بقلم فرح شقير
ترجمة وتحرير نجاح خاطر
خلال نهايات العام الماضي، نشرت مجلة الإيكونوميست تقريراً بعنوان: “أي اقتصاد كان الأفضل في 2025؟”، حيث شمل التصنيف السنوي 36 دولة معظمها من الاقتصادات الغنية وسعى إلى تحديد “اقتصاد العام” للسنة الخامسة على التوالي.
وقد اعتمدت المجلة على خمسة مؤشرات هي حجم التضخم، والناتج المحلي الإجمالي، وسوق العمل، وأداء أسواق الأسهم، واتساع نطاق التضخم، أي نسبة فئات السلع التي شهدت زيادة سنوية في الأسعار تتجاوز 2%.
وبناءً على ترتيب الدول في كل مؤشر، جرى احتساب “مؤشر إجمالي للنجاح الاقتصادي” لعام 2025، والمفاجأة أن الاحتلال حلّ في المرتبة الثالثة بعد البرتغال وإيرلندا.
والواقع أن هناك مؤشران أساسيان قادا هذا “النجاح الاقتصادي”، فقد سجل اقتصاد الاحتلال نمواً في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 3.5% متجاوزاً المتوسط العالمي البالغ نحو 3.2%.
والأكثر إثارة أن سوق الأسهم شهد قفزة هائلة، إذ ارتفعت أسعار الأسهم بنسبة 53% خلال عام واحد، متفوقة على كبرى البورصات العالمية.
ورغم أن الاحتلال يشن حرب إبادة على غزة منذ أكثر من عامين، فإن هذه الأرقام عادة ما تعكس اقتصاداً قوياً، وشركات تحقق أرباحاً ونمواً، ومستثمرين محليين وأجانب يعبرون عن ثقتهم في الدولة.
ووفقاً لتقرير نشرته صحيفة “تايمز أوف إسرائيل” العبرية فقد “تدفّق المستثمرون الأجانب إلى الأسواق الإسرائيلية لشراء الأسهم بدءاً من منتصف عام 2024، بعد موجة بيع واسعة عند اندلاع الحرب في 2023”.
ونقلاً عن بيانات بورصة تل أبيب، أشار التقرير إلى أنه بحلول سبتمبر/أيلول الماضي، بلغت قيمة حيازات المؤسسات المالية الأجنبية في الأسهم المتداولة باستثناء الأسهم المدرجة مزدوجاً مستوى قياسياً تاريخياً قدره 19.2 مليار دولار، أي أكثر من ضعف القيمة المسجلة قبل اندلاع الحرب.
حلقة تغذية راجعة
وقد ركزت كثير من التغطيات على أن طابع شركات التكنولوجيا يغلب على سوق الأسهم لدى الاحتلال، في ظل طفرة عالمية أوسع في هذا القطاع.
ولتعزيز ما يُسمى “المرونة الاقتصادية”، شدد صندوق النقد الدولي على ضرورة أن يعزز الاحتلال “تفوقه التنافسي في التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي”.
وتظهر بيانات البنك الدولي بوضوح حجم الطفرة التقنية، مع ارتفاع مطّرد في نسبة صادرات التكنولوجيا العالية من إجمالي الصادرات الصناعية، إذ بلغت 37% في 2024، مقارنة بـ 8% فقط في 2006.
وتؤكد مؤسسات بحثية تابعة للاحتلال أن قطاع التكنولوجيا الفائقة شكّل المحرك الاقتصادي الرئيسي خلال العقد الماضي، إذ أسهم بأكثر من 40% من نمو الناتج المحلي الإجمالي بين عامي 2018 و 2023، ويعمل في هذا القطاع نحو 400 ألف شخص، ويمثل خُمس الناتج المحلي الإجمالي للاحتلال.
يبدو أن المستثمرين الأجانب مقتنعون بأن الاقتصاد القائم على التكنولوجيا قادر على “الإنجاز” لكن أي إنجاز هذا؟ إنه اقتصاد يُنتج الإبادة الجماعية بحق الشعب الفلسطيني، ويحوّل معاناته إلى مختبر ابتكار، ويعيد تدوير الدم في شكل أسهم صاعدة ومؤشرات متفوقة
وبحسب مركز “استراتيجي إنترناشونال” البحثي، فإن الاندماج “الفريد” بين التكنولوجيا والدفاع لدى الاحتلال خلق حلقة تغذية راجعة “تدفع باستمرار عجلة الابتكار” في مجالات الأمن السيبراني، والمراقبة، وأنظمة الاستخبارات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي.
