رحلة العودة إلى غزة… من المعبر إلى غرف التحقيق

بقلم مها الحسيني 

ترجمة وتحرير نجاح خاطر

لم تكن تتوقع الفلسطينية هدى أبو عابد حين أُبلغت بإمكانية عودتها إلى قطاع غزة بعد عامين قضتهما في مصر، سوى ساعات انتظار طويلة وإجراءات تفتيش اعتيادية، غير أن ما واجهته عند معبر رفح فاق أسوأ مخاوفها، ليشمل تعصيباً للعينين، تحقيقات مطوّلة، مشاهدة ابنتها تتعرّض للضرب، ومصادرة ممتلكاتها الشخصية.

كانت هدى، التي تبلغ من العمر 57 عاماً وتعاني من مرض في القلب، قد أُجلِيت إلى مصر خلال حرب الإبادة لتلقي العلاج برفقة ابنتها، وكانت ضمن أول دفعة من الفلسطينيين الذين تواصلت معهم السفارة الفلسطينية في القاهرة للعودة، يوم الاثنين، عقب إعادة فتح معبر رفح بشكل جزئي، في خطوة هي الأولى منذ مايو/أيار 2024.

أُعيد فتح المعبر وسط قيود صارمة وإشراف مباشر من دولة الاحتلال، شملت تحديد أعداد العابرين، وإخضاع العائدين لتفتيش جسدي دقيق عند نقطة تفتيش في رفح.

وقالت أبو عابد، التي كانت واحدة من 12 شخصاً فقط تمكّنوا من استكمال رحلة العودة الشاقة في ذلك اليوم، إن الجانب المصري عاملهم “بكرامة”، لكن المشهد انقلب كلياً عند الوصول إلى الجانب الفلسطيني.

وأضافت في حديثها: “هناك، واجهنا أولاً مراقبين أوروبيين، ثم ميليشيات مدعومة من الاحتلال، وأخيراً جنود جيش الاحتلال”.

أسوأ معاملة تحت إشراف أوروبي

وبموجب الترتيبات الجديدة في معبر رفح، يتولى موظفون فلسطينيون، إلى جانب مشرفين من بعثة الاتحاد الأوروبي للمساعدة الحدودية (EUBAM)، تفتيش المسافرين والتنسيق مع سلطات الاحتلال للموافقة على دخولهم إلى غزة.

وتقول أبو عابد: “وصلنا إلى تلك النقطة، حيث وجدنا أسوأ معاملة، كنت أحمل ألعاباً لأحفادي وأدوية أساسية لأمراض القلب والضغط والسكري، إلا أن الوفد الأوروبي قام بتفتيش حقائبي وصادر الألعاب، والأدوية، وهاتفي المحمول، وسبعة هواتف جديدة اشتريتها لأبنائي وإخوتي، أخذوا كل شيء”.

وأوضحت أن موظفي البعثة الأوروبية هم من قرروا ما يُسمح بإبقائه وما يُصادَر، بينما اقتصر دور الموظفين الفلسطينيين على تنفيذ التفتيش” ، مضيفةً: “حتى الطعام لم يكن مسموحاً به، فقط الملابس”.

وبعد إلحاح طويل، تمكّنت أبو عابد من استعادة هاتفها الشخصي فقط، لاحتوائه على معلومات وصور عائلية مهمة، ومع ذلك، لم يُسمح لهم بالدخول إلا بعد انتظار موافقة جيش الاحتلال على أسمائهم، وتعلّق بمرارة: “انتظرنا موافقة الاحتلال حتى ندخل بلدنا”.

حصص صارمة وإغلاق مقنّع

وبحسب اتفاق وقف إطلاق النار الموقّع في أكتوبر/تشرين الأول، كان يفترض بدولة الاحتلال إعادة فتح معبر رفح خلال المرحلة الأولى، إلا أن المسؤولين في دولة الاحتلال اشترطوا ذلك باستعادة جثمان آخر أسير محتجز في غزة، وهو ما تم الأسبوع الماضي.

وعلى الرغم من إعادة فتح المعبر، فرضت دولة الاحتلال نظام حصص صارماً: يسمح يومياً بخروج 50 مريضاً فقط من غزة، برفقة شخصين لكل منهم، وبعودة 50 شخصاً فقط إلى القطاع.

