بقلم ديفيد هيرست
ترجمة وتحرير نجاح خاطر
أيام قليلة فقط كانت قد انقضت على توقيع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أمام عدسات الكاميرات في دافوس، على ميثاق ما سمّاه “مجلس السلام”، حتى دخل الشرق الأوسط حالة توتر حاد، مع تصاعد الاحتمالات الواقعية لاندلاع حرب خليجية ثالثة.
هذا الإحساس مألوف، فقد باتت مجموعة حاملة الطائرات الأمريكية يو أس أس أبراهام لينكولن ضمن مدى النار من إيران منذ الأحد، كما جرى نشر مقاتلات إف 15 وقاذفات بي 52 في الأردن وقطر على التوالي.
وفي السياق نفسه، أفادت القناة 13 التابعة لدولة الاحتلال بأن الجيش الأمريكي يستعد لتعزيز منظومات دفاعه البرية، مع توقع وصول بطارية دفاع جوي من طراز ثاد خلال أيام.
ولم تتوقف ماكينة الإعلام التابعة لدولة الاحتلال عن العمل، فقد ذكرت صحيفة “إسرائيل هيوم”، الأقرب إلى حكومة بنيامين نتنياهو، أن الأردن والإمارات وبريطانيا ستوفر دعمًا لوجستيًا واستخباراتيًا للجيش الأمريكي في حال شن هجوم على إيران.
هذا التقرير دفع الإمارات العربية المتحدة إلى إصدار نفي علني، أكدت فيه التزامها “بعدم السماح باستخدام مجالها الجوي أو أراضيها أو مياهها الإقليمية لأي عمل عسكري عدائي ضد إيران”، مشددة على أنها “لن تقدم أي دعم لوجستي لأي هجوم”.
غير أن طهران، على الأرجح، لن تأخذ هذه التصريحات على محمل الاطمئنان، فقد حذّر مسؤولون إيرانيون كبار من أن الإمارات “تجاوزت الخطوط الحمراء بالفعل”، وأن الردود على أي هجوم جديد لن تقتصر على دولة الاحتلال أو القواعد الأمريكية فحسب.
وكان مسؤول إيراني رفيع قد قال لي العام الماضي إن دولة الاحتلال تستخدم أذربيجان والإمارات في “حربها القذرة” ضد إيران، وأضاف: “نحن نتوقع جولة أخرى من هذه الحرب، لكن هذه المرة، لن تُفاجأ إيران، ولن تكون في موقع الدفاع، بل ستنتقل إلى الهجوم، والإمارات ستدفع ثمنًا باهظًا، وأي ضربة جديدة ستمتد إلى الخليج والمنطقة بأسرها”.
استهداف خامنئي
عندما شنّت دولة الاحتلال والولايات المتحدة هجومهما على إيران في حزيران/يونيو الماضي، في حرب استمرت 12 يومًا، كانتا قد خدعتا طهران بجولة محادثات وشيكة في سلطنة عُمان، ما جعلها تعتقد أن دولة الاحتلال لن تقدم على الضربة قبل انعقاد تلك الجولة.
في حينها، نفى البيت الأبيض أن يكون “تغيير النظام” هدفًا للهجمات، التي استهدفت قادة عسكريين كبارًا، وعلماء نوويين، ومخابئ عميقة تضم أجهزة الطرد المركزي الخاصة بتخصيب اليورانيوم.
لكن نتنياهو كان له رأي آخر، فقد أعلن أن اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي “لن يؤدي إلى تصعيد الصراع، بل سينهيه”.
والواقع أن خلقُ ظروف اليأس، ثم توظيف هذا اليأس كذريعة لحرب شاملة، ليس جديدًا على أجهزة استخبارات مثل الموساد أو الـ سي آي إيه أو الـ إم 16
غير أن البيت الأبيض تراجع خطوة آنذاك، فقد نقل موقع أكسيوس أن ترامب كان أقل حماسة من نتنياهو لاستهداف خامنئي، ونقل عن مسؤول أمريكي قوله: “إنه المرشد الذي تعرفه مقابل المرشد الذي لا تعرفه”، واليوم، تبدو تلك التحفظات وكأنها تبخرت، لقد أصبح المرشد الأعلى هو الهدف الأول.
بين الحقيقة والتوظيف
وخلال قمع الاحتجاجات الأخيرة في إيران قُتل آلاف الأشخاص لكن تعدادهم الدقيق مازال موضع خلاف حاد، فالحكومة الإيرانية أعلنت أن عدد القتلى تجاوز قليلًا 3,100، بينما نقلت وول ستريت جورنال تقديرات عن منظمات حقوقية ترفع الرقم إلى ما يقارب 10,000.
بدأت الانتفاضة في كانون الأول/ديسمبر باحتجاجات لتجار في طهران على انهيار سعر صرف العملة وارتفاع تكاليف المعيشة، قبل أن تمتد سريعًا إلى مدن أخرى وأحياء عمالية فقيرة، في تعبير واضح عن غضب وطني متراكم بعد عقود من العقوبات الأمريكية والفساد وسوء الإدارة.