وبالطبع فإن هذا يشمل “العلاقة الوثيقة بين جيش الاحتلال، والأوساط الأكاديمية، وصناعات التكنولوجيا الخاصة، لكن ماذا تعني هذه الحلقة فعلياً؟
تناول الكاتب أنتوني لوينشتاين هذا الموضوع في كتابه مختبر فلسطين: كيف يصدر الاحتلال تكنولوجيا القمع إلى العالم، موضحاً كيف تُستخدم فلسطين المحتلة ساحة اختبار قاسية للتكنولوجيا العسكرية، حيث يجري تطوير الأنظمة الأمنية واختبارها عملياً على أجساد الفلسطينيين.
ورغم استمرار حرب الإبادة في غزة، لا يزال اقتصاد الاحتلال يحظى بالإشادة من المؤسسات المالية الدولية ومؤشرات المعرفة العالمية.
فعلى سبيل المثال، صنف مؤشر الابتكار العالمي الأخير الصادر عن وكالة تابعة للأمم المتحدة اقتصاد الاحتلال في المرتبة الرابعة عشرة من أصل 139 اقتصاداً، وجاء في المرتبة الأولى بين دول شمال أفريقيا وغرب آسيا.
قمع مؤتمت
وفي سياق موازٍ، أقرت الأمم المتحدة بدور الكيانات الاقتصادية في ترسيخ الاحتلال غير القانوني وحملته الإبادية المستمرة.
وفي تقرير صدر الصيف الماضي بعنوان “من اقتصاد الاحتلال إلى اقتصاد الإبادة”، وصفت المقررة الخاصة للأمم المتحدة، فرانشيسكا ألبانيزي المجمع الصناعي العسكري للاحتلال بأنه “العمود الفقري الاقتصادي للدولة”.
وأشار التقرير إلى أن “قمع الفلسطينيين أصبح مؤتمتاً بصورة متزايدة، حيث توفر شركات التكنولوجيا بنية تحتية مزدوجة الاستخدام تدمج جمع البيانات على نطاق واسع وأنظمة المراقبة، مستفيدة من ساحة الاختبار الفريدة التي توفرها الأراضي الفلسطينية المحتلة للتكنولوجيا العسكرية”.
وأضاف أن هذا الاقتصاد “تغذّيه عمالقة التكنولوجيا الأميركيون عبر إنشاء فروع ومراكز أبحاث وتطوير داخل دولة الاحتلال”.
وقد لخص مقال حديث نشره موقع كالكاليست الاقتصادي التابع للاحتلال المشهد بدقة، مشيراً إلى أن قطاع التكنولوجيا “حوّل الأزمة إلى محفّز”، إذ شهد عام 2025 طفرة في عمليات الاندماج والاستحواذ وعمليات الطرح العام الأولي.
ولعب الابتكار المدفوع بالقطاع الدفاعي دوراً محورياً، إذ أكد التقرير أن “قدرة الاحتلال على دمج البحث العسكري مع ريادة الأعمال المدنية كانت حاسمة”.
وعلى خلاف الوصفات النيوليبرالية التقليدية للإصلاح الهيكلي، يبدو أن “التكامل المستدام” بين القطاعين العام والخاص خصوصاً في مجالات البحث والتطوير يمثل استراتيجية ناجحة للاحتلال.
لكن ماذا تكشف هذه العودة الاقتصادية فعلياً؟ إنها تكشف أن المستثمرين الأجانب باتوا مقتنعين بأن اقتصاد الاحتلال القائم على التكنولوجيا قادر على الإنجاز.
لكن ذات الإجابة تكشف في ذات الوقت أن اقتصاد الاحتلال يُنتج الإبادة الجماعية بحق الشعب الفلسطيني، ويحوّل معاناته إلى مختبر ابتكار، ويعيد تدوير الدم في شكل أسهم صاعدة ومؤشرات متفوقة.
للاطلاع على المقال الأصلي من (هنا)







