من منصة نيويورك إلى غزة: كيف تُهندس الخطابات التوراتية سياسة الاحتلال؟

بقلم ديفيد هيرست

ترجمة وتحرير نجاح خاطر 

لسنوات طويلة عرفتُ ميلاني فيليبس، وهي التي شغلت يومًا منصب المحررة لدي في مكتب الأخبار المحلية في صحيفة الغارديان. 

وقد يبدو ذلك غريبًا اليوم، غير أنها كانت في تلك المرحلة تجسّد صورة الليبرالي اللندني المتردّد، الممزق بين ما يمليه عليه قلبه وما يفرضه عليه العقل.

لم تكن فيليبس وحدها من انتقل من يسارٍ ليبراليّ هادئ إلى يمينٍ متطرّف منغمس في الإسلاموفوبيا، من صورة شبيهة بإيد ميليباند إلى مواقف أقرب لمايكل غوف، لكن خلافًا لآخرين يمكن تسميتهم، لم يرتبط هذا التحوّل لديها بالمصالح أو المكاسب المالية.

كانت فيليبس مقتنعة بأن هذا التحوّل يمكّنها من خدمة دولة الاحتلال و”قضيتها” على نحو أفضل، وهي قضية ترى اليوم أنها تحت التهديد الأكبر في تاريخها.

غير أن دولة الاحتلال التي تدافع عنها فيليبس اليوم ليست هي ذات الدولة التي كانت تتحدث عنها في الغارديان، الصحيفة التي لطالما احتضنت فيليبس وكانت تاريخيًا صحيفة ذات نزعة صهيونية واضحة.

فقد كان رئيس تحرير الغارديان الأبرز في مطلع القرن العشرين، سي بي سكوت، أول شخصية إعلامية كبرى تتبنّى الدعوة الصهيونية التي قادها حاييم وايزمن، في تحالف مهّد الطريق أمام صدور وعد بلفور عام 1917.

لكن فيليبس تجاوزت منذ زمن بعيد حدود “الصهيونية الليبرالية”، وقدّمت مؤخرًا خطابًا متحمّسًا خلال مؤتمر في نيويورك وقد عُنون خطابها بـ “الغضب في مواجهة الكراهية”.

ورغم أن الكراهية الحقيقية كانت تتدفّق من المنصّة ذاتها، إلا أنه يكن هناك أي دلالة أو إشارة على أن العنوان يحمل سخرية أو تهكّمًا.

فقد أعلنت فيليبس أنها جاءت لتكشف “حقائق أساسية” لكن مثل هذه الجملة غالبًا ما تكون مقدّمة لكارثة علاقات عامة، وهو ما حدث بالفعل، فخطابها تحوّل إلى عبء على كل من يدافع عن دولة الاحتلال.

الحرب الدينية

وعلى طريقة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أعلنت فيليبس أنه “لا وجود لفلسطين ولا للفلسطينيين”، فبحسب زعمها، “اليهود وحدهم هم السكان الأصليون” و”وحدهم أصحاب الحق التاريخي والقانوني والأخلاقي في الأرض”.

ومع أن ناشطين في بريطانيا يُعتقلون اليوم بسبب هتاف “من النهر إلى البحر” باعتباره شعارًا مؤيدًا لحماس، فإن فيليبس منحت محامي الدفاع عنهم هدية ثمينة، لأنها تقول صراحة إن “الأرض من النهر إلى البحر” أرض يهودية بالكامل، وهي تعلم، وإن كانت النيابة العامة لا تعلم، أن هذا الشعار كان سياسة رسمية لحزب الليكود منذ عام 1977.

تطرح فيليبس صراعًا كان جوهره الأرض والحقوق الوطنية، وتحوّله إلى حرب دينية شاملة، لا مع الفلسطينيين وحدهم، بل مع مليارَي مسلم حول العالم.

ذلك أن فكرة “التفوق اليهودي” بالنسبة إليها أكبر من الجغرافيا والسياسة، بل تتجاوز حدود الدين ذاته، فقد وصفت المسيحية بأنها “طائفة يهودية خرجت قليلًا عن السيطرة”، وسط ضحكات جمهورها، وذهبت إلى أن “القيم الأساسية للغرب كلها يهودية المنشأ”.

أما الإسلام، فأطلقت عليه وصف “عبادة الموت”، مدعية: “حين يتبنّى الغرب لغة القضية الفلسطينية ومنطقها المقلوب، فإنه يتبنّى أجندة فنائه على يد الإسلام، هذه رغبة غربية بالموت، ومن لديه رغبة في الموت لا يستطيع أن يحارب عبادة للموت”.

