بقلم مها الحسيني
ترجمة وتحرير نجاح خاطر
لم أكن يوماً من هواة الفيزياء، لسنوات طويلة، عجزت عن استيعاب فكرة نسبية الزمن: كيف يمكن له أن يتمدد أو ينكمش تبعاً للحركة والجاذبية، لكن في حياة الفلسطينيين، هناك دائماً انعطافة غير متوقعة.
مع نهاية عام 2025، بات بإمكاني أن أشرح، بوضوح مقلق، كيف يتغيّر معنى الزمن باختلاف الجغرافيا؛ وكيف يمكن لعقود كاملة أن تختزل داخل عام واحد في بعض بقاع هذا العالم.
والأدهى من ذلك أنني اختبرت، فعلياً، معنى السفر عبر الزمن: أكثر من سبعين عاماً إلى الماضي، ثم قفزات طويلة إلى الأمام، نحو مستقبل لم يكتمل بعد.
كعربة أفعوانية تغادر محطتها ببطء، بدأ العام بهدوء خادع، كنت ممددة على فراش رقيق في زاوية غرفة نزوح في دير البلح، وسط قطاع غزة، كانت الساعة تشير إلى 23:59 ، دقيقة واحدة تفصلنا عن عام 2025، دقيقة قد تتسع لعشرات الغارات الجوية، كنت أعلم أنني قد لا أعيش لأشهد الدقيقة الأولى من العام الجديد.
تعلّقت بالأمل بينما كانت أصابعي تحوم فوق شاشة هاتفي، أتنقّل بين تطبيقات الأخبار بحثاً عن أي تطور بشأن وقف محتمل لإطلاق النار، ومن بين كل النقاط المتداولة حول الاتفاق، لم تكن عيناي تبحثان إلا عن كلمة واحدة: “العودة”.
لم يكن لأي وقفٍ لإطلاق النار لِيعَني نهاية فعلية للإبادة إذا لم يضمن حق أكثر من مليون فلسطيني شُرّدوا قسراً في العودة إلى شمال غزة.
العودة إلى البيت
استغرق الأمل 27 يوماً ليتحوّل إلى حقيقة، في لحظة لم أتصور أنني سأعيش لأشهدها، سُمح أخيراً للنازحين الفلسطينيين بالعودة إلى شمال قطاع غزة.
وحين فتحت دولة الاحتلال شارع الرشيد، الطريق الذي قُتل عليه مئات الفلسطينيين سابقاً لمحاولتهم العبور إلى الشمال، اندفعت مع زملائي لتوثيق المشهد.
اعتليت سطح عربة بثّ تلفزيوني، محاوِلةً تأطير حجم ما يجري: حشود هائلة تسير على الأقدام، تحمل ما تبقّى من حياتها، وتتجه نحو بيوت قد لا تكون قائمة بعد الآن.
وأثناء توثيقي لهذه اللحظات، شعرت بتحوّل داخلي عميق، فلم اتخيل نفسي فقط بصورة جدّتي اللاجئة والعائدة لمنزلها بعد شهور طويلة من النزوح القسري، بل وجدت نفسي أيضاً في صورة حفيدة مستقبلية، تسير أخيراً نحو مدينتنا الأصلية: القدس.
لطالما تخيّلت هذا المشهد حين كان أجدادنا يتحدثون عن حق العودة إلى البيوت والقرى التي طُردوا منها في فلسطين التاريخية.
وخلال تغطيتي هذه الأحداث بالكاميرا، حاولت جاهدة إخفاء ابتسامتي، ساعيةً للتماهي مع حالة “الحياد” التي يتوقعها العالم من الصحفي المحلي؛ في صورة تنكر هويته ووجع تجربته، حتى وهو يروي الاعتداءات التي شكّلت حياته.
لكنني لم أعد إلى مدينة غزة إلا بعد ثلاثة أسابيع، بينما كنا نكافح لتأمين مأوى مؤقت وترميم منزلنا ، الذي نجا، على نحو يشبه المعجزة.
في أواخر فبراير/شباط، انتقلت إلى ملجئي الرابع، هذه المرة في مدينة غزة، غير أن لحظة العودة، التي بدأت تترسخ كواقع، لم تلبث أن انقلبت رأساً على عقب.
حملة التجويع
مع مطلع مارس/آذار، أعادت دولة الاحتلال فرض حصار شامل على غزة، معلنة بداية مرحلة جديدة من التجويع، وبعد أسبوعين فقط، نُقض وقف إطلاق النار، واستؤنفت حرب الإبادة.
وعلى مدار الأشهر الستة التالية، تعلّمت، عن قرب، كيف فقد المال قيمته تماماً، ظلّت النقود ساكنة في محفظتي، بينما كنت أجوب الشوارع تحت القصف، أبحث عبثاً عن كيس واحد من طحين القمح، مستعدة لدفع أي ثمن.
عاد الناس إلى المقايضة، يتبادلون ما لديهم بدلاً من الشراء، ومع بحثنا عن مأوى من قصف جيش الاحتلال، لم يكن هناك مهرب من الجوع، واجهناه في صورته الأكثر قسوة.
منهكة، خاوية، أتشوّق لطبق واحد من طعام “طبيعي”، اضطررنا، نحن الصحفيين المحليين في غزة، إلى تعليق معاناتنا الخاصة، وتغطية المجاعة ببرود مهني مصطنع، فيما كانت كل وخزة جوع تذكّرنا بأننا نعيش ما نرويه.
