أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن الدول الأعضاء في ما يُعرف بـ”مجلس السلام” تعهّدت بتخصيص خمسة مليارات دولار لإعادة إعمار قطاع غزة، إلى جانب نشر آلاف العناصر ضمن مهام دولية لـ”الاستقرار وحفظ الأمن” في القطاع.
وقال ترامب، في منشور عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إن “مجلس السلام سيثبت أنه أكثر هيئة دولية تأثيراً في التاريخ، ويشرّفني أن أترأسه”، مضيفاً أن التعهدات المالية ستُعلن رسمياً خلال الاجتماع الأول للمجلس المقرر عقده الخميس في العاصمة الأميركية واشنطن.
نشأة المجلس وسياقه السياسي
وجاء إنشاء “مجلس السلام” في إطار اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، الذي استهدف إنهاء حرب الإبادة التي شنّتها دولة الاحتلال على مدى عامين، وأسفرت عن استشهاد أكثر من 72 ألف فلسطيني وتدمير واسع للبنية التحتية في القطاع.
وبحسب ما أوضحه ترامب، فإن الاجتماع الافتتاحي سيشهد الإعلان الرسمي عن التعهدات المالية، في خطوة يسعى من خلالها إلى إطلاق مسار دولي لإعادة الإعمار وترتيبات ما بعد الحرب.
غير أن الميثاق المنظّم لعمل المجلس يمنح ترامب، بصفته رئيساً له، صلاحيات واسعة تشمل تعيين الدول الأعضاء أو استبعادها، على أن يُلغى قراره فقط بأغلبية ثلثي الأعضاء، ما أثار تساؤلات حول طبيعة التوازن داخل هذه الهيئة وحدود استقلاليتها.
انتقادات أوروبية لتجاوز التفويض الأممي
تزامن إعلان التعهدات مع انتقادات أوروبية للمجلس، على خلفية ما اعتبرته تعديلاً في نطاق عمله يتجاوز التفويض الأممي الذي استند إليه عند إنشائه، عبر توسيع دوره من ملف غزة إلى أدوار دولية أوسع.
وخلال مؤتمر ميونيخ للأمن، انتقدت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس المجلس لعدم إشارته الصريحة إلى غزة أو إلى دور الأمم المتحدة في مداولاته الأخيرة.
وأشارت إلى أن القرار الأصلي نصّ على أن يكون المجلس “محدود المدة”، وأن يضمن مشاركة فلسطينية واضحة، وأن يركّز حصراً على قطاع غزة.
كما وجّه وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس، والسيناتور الأميركي الديمقراطي كريس مورفي، انتقادات مماثلة للمبادرة، محذرين من تغييب الإطار الأممي وتوسيع المهام دون توافق دولي واضح.
من يدعم القوة المقترحة؟
ولا يزال من غير الواضح أي الدول الأعضاء ستعلن رسمياً عن مساهماتها المالية أو مشاركتها في قوة الاستقرار المقترحة.
حتى الآن، تُعدّ إندونيسيا الدولة الوحيدة التي أعلنت استعدادها لتجهيز ثمانية آلاف جندي غير قتاليين لاحتمال نشرهم في غزة، في إطار المهام الإنسانية والاستقرار.
ويضم المجلس 18 دولة أخرى، من بينها معظم الدول العربية الرئيسية مثل قطر والإمارات والسعودية وتركيا، إضافة إلى باكستان وأرمينيا وأذربيجان.
في المقابل، أعلنت إيطاليا أنها ستشارك بصفة مراقب، نظراً لقيود دستورية تحول دون انضمامها الرسمي إلى المجلس، وفق ما أكدته رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني.
كلفة الإعمار… أرقام تتجاوز التعهدات
وبحسب تقديرات الأمم المتحدة والبنك الدولي والاتحاد الأوروبي، فإن إعادة إعمار قطاع غزة ستتطلب نحو 70 مليار دولار، بعد القصف المكثف الذي شنّه جيش الاحتلال منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن نحو 80% من المباني والوحدات السكنية في القطاع دُمّرت أو تضررت بشدة، ما يجعل التعهدات المعلنة، رغم أهميتها السياسية، جزءاً محدوداً من كلفة إعادة البناء الشاملة.
وبينما يسعى “مجلس السلام” إلى ترسيخ نفسه كآلية دولية لإدارة مرحلة ما بعد الحرب، تبقى الأسئلة قائمة حول شرعيته، وحدود تفويضه، ودور الفلسطينيين في صياغة مستقبل قطاعهم، في ظل استمرار آثار حرب الإبادة التي شنّتها دولة الاحتلال.







