نزع سلاح المقاومة… معادلة تُختبر فيها بقاء القضية الفلسطينية

بقلم رجا عبد الحق
ترجمة وتحرير نجاح خاطر

بعد أربعة أشهر على وقف إطلاق النار الأخير في غزة، ما يزال الفلسطينيون يموتون بفعل عدوان دولة الاحتلال، فإن لم تقتلهم الرصاصات والغارات الجوية، أجهز عليهم برد الشتاء، وأمطار العراء، وسوء التغذية المفروض قسراً. 

ومع إخفاق دولة الاحتلال في فرض الاستسلام عبر ما عُرف بـ “عقيدة جباليا” القائمة على الإبادة لإخضاع السكان، انتقلت إلى أداة أخرى هي إدارة الكارثة الإنسانية كسلاح إخضاع طويل الأمد، حتى بات الخيار المطروح أمام الفلسطينيين قاسٍ إلى حد التجريد، تخلّوا عن حقكم في المقاومة المسلحة أو موتوا ببطء وصمت.

في ذروة الحرب، استخدمت دولة الاحتلال قضية الأسرى لدى المقاومة ذريعة لتبرير التطهير العرقي في غزة، لكن وبعد إطلاق سراح آخرهم يجري اليوم نقل الهدف إلى “سلاح المقاومة”، ليُتخذ ذريعة لإدامة معاناة الفلسطينيين ودفعهم نحو استسلام جسدي وروحي.

إذ تطالب الولايات المتحدة ودولة الاحتلال صراحةً بنزع سلاح المقاومة كشرط مسبق لإعادة إعمار غزة، وقد وضعتا عبر ذلك الفلسطينيين أمام معادلة مستحيلة، إما البقاء البيولوجي للمجتمع الفلسطيني، أو بقاء قضيته الوطنية.

ويُقدَّم نزع السلاح كـ “ثمن منطقي” لتخفيف الظروف الكارثية، لكنه في جوهره محاولة لاستكمال ما بدأه التطهير العرقي، إزالة كلفة الاحتلال، وتسريع مشروع استيطاني إحلالي يهدف إلى اقتلاع السكان الأصليين على كل المستويات، وبالنسبة للفلسطينيين، فإن القبول بنزع السلاح ليس تسوية بل انتحار وطني.

تبديل الأهداف واستمرار الإبادة

على مدى عامين من الحرب المتواصلة، وظّفت دولة الاحتلال أحداث 7 أكتوبر وقضية الأسرى لتبرير قتل المدنيين وتدمير البنية المجتمعية بصورة منهجية عبر قصف المستشفيات والمدارس والكنائس والمساجد والمنازل.

وكان الخطاب الجاهز بعد كل جريمة هو استهداف “أنفاق حماس” بذريعة الدفاع عن النفس وتحرير الأسرى، لكن مع الإفراج عن جميع الأسرى، لم تتوقف آلة التدمير، بل جرى تبديل الهدف، فقد انتقل الخطاب من “الأسرى” إلى “سلاح المقاومة”. 

فإذا كان عدد الأسرى المحدود قد أتاح حرباً استمرت عامين، فإن بندقية واحدة، أو حتى سكين مطبخ، يمكن أن تُستخدم لتبرير حرب بلا نهاية تحت شعار “نزع السلاح”.

والواقع أن التركيز على نزع السلاح في حديث “اليوم التالي” لم يكن بحال من الأحوال تفصيلاً تقنياً، بل جزءاً عضوياً من المشروع الصهيوني لكسر إرادة الفلسطيني وتجريد مقاومته من معناها.

لقد نظّر مؤسسو الصهيونية، مستندين إلى الإرث الاستعماري الأوروبي، لفكرة أن التدمير والتهجير من شروط بناء “الدولة”، وعلى خطى المشاريع الاستيطانية في الولايات المتحدة وأستراليا، يقوم المشروع الصهيوني بنيوياً على معادلة صفرية هي شعب واحد، دولة واحدة، وأرض لا تتسع إلا لواحد.

عام 1948، أُقيمت دولة الاحتلال عبر قتل آلاف الفلسطينيين وتدمير أكثر من 500 بلدة وقرية، وتهجير ما لا يقل عن 80% من سكان الأرض لإفساح المجال أمام مستوطنين أوروبيين جدد.

الإزالة… جسداً وذاكرةً وهوية

ولا يكتفي الاستعمار الاستيطاني بالإزالة المادية للسكان الأصليين، بل يسعى إلى قطع صلتهم بالأرض، ومحو تاريخهم وثقافتهم وهويتهم.

