بقلم: آزاد عيسى
ترجمة وتحرير نجاح خاطر
نادراً ما تشهد العلاقات الدولية أفعالاً يمكن وصفها بوضوح ودون أي لبس بأنها غير قانونية كما حدث في عطلة نهاية الأسبوع الماضي.
فبعد الغارة التي نفذت فيها الولايات المتحدة ضربات عسكرية على كراكاس، أسفرت عن مقتل عشرات المدنيين، واختطاف رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو، اتجهت الأنظار إلى كيفية تعاطي العالم مع جريمة بهذا الحجم.
وفي عالمٍ لا يزال يغلي تحت وطأة الإبادة الجماعية في غزة والسودان، من ذا الذي يستطيع أن يمرّر جبهةً جديدة من زعزعة الاستقرار العالمي من دون احتجاج؟
لم يكن شجب العدوان الأمريكي على فنزويلا نادراً، ولا سيما خارج العالم الغربي، فقد أصدرت دول كولومبيا والبرازيل وتشيلي والمكسيك والأرغواي في أمريكا اللاتينية بياناً مشتركاً وانضمت إليه، على نحو لافت، إسبانيا، وإلى جانب هذه الإدانات القوية برزت إدانات صارمة من مصدر غير متوقّع: القارة الأفريقية.
فقد قالت حكومة جنوب أفريقيا، في بيان صدر في 5 يناير/كانون الثاني، إن “التاريخ أثبت مراراً أن الغزوات العسكرية ضد الدول ذات السيادة لا تنتج سوى عدم الاستقرار وتفاقم الأزمات”، مضيفة أن “الاستخدام غير القانوني والأحادي للقوة يقوّض استقرار النظام الدولي”.
وبالمثل، أعلنت وزارة العلاقات الدولية والتجارة في ناميبيا أنها “تلقت بصدمة كبيرة” نبأ “اختطاف” مادورو وزوجته على يد الحكومة الأميركية، ووصفت ذلك بأنه “انتهاك لسيادة فنزويلا والقانون الدولي”، مؤكدة على “صداقتها وتضامنها وتعاونها الراسخ مع فنزويلا، استناداً إلى تاريخ مشترك من النضال المناهض للاستعمار من أجل تقرير المصير والاستقلال”.
كما أصدرت بوركينا فاسو وتشاد وغانا إدانات لاذعة لأفعال واشنطن، وحتى الاتحاد الأفريقي بدا وكأنه استيقظ من سبات عميق ليعلن أنه “يتابع بقلق بالغ التطورات الأخيرة في جمهورية فنزويلا البوليفارية، بما في ذلك التقارير عن اختطاف رئيس الجمهورية نيكولاس مادورو، والهجمات العسكرية على المؤسسات الفنزويلية”.
وعند مقارنة هذه المواقف بتصريحات الحكومات الغربية، يبرز الفارق بوضوح، إذ قال رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إنه يفضّل التحدث إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب قبل إصدار حكم، ودعت وزارة الخارجية الألمانية “جميع الأطراف إلى تجنب التصعيد”، رغم أن المعتدي كان واضحاً، أما ردود بقية الدول الغربية فجاءت فاترة على نحوٍ مُحرِج.
وكانت هناك مواقف أخرى، مثل المجر، التي حذت حذو دولة الاحتلال في الترحيب باختطاف مادورو على يد القوات الأميركية.
لماذا تعد هذه الإدانات مهمة؟
من حيث المبدأ، لن تغيّر إدانات عدد من الدول الأفريقية مسار الأحداث في فنزويلا، ولن تقلب موازين القوى العالمية.
كما أنها لن تُسقِط منظومات التمويل العالمي، ولن توقف الاستخراج القسري للموارد أو الاستغلال الاقتصادي الجاري على أراضي تلك الدول نفسها، ولا يُقصد بهذه البيانات الإيحاء بأن هذه الدول نماذج مثالية أو أنها من حَمَلة لواء الفضيلة الأخلاقية.
لكن هذه الإدانات تشير إلى تآكل السلطة الغربية، وإلى قلق أعمق من أن تتحول مثل هذه السوابق إلى أعراف دولية، وقد بدأ الحديث بالفعل عن إيران وجرينلاند بوصفهما “الهدف التالي”.
وفي أفريقيا، لدى ترامب 54 دولة للاختيار من بينها أو 55 إذا أُدرجت أرض الصومال في المعادلة.
وفي سياق يتّسم بتراجع التعددية، واتساع فجوات القوة القائمة على التفوق الاقتصادي والعسكري، حيث تتعرض الدول الأفريقية لضغوط المانحين، وشروط المساعدات، والابتزاز الدبلوماسي، تصبح لفعل الإدانة السياسية دلالة خاصة.
