بقلم طه أوزهان
ترجمة وتحرير نجاح خاطر
قبل عقد من الزمن، اتخذت إدارة الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما خطوة مفصلية، كانت الأكثر تأثيرًا وخطورة في مسار سياستها تجاه سوريا، وأسهمت في دفع البلاد بعمق نحو الكارثة، ألا وهي تأسيس ما سُمّي بـ “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) في عام 2015.
كان أوباما قد منح نظام بشار الأسد بالفعل طوق نجاة سياسيًا، بعدما تجاوز فعلاً “الخط الأحمر” باستخدام السلاح الكيميائي.
ومع إنشاء “قسد” أعادت واشنطن توجيه بوصلة الأزمة السورية، مركّزة على التهديد الذي يمثله “تنظيم الدولة الإسلامية” بصورة مبالغ فيها، حيث وفرت هذه المقاربة عمليًا غطاءً مفتوحًا للدعم الروسي والإيراني غير المحدود للنظام في دمشق.
في تلك المرحلة، أُعيد توصيف جميع فصائل المعارضة التي كانت تقاتل الأسد على أنها قوى “قريبة من داعش” تحت راية “مكافحة الإرهاب”، وهو توصيف تبناه النظام وحلفاؤه.
وحطم هذا “النقل القسري للشرعية” بنية المعارضة السورية، ولم ينجُ منه سوى الفصائل المدعومة من تركيا في إدلب وبصعوبة.
في المقابل، استفادت “قسد” من تضخيم هائل لشرعيتها، ومن حماية غربية مكثفة، لتتحول عمليًا إلى القوة المسلحة الأكثر نفوذًا في البلاد.
ومع مرور الوقت، أصبحت “وحدات حماية الشعب” الكردية (YPG)، العمود الفقري لقسد تُقدَّم بوصفها الممثل الطبيعي والوحيد لكل أكراد سوريا.
وفي الخطاب الإعلامي والسياسي الغربي، جرى الخلط المتعمد بين الأكراد ووحدات الحماية وقسد، حتى باتت المصطلحات تُستخدم وكأنها تشير إلى شيء واحد.
وعندما رُفضت اعتراضات أنقرة، لم تجد تركيا بدًا من التدخل العسكري داخل الأراضي السورية.
وعلى مدى عشر سنوات، وتحت مظلة كثيفة من الغطاء الجوي الأميركي، سيطرت قسد على أكثر مدن سوريا استراتيجية.
وخلال هذه الفترة، جرى القضاء إلى حد بعيد على تنظيم الدولة الإسلامية، الذي لم يكن في الأساس قوة متجذرة بعمق في المجتمع السوري.
لكن، حتى بعد زوال المبرر الوجودي لها لم يجر حلزقسد، بل تم الحفاظ عليها وتوسيعها تحت ضغط أميركي وأوروبي ودعم غربي مبالغ فيه غذّى لديها وهم “الدولة بحكم الأمر الواقع”.
معادلة مبسّطة
وفي ذات الوقت، انفصلت قسا كليًا عن الواقعين السياسي والإنساني في سوريا، إذ يكن للقتل الجماعي الذي نفّذه النظام، ولا لملايين المهجّرين، ولا لآلاف المعتقلين الذين قضوا تحت التعذيب، أي مكان في رؤيتها للعالم.
لقد كانت معادلة قسد بسيطة وتقوم على تجنب الصدام مع الأسد، الإبقاء على تهديد تنظيم الدولة حيًا في الخطاب لضمان استمرار الدعم الغربي، والحفاظ على أسرى التنظيم في سجونها التي تحولت هي نفسها إلى رمز لجرائم حرب.
وبالنسبة لحزب العمال الكردستاني (PKK)، لم يكن هذا المسار جديدًا، فالنمط ذاته تكرس قبل أكثر من أربعة عقود، عندما دخل مؤسس الحزب عبد الله أوجلان إلى سوريا عام 1980 طلبًا للحماية، وأقام علاقة عضوية مع أجهزة المخابرات السورية.