وتكرر الأمر ذاته قبل سنوات عقب وفاة مهسا أميني، الشابة الكردية التي قضت أثناء احتجازها لدى “شرطة الآداب”.
غير أن واقعية هذا الغضب الاقتصادي، الذي طال الطبقتين الوسطى والفقيرة، لا تنفي في الوقت نفسه تورط أجهزة استخبارات غربية وإسرائيلية في إذكاء النيران، أجل الأمران ليسا متناقضين.
سياسة “الضغط الأقصى”
إن الأزمة الاقتصادية العميقة في إيران هي نتاج مزيج من سوء الإدارة الداخلية، والعقوبات الخانقة التي فرضها ترامب حين انسحب من الاتفاق النووي، وأطلق سياسة “الضغط الأقصى”، وهي سياسة واصلتها لاحقًا إدارة بايدن الديمقراطية.
وكما هو الحال مع الإبادة في غزة، فإن محاولة خنق الاقتصاد الإيراني سياسة أمريكية عابرة للحزبين، والضحايا الحقيقيون لها هم الشعب الإيراني ذاته، الذي يدّعي الغرب الحرص على حقوقه.
إن تهيئة بيئة اليأس، ثم استخدامها مبررًا للحرب، ليست ممارسة جديدة، الجديد هذه المرة أن بصمات الأجهزة الاستخباراتية لم يتم إخفاؤها تقريبًا.
فقد نشر الموساد منشورًا باللغة الفارسية على منصة X في 29 كانون الأول/ديسمبر، دعا فيه الإيرانيين إلى التظاهر، وقال صراحة: “اخرجوا إلى الشوارع، لقد حان الوقت، نحن معك، لسنا معكم بالكلام فقط، بل في الميدان”.
هذا وحده قد يفسر العدد المرتفع من قتلى الشرطة، وقد اتهم وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي شبكات مرتبطة بـدولة الاحتلال بالتسلل إلى الاحتجاجات وتنفيذ أعمال تخريب واغتيالات لرفع منسوب العنف.
فشلت استراتيجية دولة الاحتلال عندما خرجت تظاهرات مؤيدة للحكومة، وأُغلق الإنترنت، واعتُقل الآلاف، لكن بعد أن ترسّخت في الإعلام الغربي فكرة أن إسقاط النظام بات “قضية حقوق إنسان عالمية”، وأن وريث الشاه رضا بهلوي يمكن أن يكون بديلًا محتملًا للنظام الحالي.
رفض ترامب لقاء بهلوي، في رسالة فُهمت على أنها تكرار للسيناريو الفنزويلي، إسقاط الرأس، ثم التفاوض مع من تبقى.
تحوّل عربي غير مسبوق
لقد سلكت المنطقة هذا المسار من قبل، لكن ما يميّز اللحظة الراهنة عن محاولات سابقة لإسقاط الجمهورية الإسلامية هو تحوّل المزاج السياسي في العالم العربي السني.
ذلك أن الدول العربية التي رأت طويلًا في شبكة إيران الإقليمية تهديدًا مباشرًا لها، وعملت على مواجهتها عبر حروب بالوكالة في العراق ولبنان واليمن وسوريا، بدأت اليوم تميل على نحو لافت نحو طهران.
هذا التحول لا ينبع من رومانسية سياسية ولا من اندفاع مفاجئ لدعم القضية الفلسطينية، ولا حتى من حرص نفطي بحت، رغم هشاشة المنشآت الحيوية أمام الطائرات المسيّرة والصواريخ، بل هو تحوّل نابع من إدراك متنامٍ للمصلحة القومية العربية، المرتبطة بالسيادة والاستقلال.
فقد بات يُنظر على نحو متزايد إلى إيران كدولة تخوض المعركة ذاتها التي تخوضها عواصم عربية في مواجهة الهيمنة والتدخل الخارجي.
كما تخشى هذه الدول العربية من مسار تتبعه دولة الاحتلال لتكريس نفسها قوة عسكرية مهيمنة في الإقليم، عبر تفتيت الدول الوطنية المحيطة بها.
التحول الأبرز يمثل في السعودية، التي شكّلت طوال عقد كامل رأس حربة في معسكر مناهضة إيران.
ففي السادس من تشرين الأول/أكتوبر 2023، أي قبل يوم واحد فقط من عملية السابع من أكتوبر، كانت الرياض على وشك توقيع “اتفاقيات أبراهام” وتطبيع العلاقات مع دولة الاحتلال.
واليوم، لم يُسحب هذا المسار من الطاولة فحسب، بل انطلقت حملة إعلامية شرسة ضد دولة الاحتلال داخل الإعلام السعودي.
بلغ هذا التحول ذروته مع نشر صحيفة الجزيرة السعودية مقالًا ناريًا للأكاديمي أحمد بن عثمان التويجري، اتهم فيه الإمارات العربية المتحدة بإلقاء نفسها “في أحضان الصهيونية”، والعمل كـ “حصان طروادة” لدولة الاحتلال في العالم العربي.
