في هذا المشرحة ماتوا منذ شهر أو نحو ذلك، وأن حالتهم تتدهور بسرعة.
“ظهرت على معظم الجثث بشكل واضح علامات التعذيب، يمكنك أن ترى أن العديد ماتوا إما بسبب التعذيب أو الجوع، ووجدنا أن بعضهم كانوا يعانون من أمراض مزمنة أو حالات مرضية مثل السل أو تليف الكبد” – شهد بو حسون، طبيبة سورية
أسئلة بلا إجابات
وأمضت عائلات من دمشق وضواحيها الأسبوع الماضي في البحث داخل منشآت الاحتجاز والمستشفيات المختلفة في العاصمة.
والآن جاء دور القادمين من أطراف سوريا، وقد حضر بعضهم من خطوط المواجهة السابقة بعد سنوات من الانفصال عن العاصمة والمناطق الأخرى التي كانت تحت سيطرة الأسد.
وداخل المشرحة، كان الرجال والنساء يحملون صور الأبناء والإخوة المفقودين الذين يفتشون عن جثثهم.
فقد كان شقيق طلال جهار طالبًا في اللاذقية عندما اختفى في عام 2013، حيث يقول الرجل البالغ من العمر 49 عامًا من الرقة: “اعتقلوه بعدما أبلغ أحدهم الحكومة أنه إرهابي”.
“لا نعلم إن كنا سنجد شيئاً، ولكننا ما زلنا نأمل ذلك” – نجم عبدالله جوير، قريب سوري مفقود
أما رزان ملاح التي تبلغ من العمر 34 عاماً فاختفت آثارها بعدما ركبت سيارة أجرة في محافظة درعا جنوب البلاد، ولم يرها والدها عبد القادر منذ ذلك الحين.
ونسي محمد أمانة أن يأخذ بطاقة هويته عندما سافر عبر نقطة تفتيش في درعا، وكان ذلك كافياً ليتم اقتياده إلى السجون، حيث تقول والدته سعيدة: “لم نسمع شيئاً عما حدث له”.
ويشترك جميع الباحثين عن جثث أحبائهم بقصة واحدة، لقد أقنعهم شخص ما بإنفاق آلاف الدولارات للحصول على معلومات عن أقاربهم المفقودين أو حتى مقابل المساعدة في إطلاق سراحهم.
وفي أغلب الأحيان، كان يتبين أن الأمر مجرد خدعة، حيث تقول سعيدة: “في البداية دفعنا، ولكن لم نكتشف أي شيء، لقد كانت مجرد عملية احتيال”.
فقد باع أحمد حسين صالحة (33 عاماً) أرض عائلته مقابل الحصول على معلومات عن شقيقه محمد الذي اعتقل قرب حماة عام 2016 أثناء محاولته الوصول مع زوجته وأطفاله إلى محافظة إدلب التي تسيطر عليها المعارضة.
ويقول صالحة: “بعد الدفع، قيل لي إنه في صيدنايا، ولكن لا شيء آخر”.
سجلات متناثرة
يتمتع مسلخ سوريا، كما يُعرف سجن صيدنايا، بإطلالة رائعة على التلال الواقعة شمال دمشق، ولولا الجحيم الذي كان يستعر داخله لكان موقعه خلاباً.
وعند مدخله، يجلس العشرات من الناس القرفصاء لتفحص وثائق منثورة على الأرض، فيما يتجول آخرون من زنزانة إلى أخرى على طول الأجنحة الثلاثة الطويلة للسجن، لا يبحثون عن شيء محدد بقدر ما يحاولون إدراك قسوة الظروف التي تحملها الأسرى.
ويعتقد عبد الغني أن على السوريين أن يبدأوا بدلاً من ذلك في التحقق من السجل المدني، حيث بدأت الحكومة في تسجيل المختفين قسراً كأموات منذ عام 2018.
وبمساعدة موظف في مكتب السجل المدني، تمكنت الشبكة السورية لحقوق الإنسان من مطابقة حوالي 3000 اسم لمتوفين رسمياً مع أشخاص مسجلين كمفقودون.
وفي معظم الحالات، لم تخبر السلطات العائلات أبدًا أنهم ماتوا.
وقد راجعت ميدل إيست آي العديد من الوثائق من السجل التي تسرد وفيات السوريين المفقودين، ووجدت أن سبب الوفاة هو نفسه الذي سجل في جميع الحالات وهو مرض السرطان.
يقول نجم عبد الله جوير، الذي سافر 600 كيلومتر من شمال شرق الحسكة إلى صيدنايا: “لا نعرف ما إذا كنا سنجد أي شيء، لكن لا يزال لدينا أمل، يأتي الجميع إلى هنا بقليل من الأمل”.
للاطلاع على النص الأصلي من (هنا)