في ذلك الوقت، وكما اليوم، لم يكن الحزب معنيًا بمواجهة القمع البنيوي أو إنكار النظام لحقوق الأكراد، بقدر ما كان معنيًا بتوظيف التوازنات لصالح بقائه.
ترى تركيا في قسد امتدادًا مباشرًا لحزب العمال الكردستاني، وهو تنظيم وُلد في سياق الحرب الباردة، ورعته أنظمة بعثية بوصفه أداة سوفياتية بالوكالة، وازدهر في ظل القمع العسكري داخل تركيا.
وكما عاش أوجلان سنواته في دمشق دون أن يحتج على سياسات الإنكار والبطش، ركّز الحزب، خلال 14 عامًا من الحرب السورية، لا على النضال الوطني السوري، بل على استثمار التفكك بهدف انتزاع وضع شبيه بتجربة إقليم كردستان العراق.
غير أن هذه القصة انتهت فعليًا في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، مع سقوط نظام الأسد على يد قوى المعارضة السورية.
ومنذ تلك اللحظة، تغيّرت معاني حروف اسم قسذ إلى الأبد، فسوريا التي يرمز لها بحرف “السين” لم تعد قائمة بالمعنى السياسي، أما “الديمقراطية” فباتت وصفًا فارغًا، إذ لم يحظَ قادة قسد يومًا بشرعية محلية حقيقية.
وحتى كلمة قوات التي يرمز لها حرف القاف فقدت مضمونها مع تراجع دور العشائر العربية السنية التي أُلحقت بالتنظيم لتجميل هويته، بعدما تغيّر المشهد في دمشق.
ببساطة كان كل ما تبقى هو حزب العمال الكردستاني نفسه، وكان ذلك معروفًا للجميع، لكن طوال عام 2025، لم يجرؤ أحد على قول إن “الإمبراطور بلا ملابس”.
الاصطدام بالواقع
وبدلًا من ذلك، جرت مفاوضات بين دمشق وقسد لتجنب تجدد الصراع، رغم أن الجيش السوري كان متحفزًا لاستعادة الأراضي، ورغم إشارات واشنطن الواضحة بأنها لن تتدخل عسكريًا.
وقد ساهمت استفزازات دولة الاحتلال في إرباك دمشق، ودفعها إلى ترتيب أولوياتها بالتنسيق مع أنقرة وواشنطن، وجرى توقيع اتفاق “معقول” في مارس/آذار الماضي، لكنه سرعان ما تعثر، وتصاعد التوتر مجددًا.
وخلال الأيام الأخيرة، فرضت عمليات الجيش السوري في حلب انسحابات جزئية لقسد، ثم جاء الإعلان الحاسم في هذا الإسبوع من قبل الولايات المتحدة التي صنعت قسد عن حلّها.
وهكذا اصطدم وهم ضخم، غذّته سنوات من التحليل الافتراضي، بجدار الواقع.
وبالنسبة لمن يعرف أنماط السلوك الأميركي، لم يكن هذا مفاجئًا، فالولايات المتحدة اعتادت استخدام الوكلاء المسلحين، ثم التخلي عنهم عندما تتغير الأولويات.
ومن أكراد العراق عام 1975، إلى فيتنام الجنوبية، فالمجاهدين في أفغانستان، والكونترا في أميركا اللاتينية، وصولًا إلى قسد تستخدم الولايات المتحدة الوكلاء مأدوات ثم ترميها.
أما خطاب “القيم” فهو ينهار دومًا أمام البراغماتية من قبيل دعم الإسلاميين ضد الشيوعية، ثم محاربة الإسلام السياسي، ثم رعاية تنظيم ماركسي الجذور في سوريا.
والواقع أن هذه ليست مجرد سلسلة أخطاء، بل منطق حكم يقوم على تصدير المخاطر، وتطبيع التخلي، واستخدام اللغة الأخلاقية عند الحاجة فقط.
