بقلم عبد أبو شحادة
ترجمة وتحرير نجاح خاطر
في الوقت الذي ينشغل فيه العالم ببيانات الإدانة لسياسات الاحتلال في الضفة الغربية المحتلة، ويتجادل حول ما إذا كان الضم سيُنفَّذ أم لا، يكون الاحتلال قد حسم أمره على الأرض بالفعل، طردُ تجمعات سكانية، ومصادرةُ أراضٍ، ونقلُ الصلاحيات من جيش الاحتلال إلى سلطات مدنية تمهيدًا لترسيخ واقع جديد.
وعلى الرغم مرور عامين على حرب الإبادة المستمرة في غزة، لا يزال هناك من يعتقد أن الاحتلال يرتدع أمام الإدانات الدولية.
والواقع أن هؤلاء يتجاهلون بوعي أو بدونه حقيقة بسيطة، إذ أنه طالما لم تكن هناك قوة حقيقية تقف في وجه سياسات الاحتلال، فإنها ستتجه نحو مزيد من التوسع، ومن غير المرجح أن يتوقف هذا المسار عند حدود الضفة الغربية وقطاع غزة.
وإبان هذا الأسبوع تسارعت الخطة أكثر، بعد أن صادق مجلس الوزراء في دولة الاحتلال على ميزانية أولية تُقدَّر بنحو 244 مليون شيكل (79 مليون دولار) لإنشاء آلية جديدة لتسجيل الأراضي في المنطقة “ج” من الضفة الغربية المحتلة.
وبموجب هذه الآلية، سيتعين على المالكين الحاليين إثبات ملكيتهم للأراضي، وإذا عجزوا عن ذلك، تُسجَّل الأراضي باسم دولة الاحتلال.
وجاءت هذه الخطوة ضمن حزمة قرارات متلاحقة، من بينها إلغاء قانون يعود إلى الحقبة الأردنية كان يمنع بيع الأراضي للإسرائيليين.
ومن بين تلك الخطوات كذلك تطبيق القانون المدني للاحتلال في الضفة الغربية، في انتهاك صريح للقانون الدولي، ونقل الصلاحيات المتعلقة بالمسجد الإبراهيمي من بلدية الخليل إلى الإدارة المدنية التابعة للاحتلال.
كما تشمل الإجراءات تعزيز السيطرة في المنطقتين “أ” و”ب” عبر سحب مزيد من الصلاحيات من القيادة الفلسطينية؛ إلى جانب التوسع المتواصل في المشروع الاستيطاني.
وبطبيعة الحال، أدانت دول عربية هذا التحول في السياسات، غير أن الاحتلال، بعد الإبادة في غزة، وفي ظل مرحلة سياسية دولية تُهيمن عليها لغة القوة العسكرية والاقتصادية، بات يدرك أن ما وراء بيانات الشجب لن يتجاوز حدود الكلمات، لا عقوبات جدية، ولا قطع للعلاقات، ولا إلغاء لاتفاقيات التجارة والسلاح.
والأسوأ من ذلك، أنه في دورة أخبار عالمية لا تتوقف، يُرجَّح أن ينصرف اهتمام العالم خلال أيام إلى جريمة أخرى يرتكبها الاحتلال، سواء في الضفة الغربية أو غزة أو لبنان أو سوريا، أو حتى إلى حرب محتملة مع إيران.
تعميق الاحتلال
وحتى لو نظرنا إلى سياسات الاحتلال في الضفة الغربية قبل اندلاع حرب الإبادة في غزة، سنجد استراتيجية ثابتة وتدريجية هدفها تعميق الاحتلال وخلق وقائع دائمة على الأرض.
ومنذ ما قبل اتفاقيات أوسلو وحتى الأسبوع الماضي، لم يتغير جوهر السياسة، بل تغيّر فقط تقدير الاحتلال للمزاج الدولي.
لفهم هذا المسار، لا بد من قراءته تاريخيًا وقانونيًا، فقد رافق احتلال الضفة الغربية والقدس الشرقية عام 1967 نشوء ثقافة قانونية سخّر فيها قضاء الاحتلال نفسه لتوفير غطاء قانوني لإجراءات عسكرية ومصادرات أراضٍ في الأراضي المحتلة، مع توفير الحماية للجنرالات والجنود.
ففي عام 1979، قدّمت المحكمة العليا في دولة الاحتلال تفسيرًا لقانون عثماني قديم، اعتبرت بموجبه أن الأراضي العامة غير المسجّلة باسم مالك خاص أو غير المزروعة يمكن تصنيفها “أراضي دولة”، رغم أن الاحتلال لا يملك أي حق في إعلان أراضٍ محتلة غير مملوكة ملكية خاصة أو غير مزروعة ملكًا له.
ومع اتفاقيات أوسلو وتقسيم الضفة الغربية إلى مناطق “أ” و”ب” و”ج”، باتت المنطقتان”أ” و”ب” تشكلان نحو 40% فقط من مساحة الضفة، رغم أنهما تضمان قرابة ثلاثة ملايين فلسطيني، فيما تشكل المنطقة “ج” نحو 60% من المساحة، ويعيش فيها نحو 300 ألف فلسطيني.
