واشنطن تلعب بالنار: تصنيف الإخوان إرهابيين قد يجرّ الشرق الأوسط إلى الانفجار

بقلم خليل العناني

ترجمة وتحرير موقع بالعربية

يمثّل القرار التنفيذي الذي وقّعه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مطلع الأسبوع، والذي يوجّه فيه فريقه للأمن القومي لدراسة تصنيف فروع من جماعة الإخوان المسلمين كـ”منظمات إرهابية أجنبية”، واحدًا من أخطر القرارات السياسية وأكثرها طيشًا في ولايته الثانية.

فإن نُفِّذ القرار، فسوف ينسف مصالح واشنطن الجوهرية، ويزعزع استقرار الشرق الأوسط، ويقوّي تماماً القوى التي تقول الولايات المتحدة إنها تحاربها.

ينص القرار على أن يرفع وزير الخارجية ماركو روبيو ووزير الخزانة سكوت بيسنت، بالتشاور مع وزيرة العدل بام بوندي ومديرة الاستخبارات الوطنية تولسي غابارد، تقريرًا خلال 30 يومًا بشأن ما إذا كان يجب تصنيف فروع الإخوان في مصر والأردن ولبنان كـ”منظمات إرهابية أجنبية”.

وهذه ليست المرة الأولى التي يُطرح فيها هذا المقترح، فعلى مدى العقد الماضي فشلت محاولات عدّة، سواء من إدارة ترامب الأولى أو من أعضاء في الكونغرس مثل تيد كروز، وذلك بفضل حضور مسؤولين محترفين داخل مؤسسات الدولة الأمريكية يدركون الحقيقة البسيطة: أن جماعة الإخوان المسلمين، كحركة، لا تستوفي الشروط القانونية للتصنيف، وأن المضيّ في ذلك سيكون خطأً سياسيًا فادحًا.

وبحسب القانون الأمريكي، لا يمكن تصنيف أي حركة كـ”منظمة إرهابية أجنبية” إلا إذا استوفت ثلاثة شروط:

  1. أن تكون أجنبية 
  2. أن تمارس أعمالًا إرهابية ضد المدنيين أو تمتلك نية وقدرة على ذلك 
  3. وأن تشكّل هذه الأعمال تهديدًا للأمن القومي الأمريكي 

اثنان من هذه الشروط غير متوفرين بالكامل، فلا الفروع المصرية أو الأردنية أو اللبنانية متورطة في أعمال عنف ضد المدنيين، ولا هي تشكّل، استناداً لأي معيار، تهديدًا سياسيًا أو عسكريًا أو اقتصاديًا للولايات المتحدة أو لمواطنيها.

والطريف أن بعض أنصار الأنظمة العربية يتهمون الجماعة بأنها “أداة أمريكية” أصلًا.

حركة إصلاحية لا إرهابية

في مصر، تُعد جماعة الإخوان حركة إصلاحية عمرها قرن من الزمن، التزمت منذ أوائل السبعينيات بنبذ العنف بعد سنوات من القمع في عهد جمال عبد الناصر، وخلال عقود، خاضت انتخابات، وقادت نقابات مهنية، وقدمت خدمات اجتماعية للفقراء، بل والأهم من ذلك أنها شكّلت سدًا أمام التنظيمات الجهادية العنيفة في الثمانينيات والتسعينيات، إذ ساعد خطابها على صرف آلاف الشباب المصريين بعيدًا عن تنظيم القاعدة وغيره من الجماعات المتطرفة.

وبعد ثورة 2011، فازت الجماعة بأغلبية برلمانية، وأصبح محمد مرسي أول رئيس مدني منتخب ديمقراطيًا في تاريخ مصر، ثم أطاح به انقلاب يوليو/تموز 2013 بقيادة عبدالفتاح السيسي، وتلا ذلك مجزرة رابعة، الأكثر دموية في التاريخ المصري الحديث.

ورغم القتل الجماعي والاعتقالات والنفي القسري، تمسّك قادة الحركة بنهج اللاعنف، وهو ما أثار استياء بعض شبابها، واليوم، باتت الجماعة مفككة تنظيميًا، مهمّشة سياسيًا، وتكاد لا تمتلك أي حضور فعّال داخل مصر، وبالتالي، فإن استهدافها الآن ليس بالأمر غير المبرر فحسب، بل عديم المعنى.

الدوافع الحقيقية… أبعد من القانون

إذا كان المبرر القانوني ضعيفًا، فإن الدوافع السياسية وراء محاولة تصنيف الإخوان واضحة وضوح الشمس.

أولًا، يمثّل القرار انتصارًا لرموز اليمين المتطرف المحيطين بترامب، أشخاص مثل سيباستيان غوركا، مدير مكافحة الإرهاب في البيت الأبيض صاحب الصلات الواسعة بحركات قومية متطرفة ونازية جديدة في أوروبا، ولورا لوومر، الناشطة اليمينية المعروفة بحملاتها الخاصة بـ الإسلاموفوبيا، ولطالما قدم هؤلاء الإخوان باعتبارهم جزءًا من “مؤامرة إسلامية عالمية”، وضغطوا بقوة لتصنيفهم بالمنظمة الإرهابية.

ثانيًا، دفعت الأنظمة الاستبدادية العربية، وتحديدًا مصر والسعودية والإمارات، مهندسو الثورة المضادة، واشنطن لسنوات نحو تجريم الإخوان، باعتبار الحركة خصمهم الاجتماعي والسياسي الأقوى، وليس من قبيل المصادفة أن يأتي القرار بعد أيام فقط من زيارة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان إلى البيت الأبيض.

