نزعت سلطات الاحتلال صلاحيات التخطيط والبناء في المسجد الإبراهيمي بمدينة الخليل من الجهات الفلسطينية، في خطوة وُصفت بأنها تقويض مباشر للإدارة الإسلامية للموقع ومساس خطير بالوضع القائم فيه.
وأعلنت ما تُسمّى “الإدارة المدنية” التابعة لدولة الاحتلال، وهي هيئة عسكرية تشرف على شؤون الضفة الغربية المحتلة، أنها نقلت صلاحيات التخطيط من بلدية الخليل التابعة للسلطة الفلسطينية إلى “المجلس الأعلى للتخطيط” الخاضع للإدارة المدنية في قرار أثار موجة تنديد فلسطينية واسعة.
وتبع هذا القرار منح موافقة على إقامة سقف فوق الساحة الداخلية للمسجد، رغم المعارضة الفلسطينية الشديدة، وهو ما اعتُبر خطوة تمهيدية لفرض وقائع جديدة داخل أحد أقدس المواقع الإسلامية في فلسطين.
وأدانت بلدية الخليل الإجراء واعتبرته “انتهاكاً خطيراً وغير قانوني”، مؤكدة أنه يأتي في إطار هجوم ممنهج يستهدف الوضع القائم في المسجد الإبراهيمي وصلاحيات المؤسسات الفلسطينية المكلفة بإدارته.
وقالت البلدية في بيان أن “ما جرى يشكل خرقاً واضحاً للقانون الدولي والاتفاقيات القائمة”، متهمة دولة الاحتلال بسلب المؤسسات الفلسطينية حقوقها في التخطيط والبناء لصالح الإدارة المدنية العسكرية.
من جانبها، أدانت حركة حماس الخطوة بشدة، ووصفتها بأنها جزء من أجندة “تهويد” خطيرة تهدف إلى محو الهوية الفلسطينية في الخليل واستبدالها بهوية يهودية.
وقالت الحركة في بيان أن “حكومة الاحتلال تسعى إلى تقويض هوية المسجد الإبراهيمي، وكذلك الهوية العربية والإسلامية لمدينة الخليل، في إطار جهودها الأوسع للسيطرة على الأرض والمقدسات الفلسطينية”.
كما أشارت بلدية الخليل إلى أن هذه الإجراءات تنتهك قرار منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو) القاضي بإدراج المسجد الإبراهيمي والبلدة القديمة في الخليل على قائمة التراث العالمي المهدد بالخطر.
وأوضح محامون تقدموا بالتماس إلى المحكمة العليا لدى دولة الاحتلال اعتراضاً على القرار، أن جميع الإجراءات المتعلقة بالمسجد الإبراهيمي، بما في ذلك منح تصاريح البناء أو مصادرة الممتلكات، تفتقر إلى أي أساس قانوني.
مخاوف من مخطط استيلاء كامل
ويُعد المسجد الإبراهيمي موقعاً مقدساً لدى المسلمين وفيه مقام النبي إبراهيم، عليه السلام، ويدعي الاحتلال أنه ذو قدسية لدى اليهود .
وفي عام 1994، ارتكب مستوطن محتل مسلح يُدعى باروخ غولدشتاين مجزرة داخل المسجد خلال شهر رمضان، حين أطلق النار على المصلين المسلمين، ما أسفر عن استشهاد 29 مصلياً فلسطينياً وإصابة أكثر من 120 آخرين.
وعقب المجزرة، فُرض تقسيم للسيطرة على المسجد بين الفلسطينيين والاحتلال بموجب اتفاق عام 1997، وهو ترتيب أدى لاحقاً إلى اقتحامات متكررة من قبل المستوطنين وتعزيز سيطرة الاحتلال على المسجد ومدينة الخليل عموماً.
وبموجب ذلك الاتفاق، كانت إدارة المسجد من اختصاص دائرة الأوقاف الإسلامية وبلدية الخليل، بما في ذلك الإشراف على أعمال البناء والترميم.
إلا أن القرار الأخير يسلب هذه الجهات صلاحياتها، ما أثار مخاوف جدية من توجه دولة الاحتلال نحو فرض سيطرة كاملة على المسجد.
وتأتي هذه الخطوة في سياق استراتيجية أوسع تهدف، بحسب مراقبين، إلى نقل إدارة المسجد تدريجياً إلى أيدي الاحتلال.
وكانت وسائل إعلام عبرية قد أفادت في يوليو/تموز الماضي بوجود مخطط لنزع صلاحيات بلدية الخليل عن الموقع التاريخي وتسليمها للمجلس الديني في مستوطنة “كريات أربع” المقامة على أراضي الخليل.
ورغم أن دائرة الأوقاف الإسلامية أكدت أنها لم تتلقَّ إخطاراً رسمياً، فإنها حذرت من أن أي خطوة من هذا النوع ستشكل “اعتداءً سافراً وخطيراً” على موقع ذي أهمية “دينية وتاريخية وأثرية” بالغة.
وقال معتز أبو سنينة، مدير المسجد الإبراهيمي، إن هذه التسريبات قد تكون بمثابة اختبار لقياس ردود الفعل الفلسطينية قبل الإقدام على خطوات رسمية.
وفي نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، أبلغت سلطات الاحتلال بلدية الخليل بنيتها مصادرة الساحة الداخلية للمسجد، عبر تعليق قرار المصادرة على جدرانه.
ومنذ بدء الحرب على غزة عام 2023، تصاعدت القيود والانتهاكات بحق الفلسطينيين في المسجد الإبراهيمي، بما في ذلك منع رفع الأذان مرات متكررة، وإغلاق مداخل بوجه المصلين المسلمين، وتنفيذ اقتحامات من قبل المستوطنين، ومصادرة مفاتيح غرف وساحات، وإجراء تفتيشات مهينة، إلى جانب التضييق على سكان المنطقة المحيطة.
كما يتعرض موظفو بلدية الخليل بشكل متكرر للمضايقة والمنع من الدخول إلى الموقع من قبل جنود الاحتلال أثناء محاولتهم القيام بأعمالهم داخل المسجد.







