هل ستسارع الصين إلى نجدة إيران إذا اندلعت الحرب؟

بقلم محمد إسلامي

ترجمة وتحرير نجاح خاطر

مع تصاعد التوترات الإقليمية، يبدو أن مقاربة بكين للأزمة الإيرانية تتسم ببرودٍ محسوب ونَفَسٍ طويل، فهي، كما اعتادت، ستدعو إلى ضبط النفس وستُدين التدخل الخارجي، لكنها في الوقت ذاته ستواصل أعمالها التجارية مع طهران بلا تردد.

الصورة التي التُقطت للرئيس الصيني شي جين بينغ في بكين مطلع ديسمبر/كانون الأول 2025 لا تُخفي الحقيقة الأعمق بأن الصين تراقب، تُقدّر، وتتحرّك وفق حسابات نظامية صارمة، لا وفق اندفاعات أيديولوجية.

يعتمد هذا التحليل على نقاشات معمّقة مع خبراء صينيين في مجالات الأمن والعسكر والسياسة، مقيمين في بكين، ويعكس تقديرات تحليلية لا تعبّر بالضرورة عن الموقف الرسمي للحكومة الصينية إزاء الاحتجاجات الأخيرة في إيران.

مرة أخرى، وجدت إيران نفسها في قبضة احتجاجات واسعة النطاق، بعدما اندلعت تظاهرات أواخر العام الماضي في مدن متعددة، جاءت نتيجة مزيج مألوف من الضغوط الاقتصادية، والتضخم، ونقص الطاقة، والإرهاق السياسي العميق الذي أعقب حرب الأيام الاثني عشر في يونيو/حزيران الماضي، إذ إن هذه الاضطرابات  لم تكن مفاجئة، ولا عفوية بالكامل.

لقد كان المجتمع الإيراني مثقلاً أصلاً بالعقوبات، وأضرار الحرب، والغموض الذي يلف مستقبل البرنامج النووي للبلاد،  فجاءت الاحتجاجات لتعبر عن غضب متراكم إزاء أساليب الحكم وتردّي شروط المعيشة، لكنها حملت أيضاً قلقاً عميقاً بشأن المسار الاستراتيجي لإيران في لحظة استثنائية من الهشاشة.

في بكين، جرت مراقبة هذه التطورات بعناية، من دون لغة إنذارية أو تهويلية، إذ سارع محللون صينيون إلى توصيف الاحتجاجات لا باعتبارها لحظة ثورية فاصلة، بل امتداداً لعدم الاستقرار الذي فجّرته حرب الأيام الاثني عشر. 

وفي هذا الإطار التحليلي، تُعدّ الاضطرابات الداخلية والضغط العسكري الخارجي تعبيرين عن ظاهرة واحدة، ألا وهي سياسة إكراه مستدامة تُمارس ضد الدولة الإيرانية.

تختلف هذه القراءة جذرياً عن السرديات الغربية التي قدّمت الاحتجاجات بوصفها نقطة تحوّل حاسمة نحو تغيير النظام، فقد قدّرت الدوائر الأمنية الصينية أن التظاهرات كانت واسعة جغرافياً، لكنها محدودة عددياً. 

ورغم حدوثها في مراكز حضرية عديدة، فإن أعداد المشاركين في كل موقع – باستثناء لحظات ذروة نادرة – نادراً ما تجاوزت الخمسين ألفاً.

إذن فقد كان الاستنتاج واضحاً، إذ كان المحتجون صاخبين، مرئيين، ومُربكين، لكنهم لم يشكّلوا كتلة ديموغرافية أو تنظيمية كافية للإيحاء بانهيار وشيك للنظام، وفي حسابات بكين، الرمزية ليس لها وزنٌ يفوق الوزن العددي؛ والمقياس العددي لم يبلغ حدّ الخطر الوجودي.

منطق الأمن الداخلي

يُردّد محللون صينيون أيضاً حُجّة مركزية تبنّتها السلطات الإيرانية، وهي التمييز بين الاحتجاج السلمي والعنف الفوضوي، فلا نظام سياسي، ديمقراطياً كان أم سلطوياً، يتسامح مع فاعلين مسلّحين، أو هجمات على البنية التحتية العامة، أو مواجهات مباشرة مع أجهزة الأمن، فمن هذا المنظور، يُقدَّم قمع أعمال الشغب بوصفه سلوكاً اعتيادياً للدولة، لا قمعاً أيديولوجياً.

ويتّسق هذا الإطار مع منطق الأمن الداخلي الصيني، ويُفسّر جزئياً لماذا أبدت بكين تعاطفاً محدوداً مع الدعوات إلى تدويل الاحتجاجات الإيرانية، والأهم، أن الخبراء العسكريين وصنّاع السياسات في الصين لم يتعاملوا مع الاحتجاجات كحادثة داخلية معزولة، بل كارتداد سياسي مباشر لحرب الصيف الماضي.

كما أن دمار البنية التحتية، والأثر النفسي للضربات التي شنّتها دولة الاحتلال والولايات المتحدة، والتهديد الدائم بتجدّد الحرب، كلها عوامل غذّت حالة عدم الاستقرار الاجتماعي، فما تراه بكين هو احتجاجات بلا كتلة خطيرة، ونظاماً تحت الضغط لكنه بعيد عن الانهيار، وحرباً تلوح في الأفق من شأنها إلحاق أذى شامل بجميع الأطراف.