ويظهر ذلك بوضوح في مشروع تهويد القدس، حيث يجري تفريغ المدينة من طابعها الإسلامي والمسيحي واستبداله بطابع يهودي، عبر هندسة ديموغرافية، ومصادرة منازل ومحال فلسطينية، وتوسيع المستوطنات، وتغيير أسماء الشوارع من العربية إلى العبرية، ورغم كل ذلك، يواصل الفلسطينيون التمسك بروابطهم التاريخية والثقافية والروحية بالأرض.

أما صمود غزة في وجه الإبادة فقد دفع دولة الاحتلال إلى التحول نحو “إزاحة” نفسية وأخلاقية، تستخدم تكتيكات مكافحة التمرد المتمحورة حول السكان، بما في ذلك الإبادة، للقضاء على الحاضنة الشعبية للمقاومة المسلحة.

ولهذا عُدَّ 7 أكتوبر تهديداً وجودياً لأنه أثبت أن أكثر من 75 عاماً من التطهير المنهجي لم تنجح في قتل إرادة “الأصلي” أو خياله أو قدرته على المقاومة ورفض المحو، فقد كسرت غزة خرافة “الأصلي المهزوم”، وأثبتت أن الفلسطيني فاعل سياسي قادر على القتال من أجل حريته.

ولإعادة صورة “الردع المطلق”، انخرطت دولة الاحتلال في إبادة لا تستهدف البنية التحتية للمقاومة فحسب، بل الروح التي تغذيها.

وقد كانت فظائع الإبادة مقصودة، لتجعل كلفة المقاومة خيالية إلى درجة يُقنع فيها الفلسطيني نفسه أن مجرد حمل سلاح أو حتى الاحتفاظ بروح التحدي هو سبب الخراب الذي يحيط به.

ورغم أن المقاومة المسلحة لم توقف آلة الإزالة الصهيونية، فإنها جعلتها مكلفة مادياً وأخلاقياً، في الوقت الذي تحلم فيه دولة الاحتلال باستعمار بلا كلفة، تُدار فيه حياة السكان الأصليين كأجساد بيولوجية لا ككيانات سياسية ويُدار موتهم عبر تقنين السعرات الحرارية بدلاً من القنابل.

من كائن سياسي إلى كائن بيولوجي

تهدف حملة نزع السلاح في جوهرها إلى تجريد الفلسطيني من الإرادة والأدوات التي تمكّنه من مقاومة إخضاعه، وتحويله إلى كائن بيولوجي بلا حقوق سياسية أو طموحات وطنية.

وقد تمسك الفلسطينيون بحقهم في المقاومة منذ ما قبل وعد بلفور، لأنه الوسيلة البنيوية الوحيدة لوقف استعمارهم ورفض اختزالهم إلى ضحايا سلبيين، حيث تصبح المقاومة المسلحة ضرورة وجودية جسدية ونفسية في مواجهة بنية دائمة من الإزالة.

ومع الإفلات السياسي والقانوني الدولي الذي تتمتع به دولة الاحتلال، والدعم الغربي غير المشروط، يجد الفلسطينيون أنفسهم أمام خيار وحيد: الاتكاء على المقاومة لحماية أنفسهم.

ورغم أن الخيار يُقدَّم على أنه بين الماء والغذاء والمسكن أو السلاح، فإن الحقيقة أن كلا الخيارين، ضمن المعادلة الحالية، يقودان إلى الإخضاع أو الموت.

نزع السلاح ليس قراراً بوقف القتال فحسب، بل محوٌ لادعاء الفلسطيني بالسيادة على أرضه، ومنح شرعية مطلقة لدولة الاحتلال على الأرض وحياة السكان الأصليين.

في نهاية المطاف، التخلي عن حق حمل السلاح في وجه عملية إزالة دائمة وعنيفة هو استسلام كامل للمصير الذي يرسمه الاستعمار الاستيطاني.

والحال شديد الشبه برواية غسان كنفاني “رجال في الشمس”، حين اختنق اللاجئون الفلسطينيون صامتين في خزان شاحنة لأنهم خافوا أن يطرقوا الجدران، حيث يواجه الفلسطينيون اليوم معادلة مشابهة، فإما أن يواصلوا طرق الجدران حتى ينالوا حريتهم أو أن يموتوا بصمت.

للإطلاع على النص الأصلي من (هنا)

مقالات ذات صلة