ثالثًا، ترى دولة الاحتلال أن الحركات الإسلامية السياسية تمثل تهديدًا وجوديًا لها بسبب شعبيتها الواسعة في المجتمعات العربية و معارضتها لسياسات الاحتلال، لذا فإن تصنيفًا أمريكيًا للإخوان كمنظمة إرهابية يخدم مصالح دولة الاحتلال بإضعاف أحد أبرز خصومها الأيديولوجيين، وقد صدرت بالفعل تقارير من مراكز أبحاث مؤيدة للاحتلال تحث إدارة ترامب على اتخاذ هذا القرار.

إضافة إلى ذلك، تصاعدت جهود مجموعات ضغط أمريكية مؤيدة لدولة الاحتلال لربط الإخوان بمنظمات مدنية وخيرية إسلامية داخل الولايات المتحدة، خصوصًا تلك التي تقف ضد الإبادة التي يرتكبها جيش الاحتلال في غزة، وقد أصدر عدد منها تقارير تحرض الحكومات الاتحادية والولائية على استهداف المؤسسات الإسلامية تحت ذريعة مكافحة التطرف.

وكمثال صارخ على ذلك جاء قرار حاكم تكساس، غريغ أبوت، بتصنيف الإخوان ومجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية “كيانات إرهابية” داخل الولاية.

عواقب كارثية على الشرق الأوسط

على عكس ما تدّعيه إدارة ترامب، فإن تصنيف الإخوان كـ”منظمة إرهابية أجنبية” لن يعزز الأمن القومي الأمريكي، بل سيجرّ على واشنطن عواقب شديدة الخطورة.

فهذا القرار سيضع الولايات المتحدة في مواجهة مباشرة مع أوسع حركة إجتماعية إسلامية في العالم العربي والإسلامي، فالإخوان ليسوا مجرد جماعة دينية أو تنظيم سياسي؛ بل فكرة تمتلك ملايين المتعاطفين عبر الشرق الأوسط وخارجه.

وسيؤدي القرار كذلك إلى إضعاف الجهود الرامية إلى مكافحة التنظيمات الإرهابية الحقيقية مثل القاعدة وتنظيم الدولة، إذ إن ضرب الحركات الإسلامية المعتدلة التي رفضت العنف تاريخيًا سيمنح المتطرفين أكبر خدمة يمكن تخيّلها، لأن الولايات المتحدة، بمعاقبة التيار الذي ينبذ العنف، تمنح الشرعية ضمنيًا للتيار الذي يلجأ إليه.

ومن شأن ذلك أن يحوّل قرار ترامب إلى نبوءة تحقق ذاتها: فبدل أن يُضعف التطرف، قد يغذّيه مباشرة.

خطر دفع الشباب نحو التطرف

كما أن التصنيف قد يدفع بعض الشباب المحبطين نحو التطرف الفعلي، لأنه يؤكد السردية التي تقول إن العمل السلمي لا يجدي نفعًا، وأن واشنطن تستهدف الإسلام السياسي بكل أطيافه حتى الأكثر اعتدالًا.

ويزداد هذا الشعور حين يرى ملايين الشباب أن الولايات المتحدة تتعامل باحتفاء مع شخصيات مثل أحمد الشرع، الرئيس السوري الذي كان يتزعم هيئة تحرير الشام، وكانت وزارة الخارجية الأمريكية قد رصدت مكافأة بقيمة 10 ملايين دولار لقاء القبض عليه، قبل أن يُستقبل لاحقًا في البيت الأبيض.

إن مثل هذه الرسائل تخلق بيئة مثالية لتنامي التطرف: “إذا كان المعتدل يُجرَّم والمتطرف يُكرَّم، فما الجدوى من الاعتدال؟”.

تهديد مباشر لمجتمعات المسلمين في أمريكا

إن تصنيف الإخوان بالإرهاب سيعمّق كذلك فجوة الثقة بين المسلمين الأمريكيين والدولة، وسيُستخدم كذريعة لاستهداف مؤسساتهم المدنية والخيرية بذريعة “التطرف”، وسيؤدي ذلك إلى توتير سياسي حاد، لا سيما في الولايات المتأرجحة مثل ميشيغان وبنسلفانيا.

توتر مع حلفاء رئيسيين

ولن يقتصر الأمر على الداخل الأمريكي فحسب، بل سيهدد القرار العلاقات مع شركاء أساسيين مثل قطر وتركيا، وهما دولتان تستضيفان قادة بارزين من الإخوان في المنفى وتعدّان حليفين مركزيين في شبكة المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط.

مفارقة هائلة

المفارقة الكبرى أن جماعة الإخوان اليوم في أضعف حالاتها منذ عقود، فهي الآن مفككة تنظيميًا، محاصرة سياسيًا، تتعرض للقمع في معظم دول المنطقة، مقيدة اجتماعيًا إلى حد بعيد، وبالتالي، فإن تصنيف حركة منهكة و مشتتة على أنها “تهديد إرهابي عالمي” ليس بغير المنطقي فقط، بل انتحار استراتيجي.

خطوة ستُضعف أمريكا وتقوّي خصومها

إن ما يسعى إليه ترامب لن يضعف المتطرفين، بل سيمنحهم حافزاً جديداً، ولن يجعل الأمريكيين أكثر أمنًا، بل سيجعل الولايات المتحدة أقل أمانًا، ولن يجلب الاستقرار إلى الشرق الأوسط، بل سيسرّع تفككه.

باختصار، يمثل هذا القرار أحد أكثر الخيارات السياسية تهورًا وكلفة استراتيجية يمكن أن تتخذها واشنطن، وسيضر بمصالحها لسنوات طويلة قادمة.

للاطلاع على المقال الأصلي من (هنا)

مقالات ذات صلة