من جنوب أفريقيا إلى فلسطين: تعذيب الأطفال والجريمة التي تتكرر بصمت العالم

بقلم فيكتوريا بريتين

ترجمة وتحرير نجاح خاطر

خلال العام الماضي، اختطف جنود الاحتلال ثلاثة فتية فلسطينيين هم محمد الزغبي، وفارس أبو جمال، ومحمود المجايدة، بينما كانوا يبحثون عن الطعام في غزة.

تم تقييد الفتية الثلاثة وعُصبت أعينهم، ثم نُقلوا إلى سجن سديه تيمان سيئ الصيت داخل دولة الاحتلال، حيث قضوا أسابيع أو أشهراً في ظروف غير إنسانية.

شملت تلك الظروف شُحّ الطعام، والضرب المبرح حتى كسرت عظامهم، والصعق بالكهرباء، والحبس في زنازين شديدة البرودة والاقتحامات الليلية بالكلاب أو القنابل الصوتية، وقضاء ساعات طويلة من الاستماع إلى الموسيقى الصاخبة في ما يُعرف بـ “غرفة الديسكو”.

كما شملت جلسات التحقيق هذه، وغيرها من صنوف التعذيب الجسدي، أساليب تعذيب نفسي أيضاً، حيث أُبلغ فارس، على سبيل المثال، بأن والدته وشقيقاته تعرضن للاغتصاب والقتل على أيدي جنود، ثم عُلّق من يديه لأسابيع.

أما في حالة محمود، فقد حاول ضابط في جيش الاحتلال تجنيده ليكون “درعاً بشرياً”، عارضاً عليه راتباً شهرياً قدره 9,200 دولار وشقة مجهزة بالكامل، وقد حاول محمود الانتحار مرتين.

وبعد معاناة هائلة، و”ألم طاغٍ وخوف إلى حد التسبب بالشلل”، عاد الفتية الثلاثة إلى عائلاتهم في غزة وقد تغيروا جذرياً حيث وثّق مختصون تجاربهم لاحقاً.

فمن خلال تعذيب هؤلاء الأطفال الفلسطينيين، وغيرهم كثيرون، يمزّق مسؤولون في دولة الاحتلال يومياً القانون الدولي، وقرارات الأمم المتحدة، واتفاقيات جنيف، دون أي مساءلة.

إن استهداف الأطفال بالتعذيب والاعتداء ليس مجرد انتهاك عابر، بل استراتيجية تهدف إلى شلّ مستقبل المجتمع بأسره. 

وقد اشتهر نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا بهذه السياسة خلال حالة الطوارئ العنيفة وغير القانونية في منتصف ثمانينيات القرن الماضي. 

حينها، تصاعد الغضب العالمي بعدما تحدّث الأطفال علناً عمّا تعرضوا له، تماماً كما فعل هؤلاء الفتية الفلسطينيون اليوم، فما إن تُروى هذه الشهادات، حتى يصبح من المستحيل نسيانها أو تجاهلها.

شهادات مروّعة

قبل أربعة عقود، التقيتُ بعض أطفال جنوب أفريقيا الذين عانوا من تلك الانتهاكات، ففي سبتمبر/أيلول 1987، وفي العاصمة الزيمبابوية هراري، كسر طفل في الثانية عشرة من عمره، يدعى موسيس ماديا من سويتو، جدار الرقابة والصمت الذي فرضته حكومة الفصل العنصري.

وفي شهادة قُدمت عبر محامٍ إلى مؤتمر دولي، روى موسيس كيف اختطفته الشرطة عشوائياً مع أربعة من أصدقائه أثناء سيرهم قرب منازلهم، وألقت بهم في مؤخرة شاحنة للشرطة، وفي الطريق، التقطت الشرطة طفلين آخرين كانا ينزفان ويبكيان.

وعند وصولهم إلى مركز الشرطة، تعرّض الأطفال للضرب بخرطوم أخضر طويل، تناوب على استخدامه أكثر من شرطي، وبصفته أصغرهم جسداً، قال موسيس إنه حاول يائساً الاختباء خلف الآخرين.

“كانت الأحذية تهوي على ظهري، وكان وجهي يُدفع بقوة إلى الأرض، وفي بعض اللحظات ظننت أن جمجمتي ستتحطم، أُجبر الأطفال على الاستلقاء أرضاً، ثم بدأ الجنود بركلنا ودهسنا بأحذيتهم الثقيلة” — موسيس ماديا، 12 عاماً

تكررت هذه الشهادة المروعة على ألسنة أطفال آخرين، وأمهات، ومحامين، وقادة كنائس، وأطباء، خلال أربعة أيام من الجلسات في هراري، وكان معظم الأطفال حينها يعيشون خارج دولة جنوب أفريقيا.

وقد كشفت شهادات جمعتها فرق طبية وقانونية على مدى أشهر عن أنماط ممنهجة من التنكيل بينها اعتقالات جماعية في المدارس والملاعب، وتجريد عشرات الصبية من ملابسهم وإجبارهم على الاستلقاء على أرضيات المشارح البيضاء حيث يُجلدون بالسياط والهراوات لساعات.