ما بعد قسد
والآن، ومع اختفاء قسد يواجه حزب العمال الكردستاني سؤالًا وجوديًا في سوريا، ذلك أن أي اتفاق طويل الأمد مع دمشق يبدو مستحيلًا ما دام الحزب يحتفظ بسلاحه.
ومع تعافي الدولة السورية وإعادة بناء مؤسساتها، يصبح الصدام مسألة وقت والاتفاقات التي تؤجل المواجهة لا يمكن أن تصمد.
إن تنظيماً عاش لعقود عبر إقصاء الحركات الكردية المنافسة بالعنف يفتقر إلى النضج السياسي لفهم سوريا الجديدة.
وها هي تصريحات شخصيات مرتبطة بالحزب، تسعى علنًا إلى استرضاء دولة الاحتلال، تكشف عمق هذا العمى السياسي.
والأخطر أن الحزب لم يدرك انهيار نظام “الوكالة” نفسه، فنحن أمام مرحلة تتراجع فيها حتى دول مثل السعودية والإمارات عن إدارة الصراعات عبر الوسطاء، وتتجه إلى المواجهة المباشرة.
وفي هذا السياق، هل كان من المنطقي أن تبقى قسد حية، خصوصًا في سوريا التي تمت الإطاحة بنظامها بدعم رئيسي من تركيا؟
فرصة تاريخية
في المقابل، تقف تركيا أمام فرصة تاريخية لمعالجة قضيتها الكردية، وهي نافذة مفتوحة منذ أكثر من عام.
فأوجلان نفسه دعا مرارًا كوادر الحزب في سوريا إلى الاندماج في هذا المسار الجديد، لكن الخوف من نزع السلاح يتغلب على أي أفق سياسي.
وهذا الخوف ليس سياسيًا فحسب، بل نفسي أيضًا، فالعيش داخل “عالم كردستاني مغلق” بلغته ولاهوتِه ومنطقه الخاص، عالم يصعب الخروج منه.
نحن، بطريقة ما، نعود إلى لحظة 2014 في شمال سوريا، حين تمدد الحزب للمرة الأولى، لكن التاريخ لا يعيد نفسه، وهذه المرة اختفى كل ما كان يغذي تلك اللحظة.
لم يعد الأسد مركز الجاذبية وروسيا وإيران لم تعودا ضامنتي النظام القديم، أما تنظيم الدولة فقد اختفى من الوجود، والولايات المتحدة غيّرت مسارها بهدوء وحسم.
وفي تركيا، يتقدم مسار إنهاء العمل المسلح للحزب الذي يتصرف في سوريا وكأن الزمن توقف.
هذا الإصرار يحمل خطرًا بالغًا، ففي سوريا ما بعد تنظيم الدولة قد يتحول حزب العمال الكردستاني إلى “التهديد المنظِّم” الجديد للفوضى.
التاريخ واضح، فالحركات المسلحة التي ترفض التكيف مع الواقع السياسي الجديد تتحول، عاجلًا أم آجلًا، من حلول إلى مشكلات.
واليوم، يُطرح حديث عن دمج هذا الكيان في سوريا الجديدة، وفي هذا السياق، ربما يكون حزب العمال الكردستاني آخر طرف ينبغي التفكير فيه.
فبعد انكشاف قناع قسد يلوح خطر عودة الحزب إلى جوهره الأصلي: الإقصاء، وقمع التعدد، والعنف ضد المختلف.
والطريق الوحيد القابل للحياة هو أن تنخرط أذرع الحزب في سوريا ضمن مسار الحل الذي دعا إليه أوجلان نفسه في تركيا، يجب أن يتبع حلّ قسد حلُّ حزب العمال الكردستاني ذاته.
وإذا كانت دمشق مستعدة للاعتراف بحقوق الأكراد المشروعة، فلا يمكنها السماح لحزب استنزف أكراد تركيا نصف قرن، بأن يفرض الكلفة نفسها على سوريا.
للاطلاع على المقال الأصلي من (هنا)







