بلير يختزل مأساة غزة في “التطرف والفساد” ويتجاهل الاحتلال

أنحى رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير بالمسؤولية عن الأزمة في غزة على ما وصفه بـ “التطرف” و”الفساد”، متجاهلاً أي إشارة إلى دور الاحتلال في ما آلت إليه الأوضاع في القطاع.

وجاءت أقوال بلير خلال كلمة ألقاها الخميس في الاجتماع الافتتاحي لما يسمى “مجلس السلام” الذي أطلقه الرئيس الأميركي دونالد ترامب في واشنطن.

وقال بلير إن إدارة غزة “على مدى عقود اتسمت بالتطرف والفساد وضعف المؤسسات والغياب الكامل لمسار يفضي إلى ازدهار شعب غزة”، دون أن يذكر أن غزة ترزح تحت الاحتلال منذ عقود، وتواجه حصاراً خانقاً منذ سنوات.

وأضاف بلير أن غزة تمتلك “إمكانات هائلة” بفضل “ساحلها الممتد 25 ميلاً على البحر المتوسط، وقربها من أسواق إقليمية وعالمية كبرى، وسكانها الشباب ذوي الحيوية، حيث يبلغ متوسط العمر 19 عاماً”.

كما أشاد بلير بـ “مجلس السلام”، معتبراً أنه سيعمل على “إعادة إعمار غزة لأجل سكانها”، وقال: “سواء كنت مسلماً أو يهودياً أو مسيحياً، من أي دين أو من دون دين، يمكنك أن ترتقي بجهدك الشخصي وتشعر أن حكومتك إلى جانبك لا فوق ظهرك”.

وأضاف أن هذه هي “الرؤية الكامنة خلف خطة الرئيس ترامب ذات العشرين نقطة لغزة، وهي تظل الأمل الأفضل، بل الوحيد، لغزة والمنطقة والعالم الأوسع”.

لندن تنأى بنفسها

ورغم مشاركة بلير في الاجتماع، فإن بريطانيا لم تنضم إلى مجلس ترامب، الذي قاطعته عدة دول أوروبية بسبب دعوته الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للانضمام إليه.

وقد نأت حكومة حزب العمال برئاسة كير ستارمر بنفسها عن بلير، ففي نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، عندما ترددت أنباء عن احتمال انضمام بلير إلى المجلس، أبلغ جوناثان باول، مستشار الأمن القومي لستارمر ومدير مكتب بلير السابق في داونينغ ستريت، جهات معنية بشكل غير رسمي أن بلير لا يمثل الدولة البريطانية.

وبحسب مصدرين مطلعين تحدثا لـ ميدل إيست آي، فقد مارس باول ضغوطاً كبيرة لمنع ترشيح بلير.

انتقادات واتهامات 

وأثارت تصريحات بلير انتقادات واسعة، إذ لم يتطرق إلى دور الاحتلال في توصيفه لأوضاع غزة.

وقال كريس دويل، مدير مجلس التفاهم العربي–البريطاني، إن خطاب بلير يفسر لماذا “فشل مراراً في الملف الفلسطيني”، مضيفاً أنه “يفتقر إلى فهم عميق للقضية، ويحمل عقلية استعمارية، ومهووس بالتقرب من السلطة والمال، وفي هذه الحالة من ترامب”.

وكان الاحتلال قد انسحب من داخل غزة عام 2005 ونقل نحو ثمانية آلاف مستوطن إلى الضفة الغربية المحتلة.

لكن في عام 2007، وبعد فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية، فرض الاحتلال حصاراً جوياً وبرياً وبحرياً على القطاع.

ومنذ ذلك الحين، شنّ الاحتلال أربع حروب على غزة أعوام 2008 و2012 و2014 و2021، أسفرت عن استشهاد آلاف الفلسطينيين، معظمهم من المدنيين وبينهم أعداد كبيرة من الأطفال.

عقب الهجوم الذي قادته حماس في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، والذي أسفر عن مقتل 1195 إسرائيلياً، قتلت قوات الاحتلال ما لا يقل عن 72,063 فلسطينياً في غزة، في حرب وُصفت على نطاق واسع من خبراء ومنظمات دولية بأنها إبادة جماعية.

وأشارت دراسة حديثة نشرتها مجلة “لانسيت” إلى أن عدد الشهداء خلال الأشهر الستة عشر الأولى من الحرب تجاوز 75 ألفاً، وهو رقم أعلى بكثير من الإحصاءات الرسمية آنذاك.

وقالت المجلة إنه حتى 5 يناير/كانون الثاني 2025، كان 3.4% من سكان قطاع غزة قد استشهدوا بصورة عنيفة، “إلى جانب عدد كبير من الشهداء الذين ارتقوا بصورة غير مباشرة نجمت عن تداعيات النزاع”.

تعهدات مالية وغياب التمثيل الفلسطيني

وخلال الاجتماع، تعهدت تسع دول أعضاء في المجلس بتقديم سبعة مليارات دولار لدعم جهود الإغاثة في غزة، وهي كازاخستان وأذربيجان والإمارات والمغرب والبحرين وقطر والسعودية وأوزبكستان والكويت.

ولا تتمتع حركة حماس بأي تمثيل في مجلس السلام، الذي يرأسه ترامب مدى الحياة، رغم استمرار دورها في المفاوضات عبر وسطاء إقليميين، أبرزهم مصر وقطر.

ويُلاحظ أن ميثاق مجلس السلام لا يذكر صراحة كلمتي “غزة” أو “فلسطيني”، كما تخلت إدارة ترامب عن سياسة تبني “حل الدولتين” كهدف رسمي للسياسة الأميركية، في خروج واضح عن عقود من الخطاب الدبلوماسي التقليدي.

وفي هذا السياق، بدا خطاب بلير منسجماً مع رؤية سياسية تتجاهل جذور الأزمة المتمثلة في الاحتلال والحصار، وتعيد صياغة المأساة بوصفها أزمة “حكم” داخلية، في وقت تتصاعد فيه الدعوات الدولية لمحاسبة المسؤولين عن حرب الإبادة المستمرة في غزة.

مقالات ذات صلة