وكان هناك أطفال يتلقون ضربات على الوجه فيفقدون أسنانهم، ويتعرضون للصعق بالكهرباء، ويمكثون أسابيع في الحبس الانفرادي.

وبالمثل، جُمعت شهادات محمد وفارس ومحمود، وغيرهم من الأطفال الناجين من سجن سديه تيمان، على أيدي محامين وأطباء وأخصائيين اجتماعيين وباحثين من منظمات حقوقية مرموقة، مثل “الدفاع عن أطفال فلسطين”، و”الضمير”، و”الحق”، و”عدالة”، و”بتسيلم”.

وقد وقعت هذه المنظمات نفسها تحت تهديد حاد من حكومة دولة الاحتلال، ذلك أن سنوات من النقد المتواصل والمتصاعد قوبلت بتضييق خانق يشمل مداهمة المكاتب، وتصنيف بعضها “منظمات إرهابية”، ومنع التمويل وحظر وصول الموظفين الدوليين، ورغم ذلك، لا يزال عملها الإنساني الحيوي مستمراً.

لا قانون ولا إنسانية

وخلال مؤتمر هراري، احتج مسؤولون من حكومة بريتوريا العنصرية على عرض هذه الشواهد، لكن دعم المجتمع المدني الجنوب أفريقي للأطفال المستهدفين كان قوياً ولا يُدحض. 

فقد كان اللقاء مشحوناً بالمشاعر، وجمع مئات من الجنوب أفريقيين الذين لم يتخيلوا يوماً أنهم سيتمكنون من الاجتماع بهذه الصورة، متحدّين عقوداً من نظام الفصل العنصري المدعوم غربياً.

وفي منتصف الثمانينيات، بدأت مواقف بريطانيا ودول غربية أخرى بالتغير بعدما ظلت متواطئة لعقود، وكان أطفال جنوب أفريقيا عاملاً حاسماً في هذا التحول، وخلال أقل من عقد، سقط نظام الفصل العنصري.

والتشابه اليوم صارخ بين حملة زعزعة الاستقرار التي قادها نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا عبر أفريقيا الجنوبية، بدعم من واشنطن، وبين ما تقوم به دولة الاحتلال اليوم من قصف واحتلال واغتيالات سياسية في لبنان وسوريا واليمن وإيران، بدعم عسكري حيوي من الولايات المتحدة ودول غربية أخرى، بينها بريطانيا وألمانيا.

فالصور الباهتة لآثار السياط على ظهور أطفال سود، ولجثث تلاميذ قُتلوا، ولمركبات مدرعة محمّلة بأطفال مذعورين وشرطة تلوّح بالسياط، جسدت وحشية الفصل العنصري خلال السنوات السبع والعشرين التي قضاها نيلسون مانديلا في السجن.

واليوم، تعكس صور الأطفال الفلسطينيين الذين يموتون من البرد والجوع ونقص الدواء في الخيام، وبقايا المدارس المدمرة في غزة، والأطفال المعذبين في سجون الاحتلال، وأجسادهم المحتجزة بعيداً عن عائلاتهم، الصورة المعاصرة لتلك “المعايير اللاإنسانية” نفسها.

لقد التقيتُ أيضاً مجموعات من الفتيان الذين تحطموا يوماً كما تحطم محمد وفارس ومحمود وموسيس، ثم أعادت إليهم إنسانية الغرباء الأمل. 

ففي عام 1987، التقيت في كوبا، بجزيرة الشباب، مراهقين ناميبيين أخبروني بثقة أنهم سيعودون يوماً إلى وطنهم ليصبحوا أطباء ومعلمين وعلماء وطيارين مقاتلين بعد الاستقلال عن جنوب أفريقيا.

كان هؤلاء قد وصلوا إلى كوبا قبل سنوات، كأطفال ناجين من مذبحة كاسينغا عام 1978، حين قتل نظام الفصل العنصري 600 مدني ناميبي في مخيم لاجئين جنوب أنغولا. 

وتذكر أحد معلمي الاطفال الكوبيين أنهم “كانوا صغاراً جداً، مرعوبين وصامتين، لدرجة أنك تظنهم سيبقون مشلولين نفسياً إلى الأبد”.

وفي الثمانينيات، استضافت كوبا شبكة مدارس قدمت لآلاف الأطفال من البلدان التي سحقها الفصل العنصري تعليماً رفيع المستوى، ومنحتهم الثقة لبناء مستقبل جديد في أوطانهم. 

تم ذلك في وقت كانت فيه كوبا ترزح تحت حصار اقتصادي أميركي منذ أكثر من عقدين، حصار ما زال قائماً حتى اليوم، تغذيه شهية واشنطن المستمرة لتغيير الأنظمة، والتي تجلت أخيراً في هجومها غير القانوني على فنزويلا.

إن “المعايير الجديدة” للحكومة الأميركية تشمل انتهاكات متكررة للقانون الدولي، وإفراغ المؤسسات العالمية التي أُنشئت قبل نصف قرن لعالم أكثر أمناً وعدلاً من مضمونها. 

والمخزي أن معظم القادة الغربيين يواصلون الصمت في مواجهة هذا الانحطاط اللاإنساني المنفلت من أي مساءلة.

للاطلاع على المقال الأصلي من (هنا)

مقالات ذات صلة