ومن ثم، فإن سبعة ملايين يهودي في دولة الاحتلال، في مواجهة 450 مليون عربي و92 مليون إيراني، لا يشكّلون بالنسبة لفيليبس صراعًا كافيًا، فهي مثل وزراء اليمين المتطرف في حكومة الاحتلال إيتمار بن غفير وبِتسلئيل سموتريتش تريد تحويل الصراع من صراع على الأرض إلى صراع ديني وجودي.

الحقيقة الوحيدة

لكن الحادثة التي فجّرت المشهد كانت عندما وجّهت فيليبس سهامها إلى اليهود في الشتات، حيث إن قيامها بنسف الحبل السري الذي تعتمد عليه دولة الاحتلال في بقائها ودعمها هو تطوّر مذهل، حتى بالنسبة لها.

ذكّرت فيليبس يهود الشتات بأن “ولاءهم الأول” يجب أن يكون لدولة الاحتلال، وقالت إنهم ليسوا “أمريكيين أو بريطانيين يعتنقون اليهودية فحسب، بل جزء من الأمة اليهودية” وأن هذا الانتماء يجب أن يسبق كل شيء آخر.

ورأت أن يهود الشتات “ليّنون أكثر من اللازم” و”ميّالون إلى الاسترضاء” و”خائفون من الرأي العام العالمي” و”تلموديون أكثر من اللازم” وهو وصف فسّرته بأنها تعني “الدفاعية المفرطة”.

أما دولة الاحتلال، فلم يعد مقبولًا برأيها أن “تقصّ العشب” وهو التعبير الذي يستخدمه قادة الاحتلال للتدليل على حروب متكررة تقتل عشرات آلاف المدنيين الفلسطينيين، بل يجب “حرث الأرض” بالكامل.

ودعت فيليبس اليهود إلى “شنّ هجوم مضاد” وإلى استعادة التوراة العبرية (التاناخ) المليئة كما قالت “بقِصص اليهود القدماء الذين خاضوا المعارك الحقيقية وقتلوا الأعداء الحقيقيين”.

واعتبرت أن الحرب على غزة تمثل “بعثًا جديدًا لليهودي التناخي” و”عودة المحارب الداوديّ البطل” كما قالت بانتصار ظاهر. وعلى هذا فإن ما تصفه دولة الاحتلال بـ “الحرب الدفاعية المشروعة” بعد عملية حماس في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 لم يكن سوى تجسيد لنبوءة توراتية تعود إلى آلاف السنين.

وبكلمات أخرى، لم تعد الصهيونية تقدم نفسها كحركة قومية علمانية تدّعي السعي إلى الأمن أو السلام، بل كمشروع ديني توسعي يرى في المجازر والدمار جزءًا من مسار تحقيق “وعد إلهي”.

إن فيليبس، وهي تزيح آخر ورقة توت عن الهدف الحقيقي للصهيونية، تكشف “حقيقة” واحدة بات من الصعب على أي طرف إنكارها:
أن دولة الاحتلال باتت وستبقى في حالة حرب دائمة، وهذا تحديدًا هو الخطاب الذي يريد الفلسطينيون أن يسمعه أهل نيويورك.

هدن زائفة

لطالما غذّى الليبراليون الغربيون أنفسهم بأسطورة أنه يمكن لدولة الاحتلال أن تعيش بسلام لو وجدت “فلسطينيين معتدلين” للتفاوض معهم.
لكن هؤلاء الليبراليين الغربيين يُبلَّغون الآن بالعكس تمامًا: فقد باتت دولة الاحتلال تقول صراحة إن “مصيرها التوراتي” هو استعادة أرض “تتجاوز حدودها الحالية”، لأن “كامل الأرض ملك لها وممنوح لها بقرار إلهي”.

مثل هذه الرسائل أفقدت الاحتلال الدعم داخل الحزب الديمقراطي الأمريكي، كما تشكّل تهديدًا أكبر لدى الجناح “الانعزالي المسيحي” في قاعدة دونالد ترامب.

هؤلاء لا يكنّون أي تعاطف مع الفلسطينيين، لكنهم يدركون تمامًا وبوضوح شديد أن دولة احتلال تعيش في حرب دائمة، الأمر الذي يعني ببساطة أن الولايات المتحدة ستعيش هي أيضًا في حرب دائمة.

ويعني هذا كذلك وجود قوات أمريكية عالقة لعقود في الشرق الأوسط، وتدفّقًا لا ينتهي للجنود والموارد والدماء.