وتقتصر العودة على الفلسطينيين الذين غادروا غزة خلال حرب الإبادة، فيما يُحرم من العودة من غادروا قبل السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 وظلّوا عالقين في الخارج.

ووفق مسؤول في السفارة الفلسطينية بالقاهرة، سجّل ما لا يقل عن 30 ألف فلسطيني أسماءهم للعودة إلى غزة حتى أواخر يناير/كانون الثاني، وبموجب هذه الحصص، سيستغرق الأمر قرابة عامين لإعادة العالقين في مصر وحدها، ناهيك عن عشرات الآلاف في دول أخرى.

وفي اليوم الأول لإعادة فتح المعبر، كان مقرراً عودة 42 شخصاً، إلا أن 30 منهم أُعيدوا دون توضيح الجهة التي أعادتهم أو مصيرهم الحالي.

“احزموا أمتعتكم واخرجوا من غزة”

بعد مغادرة المعبر، استقل العائدون حافلة رافقتها مركبات لجيش الاحتلال من الأمام والخلف، وبعد مسافة قصيرة جنوب خان يونس، أُوقفت الحافلة من قبل مجموعة مسلحة مدعومة من الاحتلال، يقودها غسان الدهيني، وهو شخص ذو سجل إجرامي وعلاقات سابقة بتنظيم “داعش”.

وتقول أبو عابد: “أمرونا بالنزول من الحافلة، حينها قال ضابط من جيش الاحتلال لأحدهم: “أحضر تلك المرأة العجوز”، أمسكوا بذراعي وسلّموني للجنود”.

ونُقلت هدى إلى ثكنة عسكرية مؤقتة مؤلفة من كرفانين، حيث خضعت لتفتيش إلكتروني، ثم أُجبرت على خلع عباءتها للتفتيش الشخصي، وبعد انتظار، جرى تعصيب عينيها وتقييد يديها ونقلها إلى غرفة التحقيق.

وتصف المشهد قائلة: “كان هناك مئات الجنود، المحقق كان ملثماً ويتحدث العربية بلهجة آمرة، سألني مراراً: من تعرفين من حماس؟ هل أحد من عائلتك مرتبط بحماس؟ لماذا تستخدمكم حماس دروعاً بشرية؟ لماذا عدتِ إلى غزة؟ ولماذا لم تبقي في مصر؟”.

وتضيف: “قال لي: قولي لأهل غزة جميعاً: احزموا أمتعتكم واخرجوا”.

ضرب وإذلال ومحاولات ابتزاز

استمر التحقيق مع أبو عابد لمدة تقارب الساعتين إلى ثلاث ساعات، فيما علمت لاحقاً أن ابنتها، روتانا عطية الرقب، نُقلت إلى غرفة أخرى، حيث تعرّضت للضرب والإهانة على يد مجندة من جيش الاحتلال.

وتروي: “أمسكت المجندة بذراعها وضربت رأسها، وقالت لها: لماذا عدتِ إلى غزة؟ كان يجب أن تبقي في مصر”.

كما تعرّضت امرأة أخرى، وهي صباح إسماعيل الرقب، كانت عائدة مع خمس من بناتها، للرش بالماء البارد، والتعصيب، والتقييد، والتحقيق لمدة ساعة ونصف.

وتقول الرقب: “قالوا لي إنهم سيسهّلون هجرتي، ثم طلبوا مني التعاون، فرفضت، هددني الضابط بالاعتقال وبالضرب إن لم أقدّم إجابات ترضيه”.

ولم يُفرج عنها إلا بعد وصول موكب أوروبي تدخّل لصالحها.

وفي نهاية المطاف، سُمح للنساء الاثنتي عشرة والأطفال الثلاثة بالعودة إلى الحافلة، ونُقلوا إلى مستشفى ناصر في خان يونس.

وتختم أبو عابد شهادتها بقولها: “بعد كل ما عانيناه، أقول: لا أحد يجب أن يغادر غزة، هم يحاولون تهجيرنا بكل الوسائل”.

للاطلاع على المقال الأصلي من (هنا)

مقالات ذات صلة