إذ أن مواجهة الولايات المتحدة علناً ولا سيما في عهد ترامب قد تجلب عواقب اقتصادية وسياسية قاسية.
وقبل وقت طويل من الإطاحة بمادورو بذريعة “رقصه العلني”، وُجّهت إلى جنوب أفريقيا اتهامات بالاصطفاف مع “حماس”، ثم تعرّضت لحملة تشويه سخيفة تزعم ارتكاب “إبادة للبيض”، عقب لجوئها إلى محكمة العدل الدولية ضد دولة الاحتلال.
وبالتوازي مع محاولات نزع الشرعية عن بريتوريا، فرضت واشنطن رسوماً جمركية بنسبة 30% على البلاد، واستبعدت مشاركتها في قمة مجموعة العشرين المقرر عقدها في الولايات المتحدة لاحقاً هذا العام.
وفي ضوء ما شهدناه خلال الإبادة في غزة، فإنه ليس من الصعب تخيّل تصعيد الإمبراطورية الأميركية لإجراءات عقابية مماثلة ضد دولة مثل جنوب أفريقيا، سواء عبر عقوبات اقتصادية شاملة، أو اغتيالات سياسية، أو حتى محاولات هندسة تمرد حكومي.
ومؤخراً، وسّعت إدارة ترامب حظر السفر ليشمل 39 دولة، بينها مالي وبوركينا فاسو، في خطوة اعتباطية إلى حد بعيد، استخدمت عبرها أداة إضافية من أدوات التهميش والعقاب.
وفي يوليو/تموز الماضي، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على المقررة الخاصة للأمم المتحدة فرانشيسكا ألبانيزي بعد دعوتها المحكمة الجنائية الدولية إلى التحقيق مع شركات أميركية متورطة في إبادة دولة الاحتلال، وبذلك أصبحت أول خبيرة أممية تتعرض لمثل هذا الانتقام من واشنطن.
وعليه، فإن هذا الاندفاع نحو الإدانة لا ينبع من سذاجة، فالعالم مليء بشواهد ازدواجية المعايير والنفاق الغربي من فيتنام إلى العراق وليبيا وغزة والدول الأفريقية تدرك ذلك جيداً.
مسألة القبول
في ملف غزة، عانت دول أفريقية كثيرة من صعوبة التعبير الواضح، ولم تُقدِم إلا قلة منها على دعم دعوى بريتوريا أمام محكمة العدل الدولية ضد دولة الاحتلال، أو الانضمام لاحقاً إلى “مجموعة لاهاي”.
وليس من قبيل الصدفة أن عدداً من الدول الأفريقية التي تتحدث اليوم بوضوح عن فنزويلا هي نفسها التي عبّرت بوضوح عن إدانتها لتدمير دولة الاحتلال لغزة، حتى وإن كانت أفعالها، مثل عدم قطع العلاقات التجارية، دون المستوى المطلوب
فقد كانت تشاد هي التي استدعت سفيرها في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، وكانت ناميبيا من الدول التي أصدرت إدانات قوية لأفعال دولة الاحتلال في غزة.
ورغم أن فنزويلا لم تنضم إلى “مجموعة لاهاي”، فإنها أعلنت دعمها لقضية جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية، وشاركت في اجتماعات مع المجموعة لتنسيق إجراءات ضد دولة الاحتلال.
كما اقترح مادورو عقد “قمة عالمية من أجل السلام” للمطالبة بحق الشعب الفلسطيني في العودة، وإقامة دولته وعاصمتها القدس الشرقية، ودعا أيضاً إلى نزع السلاح النووي من دولة الاحتلال.
لكن ردود فعل عدد من الدول الأفريقية لافتة لأسباب أخرى كذلك، فهي تشكّل جزءاً من كتلة آخذة في الانكماش من الدول المستعدة لتحدي السردية الغربية السائدة حول “الشرعية” و”التدخل”.
وتظل هذه الدول من بين قلة، على المستوى الدولي، حاولت على الأقل ثقب الرواية المهيمنة التي تزعم أن أفعال الحكومة الأميركية كانت ضرورية لأمنها ولـ “مصلحة الشعب الفنزويلي”.
لقد سمعنا هذه القصة من قبل ورأيناها، وبالنسبة لمن نجوا من تدخلات أميركية قُدّمت في ثوب “الإحسان”، فالأمر ليس جديداً.
وربما كانت عملية اختطاف مادورو الجريئة في كراكاس جديدة من حيث الشكل، غير أن مغزاها في هذا المشهد العالمي واضح: إن رد الفعل الأفريقي تجاه فنزويلا لا يهم لأنه سيغيّر ميزان القوة، بل لأنه يسجّل رفضاً.
وفي عالمٍ شديد الاختلال في موازين القوة، قد يكون رفض منح القبول هو الشيء الوحيد المتبقي.
للاطلاع على المقال الأصلي من (هنا)