من هذا المنظور، لا تُعدّ الاضطرابات دليلاً على ضعف داخلي فحسب، بل أيضاً  نتيجة لضغط خارجي متواصل يهدف إلى إنهاك الدولة الإيرانية عبر مسارات عسكرية واقتصادية واجتماعية في آنٍ واحد.

ينعكس هذا التقييم مباشرة على تقديرات الصين لاحتمال اندلاع مواجهة عسكرية جديدة، فإن دوائر الأمن في بكين باتت ترى أن هجوماً جديداً من دولة الاحتلال أو الولايات المتحدة على إيران أمرٌ وشيك، فالقضايا العالقة والمتعلقة بمخزون اليورانيوم المخصّب، وتقييد وصول المفتشين النوويين، واستمرار تطوير الصواريخ، توفّر،  في نظر خصوم إيران، دوافع قوية لعمل استباقي.

وفي الوقت ذاته، لا يرى المحللون الصينيون أن ميزان القوى العسكرية تغيّر بصورة جوهرية منذ حرب الأيام الاثني عشر. فإيران ما تزال تعاني ضعفاً في الدفاعات الجوية وسلاح الجو، لكنها تحتفظ بقدرات صاروخية وطائرات مسيّرة مؤثرة.

أما دولة الاحتلال، فتمتلك تفوقاً جوياً ومنظومات دفاعية متعددة الطبقات، لكنها تظل عرضة لهجمات إغراق كثيفة.

وعليه، يخلص الخبراء الصينيون إلى أن أي حرب جديدة لن تُفضي إلى نتيجة مختلفة نوعياً، سوى من حيث الحجم والكلفة، ويتوقعون أن تكون المواجهة المقبلة أكثر وحشية، وأشد تدميراً، وأصعب احتواءً، مع ارتفاع مخاطر امتدادها إلى دول الجوار.

اختبار السيادة

تُقلق هذه السيناريوهات بكين، لا بدافع اصطفاف أيديولوجي مع طهران، بل خشية على الاستقرار الإقليمي، فمصلحة الصين العليا في الشرق الأوسط تتمثل في القابلية للتنبؤ: تدفّق آمن للطاقة، طرق تجارة محمية، وتجنّب نزاعات متسلسلة، حيث أن حرباً واسعة تشمل إيران ودولة الاحتلال والولايات المتحدة، وقد تستدرج حزب الله أو اليمن أو دول الخليج، تهدّد هذه الركائز الثلاث مجتمعة.

ومع ذلك، لا تعتزم الصين الاضطلاع بأي دور عسكري، فالدوائر الأمنية الصينية صريحة في هذا الشأن، حيث تدعم بكين السلام والاستقرار في إيران والمنطقة، وتعارض تغيير الأنظمة، وترفض التدخل العسكري الخارجي، وترى في السيادة المبدأ الناظم للنظام الدولي، وفي إيران حالة اختبار حاسمة لهذا المبدأ.

لكن هذا الدعم يبقى سياسياً ودبلوماسياً حصراً، لا نية لدى الصين للتدخل في الشأن الداخلي الإيراني، ولا لتقديم غطاء عسكري في حال اندلاع حرب، فيما يعكس هذا الموقف مزيجاً من الالتزام بالمبدأ والبراغماتية معاً. 

فالتدخل العسكري سيُخاطر بمواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، ويقوّض الاستراتيجية العالمية الأوسع لبكين، وسياسياً، ترى الصين مصلحةً في الوقوف إلى جانب الحكومات القائمة ضد ما تعتبره زعزعة مدفوعة من الخارج، ومن منظورها، لا يُنتج تغيير الأنظمة فوضى أقل، بل اضطراباً أكبر.

وتزيد الضغوط الاقتصادية من ترسيخ هذا النهج، فقرار الولايات المتحدة فرض رسوم جمركية بنسبة 25 في المئة على الدول المتعاملة تجارياً مع إيران يُقرأ في بكين باعتباره جزءاً من مواجهة اقتصادية أشمل مع الصين.

ويرى صانعو القرار الصينيون هذه الإجراءات لا كعقوبات تخص إيران وحدها، بل كجبهة إضافية في مساعي واشنطن لتقييد الامتداد الاقتصادي الصيني عالمياً.

لذلك، لا تتوقع بكين أن تُحدِث هذه الرسوم خلخلة حقيقية في العلاقات الصينية–الإيرانية، إذ قد تتكيّف التجارة، وقد تتغيّر المسارات، لكن المنطق الاستراتيجي سيظل قائماً.

إن مقاربة الصين للأزمة الإيرانية الراهنة ليست بالمقاربة الرومانسية أو الساخرة؛ بل مقاربة نظامية باردة، حيث ترى بكين احتجاجات بلا كتلة خطرة، ونظاماً مضغوطاً لكنه متماسك، وحرباً تلوح في الأفق ستلحق الضرر بالجميع، ستدعو الصين إلى ضبط النفس، وإدانة التدخل، ومواصلة الأعمال، بينما تستعد لمواجهة عدم الاستقرار الذي تعتقد أن آخرين يصنعونه بأيديهم.

من زاوية بكين، لا تتعلق إيران بالأيديولوجيا، بل بالسوابق، والسابقة،  في الحساب الصيني، أخطر من أي احتجاج.

للاطلاع على المقال الأصلي من (هنا)

مقالات ذات صلة