لم يكن هذا المقال ليُنشر دون ضوء أخضر من أعلى المستويات، حيث اتهم أبوظبي بتفتيت ليبيا، وتمويل وتسليح قوات الدعم السريع في السودان، والتغلغل في تونس، ودعم سد النهضة الإثيوبي على حساب الأمن المائي المصري.
ردّت أبوظبي بتحريك شبكاتها في واشنطن، واتهمت المقال بـ “معاداة السامية”، وتدخلت رابطة مكافحة التشهير (ADL)، قبل أن يُحذف المقال ثم يُعاد نشره لاحقًا، في إشارة واضحة إلى أن مضمونه يعكس موقفًا سعوديًا رسميًا.
هذا التطور لم يمرّ دون انتباه في تل أبيب، فقد ردّ نتنياهو بلهجة تهديدية، محذرًا من تقارب السعودية مع قطر وتركيا، ومشددًا على أن التطبيع مشروط بـ “إسرائيل قوية”.
سياسة التفتيت… وارتدادات غزة
أثّر عدوان غزة في الإقليم على نحو يتجاوز الحسابات العسكرية، ذلك أن غزة كانت هزيمة عسكرية لحماس وحزب الله وإيران، لكن أثر غزة السياسي والاستراتيجي كان نقيض ذلك تمامًا.
لقد تعهد نتنياهو مرارًا بـ “إعادة تشكيل الشرق الأوسط”، واعتبر الحرب “حرب ولادة جديدة”، وكان من صلب هذه الرؤية ضمان ألّا تعود سوريا دولة موحّدة ذات سيادة بعد سقوط نظام بشار الأسد.
لهذا شنّ جيش الاحتلال، خلال ساعات من سقوط النظام أواخر 2024، أوسع حملة قصف في تاريخ سوريا، دمّر خلالها سلاحها الجوي والبحري خلال 24 ساعة، ثم تقدمت دباباته في الجنوب بذريعة “حماية الدروز”.
ثم عرض الاحتلال “حماية” الأكراد في الشمال، وهو عرض تبيّن خواؤه سريعًا مع انهيار قوات سوريا الديمقراطية، وعودة دمشق لبسط سيطرتها على معظم البلاد دون أن تحرّك الولايات المتحدة ساكنًا، ودون أن تستجب دولة الاحتلال لنداءات الاستغاثة الكردية.
وبعكس ما أراده نتنياهو، توحّدت سوريا أكثر من أي وقت مضى، وقد أبدى الرئيس الجديد أحمد الشرع منذ البداية حرصًا على تجنب الحرب، لكن عدوان الاحتلال المتكرر، والتقدم العسكري حتى مسافة 25 كيلومترًا من دمشق، غيّرا المزاج العام، حيث أصبحت مقاومة دولة الاحتلال مسألة كرامة وطنية في سوريا، كما في أجزاء واسعة من المنطقة.
معركة البقاء
واليوم تتشكل تفاهمات أمنية جديدة، ليست “ناتو إسلاميًا” كما تسميه دولة الاحتلال، بل إدراكًا متزايدًا لدى القوى الإقليمية المتوسطة بأن الطريقة الوحيدة لردع الاحتلال هي الدفاع المشترك.
تبحث تركيا الانضمام إلى ترتيبات دفاعية قائمة بين السعودية وباكستان، كما تدعم مصر والسعودية وتركيا علنًا الجيش السوداني، وتستعد الرياض لشراء الذهب السوداني، في خطوة تهدف إلى تحجيم النفوذ الإماراتي.
في المقابل، يواجه نتنياهو إخفاقًا مركّبًا، لقد فشل في تهجير سكان غزة والضفة الغربية، وفشل في تفتيت سوريا، وفشل في فرض وجود عسكري في أرض الصومال، وخسر دعم مصر في غزة، والأردن في الضفة.
في ضوء كل ذلك لم يتبقَّ أمام نتنياهو سوى ضرب إيران، لكن الخيارات أمامه قاتمة، فخيار إسقاط القيادة الإيرانية قد يدفع طهران إلى تسريع امتلاك السلاح النووي، أما خيار تنصيب بديل تابع، فهو سيناريو يفتقر لأي قاعدة شعبية، وأخيراً فإن سيناريو انهيار الدولة يعني إمكانية الانزلاق في حرب أهلية وتدفقات بشرية هائلة تهدد السعودية وتركيا والمنطقة برمتها.
لهذا ترى طهران ما يجري تهديدًا وجوديًا، ولهذا أيضًا ينبغي على كل دولة عربية مهما كان تاريخها مع إيران أن تدافع عن سيادتها، ولذلك فإن معركة بقاء إيران هي معركة بقاء المنطقة بأسرها، وينبغي ألّا ينسى ذلك أي حاكم عربي.
للاطلاع على المقال الأصلي (هنا)