اليوم، ومع تحرك الاحتلال لاستكمال ضم المنطقة “ج” ثم التقدم نحو بقية المناطق، يتضح من منظور تاريخي واسع أن الحكومة الحالية لا تفعل سوى تسريع استراتيجية قديمة، ما تغيّر فقط هو شكل الساحة الدولية.
في العقود الأولى للاحتلال، كان المجتمع الدولي يمنح وزنًا أكبر للقانون الدولي، وكانت سياسات الاحتلال أكثر حسابًا، خصوصًا في ظل الانتفاضة الأولى التي تزامنت مع حملة عالمية ضد نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، ومع انهيار الاتحاد السوفيتي.
في ذلك الوقت، أعادت تلك التحولات تشكيل النظام العالمي، ودفعت الخطاب الدولي نحو مفاهيم الديمقراطية الليبرالية والنمو الاقتصادي، بعيدًا عن العسكرة المباشرة.
ومن هذا المنظور، يمكن فهم اتفاقيات أوسلو باعتبارها إنجازًا تاريخيًا للاحتلال، فمنذ توقيعها، ارتفع عدد المستوطنين من نحو 300 ألف إلى ما يقارب 800 ألف اليوم.
كما عززت دول عربية علاقاتها مع الاحتلال عبر مسارات التطبيع، وتولت السلطة الفلسطينية إدارة الحياة المدنية للفلسطينيين، بما في ذلك ضبط المجتمع أمنيًا بتنسيق وثيق مع الاحتلال.
أما الشخصية التي رُوّج لها عالميًا كـ “حمامة سلام” وهي رئيس وزراء الاحتلال الأسبق إسحاق رابين فقد اقترح بناء جدار الفصل العنصري الذي استُخدم لاحقًا للاستيلاء على مزيد من الأراضي.
انتهاكات ممنهجة
يتجاهل الخطاب الحالي حول الضم، بما في ذلك الإدانات الدولية، عمدًا ثلاثة عقود من الوقائع، وتدرك الحكومة الحالية في دولة الاحتلال أنها ليست مضطرة حتى إلى محاولة تبرير خطواتها قانونيًا في الضفة الغربية، لأنها ببساطة لا تحتاج إلى ذلك.
ففي رأي استشاري صادر عام 2024، قضت محكمة العدل الدولية بأن الاحتلال للضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، لم يعد وضعًا مؤقتًا أو “مشروعًا” وفق قانون الاحتلال، بل تحول إلى نظام طويل الأمد ترافقه انتهاكات منهجية للقانون الدولي.
وأشارت المحكمة إلى أن سياسة الاستيطان، والضم الفعلي، والتحولات الديمغرافية والقانونية، وحرمان الشعب الفلسطيني من حقه في تقرير المصير، تجعل الوجود الإسرائيلي غير قانوني. وأكدت أن على تل أبيب إنهاء احتلالها، وأن على الدول الأخرى واجبًا بعدم تقديم أي مساعدة في استمرار الاحتلال.
لكن، عمليًا، لم يتغير شيء بعد هذا القرار، ففي مقابل حالة الجمود العربي، يتحرك الاحتلال بمرونة وسرعة، وهذه ليست مسألة حكومة بعينها، بل سياسة ثابتة تتكيف مع العالم ومع اللحظة الراهنة، وتحظى بدعم شعبي واسع.
فعندما ننظر إلى أن نحو 10% من مواطني دولة الاحتلال يعيشون في الأراضي المحتلة، يتضح أن المشروع الاستيطاني لم يعد شأن أقلية دينية قومية صغيرة، فالمستوطنون يأتون من مختلف أطياف المجتمع الإسرائيلي صهاينة دينيون، حريديم، علمانيون، مزراحيم، وأشكناز.
كما يدرك الاحتلال الأهمية الاقتصادية للمشروع، وإذا كان يخشى في الماضي مقاطعات أو تعليق اتفاقيات تجارية أو عسكرية، فإن هذه المخاوف لم تعد تحكم قراراته.
ففي ظل عامين من الإبادة في غزة، قدمت الولايات المتحدة نحو 22 مليار دولار مساعدات عسكرية، فيما سجّلت بورصة تل أبيب مستويات قياسية العام الماضي، متفوقة على أسواق عالمية.
تهدف الإبادة التي ينفذها الاحتلال إلى تدمير فكرة الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، من غزة إلى الضفة الغربية المحتلة، ولم يعد السؤال ما إذا كان بالإمكان إقامة دولة فلسطينية، في ظل مئات الآلاف من المستوطنين وتعقيدات قانونية هائلة تحيط بملكية الأراضي
لقد تم تصميم الخطوات الأخيرة لتكريس حقيقة أن ما يجري ليس مؤقتًا، وأن الدولة لن تتمكن مستقبلًا من التراجع عن الإجراءات التي اتُّخذت.
إن تفكيك إطار أوسلو ومنع قيام دولة فلسطينية يفتحان في المقابل نافذة سياسية مهمة أمام المخيال السياسي الفلسطيني.
فبعد عقود من الوعود بالدولة، لم يعد هذا المخيال قادرًا على الصمود، خصوصًا في ظل انهيار السلطة الفلسطينية.
وهناك حاجة ملحّة إلى نقاش فلسطيني داخلي جاد حول المستقبل، وحول المبادئ التي ينبغي أن توجه القيادة المقبلة.
للاطلاع على المقال الأصلي من (هنا)