ومع خطابات من هذا النوع من فيليبس وأمثالها فسينهار ما تبقى من تأييد الاحتلال بين اليهود في الولايات المتحدة، وهم الذين يشهدون اليوم تراجعًا تاريخيًا في منسوب التعاطف مع دولة الاحتلال، ولهذا فإنني أشجعها على الاستمرار في الكلام.

ففكرة “دولة احتلال في حرب دائمة” ليست جديدة بالنسبة للفلسطينيين واللبنانيين والسوريين، هؤلاء عاشوا الأمر يوميًا، حتى خلال ما يسمى “اتفاق وقف إطلاق النار”.

وإلى اليوم، استشهد أكثر من 300 فلسطيني في نحو 500 خرق موثق لاتفاق وقف إطلاق النار في غزة، وهذا يكرر تمامًا النمط الذي شهدته “الهدنة” في لبنان.

لقد انسحبت المقاومة اللبنانية من جنوب الليطاني، لكن دولة الاحتلال رفضت الانسحاب من مواقعها وواصلت قصف البلاد، ما أدى إلى استشهاد أكثر من 300 شخص وإصابة أكثر من 900 خلال العام الماضي، بحسب وزارة الصحة اللبنانية.

ولا تتراجع دولة الاحتلال عن توسيع مطالبها، فقد عادت الأحد الماضي إلى سياسة اغتيال قادة الصف الأول في حزب الله، عندما اغتالت هيثم علي طباطبائي، رئيس أركان الحزب، في غارة على بيروت هدفها الواضح جرّ الحزب إلى ردٍّ مباشر.

ورغم ذلك، يُصرّ الإعلام الغربي على تسمية هذا الوضع “هدنة”، فالهدنة في عرفهم قائمة ما دام الفلسطينيون وحزب الله لا يردّون، أما اللحظة التي يردّون فيها، فسيعلن الإعلام الغربي، بصوت واحد: “المقاومة هي من كسرت الهدنة”.

غزو غير مبرر

في جنوب سوريا، حيث استولت دولة الاحتلال على أراضٍ تعادل مساحة قطاع غزة تقريبًا من دون أن تُطلق أي جماعة مسلّحة رصاصة واحدة عبر الحدود قام رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو بجولة “نصر” علنية، برفقة عدد من وزرائه.

لقد أنهى ظهوره على أرضٍ سوريةٍ سياديّةٍ فعليًا ما تبقى من محادثات بينه وبين الحكومة السورية الجديدة، وهي محادثات كانت ميتة سريريًا أصلًا.

وبحسب مصادر قريبة من تلك المفاوضات، فإن مطالب دولة الاحتلال لم تتوقف عند “ممر آمن” إلى محافظة السويداء، بل شملت أيضًا حقًّا دائمًا وغير مقيّد لوصول جيش الاحتلال إلى المناطق الكردية في الشمال، وحقًّا مطلقًا في تفتيش ومراجعة جميع الأسلحة التي يمكن أن تحصل عليها دمشق مستقبلًا.

لقد كانت هذه المطالب وحدها كفيلة بنسف أي حوار سياسي، وما لم تدركه حكومة الاحتلال هو أن إيران ولا أي فصيل من فصائل المقاومة يعتبر نفسه مهزومًا. صحيح أن الاحتلال نجح في اغتيال قادتهم في أكثر من مناسبة، لكن تلك الضربات تُصنَّف لدى هذه الأطراف كضربات “تكتيكية” لا تغيّر طبيعة الصراع، والدليل أن الجميع يعيد بناء قوته بسرعة مذهلة.

أما حركة حماس المصنفة “منظمة محظورة” في بريطانيا فقد ازدادت شعبيتها إقليميًا بصورة غير مسبوقة، هذا الواقع هو الذي يفسّر لماذا تزداد شعبية حماس، ولماذا باتت تحظى بدعم إقليمي لم تكن تمتلكه يومًا.

فوفق استطلاع حديث لمركز الدراسات الفلسطينية، فإن انتخابات تشريعية افتراضية قد تمنح حماس 44% من الأصوات مقابل 30% لفتح، فيما أبدى 70% من المستطلعين رفضًا قاطعًا لنزع سلاح الحركة.

لقد استوعب الجيل الجديد من المقاومة دروس نكبة 1948 ونكسة 1967، كما استوعب درس حصار ياسر عرفات في بيروت وإخراجه المذل عام 1982.

