حين يكتب الصحفي حياته بدمه.. محمد سلامة شهيد الكاميرا والكلمة

بقلم كاثرين هيرست

ترجمة وتحرير نجاح خاطر 

اغتيل الصحفي الفلسطيني محمد سلامة، مراسل موقع ميدل إيست آي والمتعاون مع قناة الجزيرة، في قصف إسرائيلي استهدف مستشفى ناصر بمدينة خان يونس يوم الاثنين 25 أغسطس/آب 2025، إلى جانب خمسة من زملائه، بينهم الصحفي أحمد أبو عزيز. 

سلامة هو واحد من بين ما لا يقل عن 270 صحفياً فلسطينياً استشهدوا في غزة منذ بدء عدوان الاحتلال في أكتوبر/تشرين الأول 2023.

قبل أيام من استشهاده، كان سلامة قد اشترى كاميرا جديدة لمواصلة عمله،  فمنذ بداية الحرب، بدأ تصوير تقاريره عبر هاتف آيفون مثبت على حامل “جيمبال”، وكان من أوائل الصحفيين الفلسطينيين الذين وثقوا جرائم الإبادة عبر منصة “تيك توك”.

شغف لا ينطفئ

عُرف سلامة بشغفه العميق وعزيمته في توثيق ما يجري على الأرض، ولم يتوقف يوماً عن العمل رغم المخاطر، فقد أنجز ما يقارب 200 تقرير صحفي لموقع ميدل إيست آي وحده، إضافة إلى عمله مع قنوات أخرى أبرزها الجزيرة.

يقول خالد شلبي، رئيس قسم الإنتاج المرئي في ميدل إيست آي: “أجد صعوبة في وصف حجم الخسارة، لا أستطيع تخيّل تغطيتنا من دون رسائل محمد الصباحية التي كانت توافيني بأخبار الميدان لحظة بلحظة.”

ويضيف: “كان أول ما يخطر ببالي عند وقوع حدث كبير هو التواصل مع محمد للحصول على الصور أو المقابلات أو التحديثات، لم يخذلنا يوماً، مهما كانت الظروف صعبة.”

شهادة زملائه

يستذكر الصحفي والمخرج حسام أبو دان أيام سلامة في مستشفى ناصر أثناء حصار الاحتلال له في فبراير/شباط الماضي ويقول: “كنت أراه هناك ليلاً ونهاراً، يصور بلا كلل، كان جديداً نسبياً في المجال لكنه كان يسعى جاهداً لإثبات نفسه، يعمل لساعات طويلة، ويصر على توثيق الحقيقة.”

ورغم اندفاعه، كان حذراً في الميدان، كما يضيف أبو دان: “لم يكن متهوراً أبداً، بل كان يعرف كيف يحافظ على نفسه ليستمر في نقل الصورة، لكنه في النهاية كان هدفاً مثلنا جميعاً.”

إنسانية وحس مهني

لم يتوقف سلامة عن إرسال تقاريره، حتى وهو يتلقى العلاج في المستشفى، إلا بعد إلحاح من قبل خطيبته هالة عصفور وزملائه.

“كان محمد يصر على العمل من سريره في المستشفى، إلى أن أخبرتني هالة فطلبت منه التوقف حتى يتعافى”- خالد شلبي

امتاز سلامة بحس إنساني عالٍ في عمله، فقد ركّز على قصص الناس في غزة بروح من التعاطف والاحترام، لكنه لم يُخفِ قسوة الواقع، فحسابه على “إنستغرام” كان مليئاً بصور صادمة لجثامين الشهداء، والأطفال الجوعى والمرضى، والأجساد الهزيلة التي أنهكها الحصار.

ومن أبرز أعماله، تتبّع قصة الطفل عبد الرحيم “أمير” الجَرَبة الذي استشهد في موقع لتوزيع المساعدات، حيث قضى سلامة وعصفور أسبوعين كاملين بين المستشفيات والمشارح لتحديد هوية الطفل والتأكد من اسمه الحقيقي.

 ويقول شلبي:”فتشنا كل السجلات، وراجع محمد كل صورة ومقطع، حتى استطعنا تأكيد هوية الطفل، ذلك لم يكن مجرد تقرير، بل كان بحثاً عن الحقيقة منح عائلة الشهيد جواباً عن مصيره.”

بين الصحافة والحب

ارتبط سلامة بالصحفية هالة عصفور، وشكّلا معاً فريقاً ميدانياً في جنوب غزة، كانا في قلب التغطية اليومية لمعاناة المدنيين، من الجوع والحرمان وحتى استهداف المستشفيات.

وفي يوم خطبتهما، كتب سلامة إلى جانب صورة لهما بينما كانا يسيران وسط الركام في خان يونس:”رغم الحرب والقلق الذي يحيط بنا، نجد في بعضنا الأمان.”

وتذكر الصحفية وعد أبو زاهر جلساتهم الصباحية معاً: “كنا نشرب القهوة سوياً، وذات مرة سألت هالة: لماذا نجد الحب في زمن الحرب؟ فضحكت وقالت: لأننا غير محظوظين، ثم أضافت: إذا كان الموت محتوماً، فليكن الحب خلاصنا من قسوة الحياة.”

“الصحافة ليست مهنة.. إنها وجع، نكتب وسط الموت، ونوثق المعاناة كي لا تُنسى”- محمد سلامة، في آخر منشور له على “إنستغرام” بمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة.

للاطلاع على المقال الأصلي من (هنا)

مقالات ذات صلة