ميدل إيست آي: الرياض تدرس تمرير كابل استراتيجي عبر سوريا بدل إسرائيل

تسعى المملكة العربية السعودية لاستخدام الأراضي السورية بدلاً من دولة الاحتلال كأرض عبور لمشروع كابل ألياف ضوئية يربط المملكة باليونان عبر البحر المتوسط.

وكشفت مصادر إقليمية مطلعة النقاب عن أن هذه الخطوة تعكس تحولات عميقة في اصطفافات المنطقة، وتشير إلى مسعى سعودي لتعزيز موقع دمشق إقليميًا، مقابل تقليص الروابط العملية مع دولة الاحتلال.

وقال مسؤولان إقليميان لـ ميدل إيست آي أن إصرار الرياض على تمرير مسار الكابل عبر الأراضي السورية يسلّط الضوء على إعادة رسم موازين العلاقات في شرق المتوسط.

وأوضح المسؤولان أن التراجع عما كان مطروحاً سابقاً فيما يتعلق باستخدام دولة الاحتلال كأرض عبور  للكابل يأتي في وقت تتجه فيه المملكة العربية السعودية إلى توظيف ثقلها المالي لإعادة دمج سوريا في الفضاء الإقليمي.

وكان ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان ، قد اتهم علنًا دولة الاحتلال بارتكاب إبادة جماعية في غزة، حيث استشهد أكثر من 72 ألف فلسطيني. 

كما تتقاطع الخلافات السعودية مع الإمارات العربية المتحدة، الشريك العربي الأبرز لدولة الاحتلال، في ملفات اليمن والسودان والبحر الأحمر.

من جهتها، تسعى أثينا إلى ترسيخ موقعها بوصفها بوابة بين أوروبا والشرق الأوسط في مجالات الطاقة والعقارات والذكاء الاصطناعي. 

وقد كثّفت اليونان من جهودها لاستقطاب الاستثمارات من قطر والإمارات والسعودية، لكنها في الوقت ذاته تحتفظ بعلاقات وثيقة مع دولة الاحتلال، التي ينظر إليها صناع القرار اليونانيون كحليف في مواجهة تركيا، وكضمانة لإبقاء الولايات المتحدة منخرطة في شرق المتوسط.

وقد يربك أي تعديل سعودي لمسار المشروع العلاقة بين أثينا ودولة الاحتلال، في حال استُبعدت الأخيرة فعليًا من المسار الجديد.

وقال الباحث في شؤون الخليج في معهد بيكر بجامعة رايس، كريستيان كوتس أولريخسن، إن إدراج سوريا بدلًا من دولة الاحتلال “يتسق مع الجهود السعودية لإعادة دمج دمشق في الإقليم، والتقليل من أي روابط ملموسة مع إسرائيل”.

وأضاف أن عام 2022 كان ذروة الحديث عن تطبيع سعودي مع الاحتلال غير أن المسار الجديد يعكس “تحولًا واضحًا في موقف الرياض”.

هذا وكان قد أُعلن عن مشروع “ممر البيانات من الشرق إلى المتوسط” عام 2022 كشراكة بين شركة الاتصالات السعودية وشركة الكهرباء اليونانية PPC، إلى جانب شركات اتصالات يونانية وشركة تطبيقات أقمار صناعية.

وكانت المباحثات آنذاك تجري بالتوازي مع حوار سعودي-أميركي حول تطبيع العلاقات مع دولة الاحتلال، قبل أن تنسف حرب الإبادة على غزة تلك المسارات السياسية. 

وقد وصفت الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية العدوان الذي شنته دولة الاحتلال على غزة عقب هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 بأنه إبادة جماعية، في ظل اتساع رقعة العمليات لتشمل لبنان وسوريا وإيران.

وأوضح المستشار الأميركي في كابلات الألياف البحرية، جوليان رول، أن المشروع كان في الأصل ضمن حزمة مشاريع تمر عبر السعودية والأردن ودولة الاحتلال، مشيرًا إلى أن “طلب السعودية العبور عبر سوريا تطور جديد”، في وقت يبحث فيه القطاع عن مسارات برية إضافية بين المحيط الهندي والبحر المتوسط.

لكن عرضًا تقديميًا لشركة PPC اليونانية بتاريخ نوفمبر/تشرين الثاني 2025 اطلعت عليه ميدل إيست آي لا يُظهر سوريا ضمن شبكة المشروع، بل يبيّن أن المسار يمر عبر دولة الاحتلال ومياهها الإقليمية.

كما كشف مسؤول إقليمي آخر أن الرياض تدرس أيضًا مشروع كابل كهربائي عالي الجهد (HVDC) لربطها باليونان عبر سوريا، متجاوزة دولة الاحتلال، في إطار رؤية أوسع لربط الخليج بأوروبا.

ويعكس التوجه السعودي نحو إشراك دمشق في مشاريع البنية التحتية الإقليمية استخدام المملكة لثقلها الاستثماري في إعادة تشكيل شبكات النفوذ، في لحظة تتحدى فيها نفوذ الإمارات ودولة الاحتلال.

وقال مسؤول غربي مطلع إن “دمشق تحتل موقعًا محوريًا في رؤية السعودية للربط الإقليمي”، مضيفًا أن الرياض تريد “أن تمر الطرق والكابلات والسكك الحديدية عبر سوريا”.

وفي فبراير/شباط الجاري، أعلنت شركة الاتصالات السعودية استثمار نحو 800 مليون دولار في البنية التحتية للاتصالات في سوريا، بهدف إنشاء شبكة ألياف ضوئية تمتد لأكثر من 4,500 كيلومتر، لربط سوريا إقليميًا ودوليًا.

ويشهد شرق المتوسط سباقًا على ممرات الطاقة والبيانات، لكنه حافل أيضًا بمشاريع لم تكتمل، فقد تعثر مشروع خط أنابيب غاز يربط اليونان وقبرص ودولة الاحتلال، كما واجه مشروع “الكابل البحري الكبير” الذي يربط الدول الثلاث تأخيرات متكررة.

بدورها تعارض تركيا، التي تطالب بمساحات واسعة من المياه محل نزاع مع اليونان في شرق المتوسط، هذه المشاريع، في وقت يُناقش فيه أيضًا ممر تجاري يربط الهند باليونان ودولة الاحتلال والإمارات.

غير أن رول يعد أن مشروع كابل الألياف الضوئية من أكثر المشاريع قابلية للتنفيذ، مشيرًا إلى أن توقيع دفعة أولى للموردين يمثل مؤشرًا حاسمًا على جدية التنفيذ.

وقد وقعت بنوك يونانية وسعودية اتفاقًا لتمويل 60% من المشروع، فيما أبرمت مشروع “ممر البيانات من الشرق إلى المتوسط” عام 2023 عقد توريد مع شركة Alcatel Submarine Networks لإنشاء كابلين بحريين وبريين لنقل البيانات.

وفي المحصلة، لا يتعلق المشروع بمسار تقني لكابل ألياف ضوئية فحسب، بل يعكس إعادة رسم خرائط النفوذ والربط الإقليمي في مرحلة ما بعد حرب غزة، حيث تتقاطع الجغرافيا الرقمية مع التحولات السياسية، وتتحول البنية التحتية إلى أداة صراع وتحالف في آن واحد.

مقالات ذات صلة