قرار بلا مضمون

وتبدو المرحلة الثانية من “اتفاق وقف إطلاق النار” في غزة بعد أن سلّمت حماس جميع الأسرى الأحياء والجثامين متعثرة بالقدر نفسه الذي اتسمت به المرحلة الأولى.

فلا دولة عربية ولا دولة مسلمة وافقت على إرسال قوات ضمن “القوة الدولية المقترحة” في غزة من دون تفويض واضح، أو مسار سياسي يقود إلى دولة فلسطينية.

وأذربيجان رفضت المشاركة ما لم تشارك تركيا، أما الملك عبدالله الثاني فقد أعلن موقفًا قاطعًا: “إذا كان المقصود أن نجري دوريات مسلحة في غزة، فهذا ليس دورًا تقبل به أي دولة”، لقد قالها في مقابلة مع الـ بي بي سي وقد قدمت الإمارات ومصر وإندونيسيا الموقف ذاته.

ومع ابتعاد الخيارات العربية والإسلامية، بدأ مبعوثا واشنطن جاريد كوشنر وستيف ويتكوف البحث في الشرق الأقصى، وصولًا إلى سنغافورة التي فوجئت أساسًا بالطلب الأمريكي.

وليس الوضع أفضل في مسألة تشكيل “مجلس السلام”، فلا أحد يعرف من هم أعضاؤه، ولا من سيمول أعماله، ولا أي حكومة فلسطينية ستتسلم السلطة، ولا توجد خطوة واحدة واضحة نحو تشكيل مثل هذه الحكومة أصلًا.

وبذلك تبدو القرارات الأممية الأخيرة بشأن غزة فارغة تمامًا من أي مضمون وربما أكثر القرارات خواءً في تاريخ مجلس الأمن فيما يتعلق بفلسطين.

وإذا كان هذا هو “السلام” فهو سلام لا يمكن أن يستمر، فنتنياهو وبدافع حسابات انتخابية داخلية قبل أي شيء سيعود عاجلًا أو آجلًا إلى تنفيذ تهديده بـ “استكمال المهمة” بعد عامين من حرب عجز خلالها عن تحقيق أي من وعوده.

التهديد يمتد إلى المنطقة

في الحرب الأخيرة التي اندلعت عقب الهجوم المشترك للاحتلال وواشنطن على إيران في يونيو/حزيران الماضي، التزمت طهران كما وصفت هي “الدفاع” خلال الأيام الـ12 الأولى، لكن أي حرب مقبلة ستكون مختلفة تمامًا.

فإيران مستعدة للردّ الهجومي، خصوصًا ضد الدول التي ترى أنها سمحت باستخدام أراضيها كمنصّات للمسيّرات الاستخبارية والطلعات الجوية ومنها أذربيجان شمالًا، والإمارات عبر الخليج جنوبًا.

وقال مصدر رفيع مطّلع على تفكير طهران: “عندما تبدأ دولة الاحتلال الجولة المقبلة، ستردّ إيران، لكن هذه المرة، سيتمدّد الرد ليشمل الخليج والمنطقة، الإمارات وأذربيجان، اللتان تخونان المنطقة ستدفعان ثمنًا باهظًا”، وهذا التهديد ليس نظريًا، والإماراتيون يدركون ذلك أكثر من غيرهم.

وإذا كانت هذه الترتيبات تُسمّى “سلامًا” فهو سلامٌ لا يمكن أن يصمد طويلًا، فنتنياهو المأزوم سياسيًا يحتاج إلى “إنجاز” ليقدّمه لجمهوره، وهو لم يحقق شيئًا خلال عامين من الحرب، وبالتالي، لن يمر وقت طويل قبل أن يعود إلى تنفيذ وعده بـ “إنهاء المهمة”.

وحين يفعل ذلك، ستكون ميلاني فيليبس التي تفرح بسفك الدماء كما ظهر في خطابها أول المبتهجين.

فخطابها السافر في عدائه للمسلمين والعرب لن يمنعها من الظهور المتكرر على شاشة الـ بي بي سي  سواء في “مورننغ ميز” أو “كويستشن تايم” ولن يجرؤ أحد هناك على مواجهتها أو تحدي خطابها المحمّل بالكراهية.

فيليبس محقّة في شيء واحد فقط: الغرب، ومعه الـ بي بي سي يغرق، لكن السبب ليس الإسلام، كما تزعم، بل تسامحه المَرضي مع أصوات تحرّض على الكراهية والتوسع والاستعمار مثل صوتها.

للإطلاع على النص الأصلي من (هنا)

مقالات ذات صلة