في يونيو/حزيران، عدت إلى منزلي المتضرر، إن كان الموت قادماً، جوعاً أو قصفاً، أردته أن يجدني في بيتي.
على مدى الشهرين التاليين، وقبل أن تبدأ المساعدات بالتدفّق مجدداً، بلغ الجوع ذروته، كنت أسأل من أقابلهم في مقابلاتي: “كيف تبقون على قيد الحياة؟”، إذ لم يكن السؤال مجرد مدخل لحوار صحفي، بل محاولة يائسة لالتقاط أفكار للبقاء.
تعلّمت من تلك الحوارات كيف يمكن صنع خبز من المعكرونة، وكيف يمكن لطبق بسيط من “فتّة الشاي”، وهو خبز منقوع في الشاي، أن يخمد الجوع مؤقتاً، مانحاً الجسد قوة تكفي ليوم آخر.
لكن مع بداية أغسطس/آب، وما إن بدأت بعض المواد الغذائية بالظهور مجدداً في الأسواق، حتى صدرت أوامر تهجير جماعية جديدة لسكان مدينة غزة وشمال القطاع.
“حتى اللحظة الأخيرة”
ومع وصول أوامر النزوح بشكل شبه يومي، واتصالات جيش الاحتلال التي تطالبنا بإخلاء بيوتنا، تمسكنا بأمل هشّ: أن نبقى، ولو ليوم إضافي، فيما تبقّى من منازلنا.
تلاشت عبارة “كيف حالك؟” من الأحاديث اليومية، وحلّت محلها أسئلة أخرى: “هل لديك مكان تذهب إليه؟” أو “إلى متى ستبقى؟”، وكان الجواب الأكثر شيوعاً: “حتى اللحظة الأخيرة”.
لم يكن أحد يعلم متى تأتي تلك اللحظة، أو إن كانت قد مرّت بالفعل، ومع ذلك، انتشرت العبارة على وسائل التواصل الاجتماعي بلا شرح أو سياق، مفهومة فقط لمن يعيشها.
بالنسبة لي، جاءت “اللحظة الأخيرة” حين اقتربت روبوتات دولة الاحتلال المحمّلة بالمتفجرات، تلك الروبوتات القادرة على تسوية عشرات المباني دفعة واحدة ، إلى مسافة مئات الأمتار من منزلي.
ففي 17 سبتمبر/أيلول، حزمت أخيراً ما قاومت جمعه لأسابيع، أخذت قطتي، ونبتة الريحان التي اشتريتها بعد عودتي الأولى إلى البيت، وغادرت.
لم أخرج من مدينة غزة بالكامل، بل انتقلت إلى مركزها، كان ذلك، بحد ذاته، فعلاً من أفعال المقاومة، وللمرة الأولى منذ بدء الإبادة، راودتني رغبة صامتة: أن أموت في مدينتي، لا أن أُدفَع مجدداً إلى متاهة النزوح.
بوصفي حفيدة لاجئين فلسطينيين، نشأت وأنا أستمع إلى حزن عائلتي على مغادرة القدس، حيث خيّم ذلك الفقد على بيتنا، وسكنني مع الوقت، أعتقد أنه أصبح جزءاً مني قبل ولادتي: ألم الطرد من أرض لم أرها، لكنها كانت دائماً لي.
كصحفية، استمعت إلى أصوات مسنين فلسطينيين ترتجف وهي تكرر رجاءً واحداً، بدأتُ أُردده في داخلي: أن نُدفن تحت أنقاض بيوتنا، لا أن نتركها للمحتلين.
استعادة الكرامة
هذه المرة، مال ميزان الاختيار للحظات، وذلك لصالحنا بالبقاء ورفض نزوح قسري جديد، شعرت بأنني أستعيد، ولو جزئياً، ما خسره أجدادنا عام 1948: جزءاً من البيت، ومن الكرامة، ومن حق البقاء.
دام هذا الوهم ثمانية أيام مرعبة، شاهدت المدينة تُفرغ من سكانها تحت قصف غير مسبوق ومجازر متتالية، سُوّيت مبانٍ سكنية كاملة بالأرض فوق من فيها، فيما واجه من رفضوا الإخلاء سيلاً لا يُحتمل من القصف المتواصل.
ومن نوافذ الشقة التي احتميت بها في قلب المدينة، رأيت الدخان يتصاعد من كل الجهات، وفي فترات الصمت القصيرة بين الانفجارات، عاد إليّ إدراك واحد بوضوح حاد: الموت سهل، أما البقاء تحت عين المحتل، ومنح صوتاً لمن يُراد لهم الصمت، فهو المعركة الحقيقية.
حين دخلت منزلي للمرة الثانية في عام واحد، أدركت أخيراً مقياس الزمن في غزة، هنا، يمكن لعمرٍ كامل أن يُختزل في عام واحد، حين تعيش النزوح والعودة، الجوع والشبع، النجاة وألف موت بينهما، ومع ذلك، يبقى لديك لحظة إضافية للتشبث، لتوثيق كل ذلك في قصة، وهذا الفعل، بحد ذاته، انتصار صغير، ما دمتَ قادراً على تسجيله قبل أن ينجحوا في إسكاتك.
للاطلاع على المقال الأصلي من (هنا)







