رمضان في غزة: خيام بدل البيوت وذكريات بدل الموائد

ترجمة وتحرير موقع بالعربية

لم تجلب الأيام القليلة الأولى من شهر رمضان سوى القليل من الراحة للفلسطينيين في قطاع غزة، ففي الوقت الذي اجتمع فيه زعماء العالم في واشنطن لحضور الاجتماع الافتتاحي لمجلس السلام الذي أنشأه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وتعهدوا بمليارات لإعادة إعمار غزة، يقف سكان القطاع المدمر أمام مشهد لا زال مليئاً بالخسائر والنزوح والقصف المتقطع ولا يختلف كثيراً عن رمضانين فاتا خلال الحرب.

لقد انهار اتفاق مماثل لإطلاق النار تم التوصل إليه في يناير من العام الماضي خلال الشهر الفضيل بعد أن انتهكت إسرائيل الهدنة من جانب واحد واستأنفت هجومها، مما ترك الكثيرين في حالة من التشكك مما قد ينتظر مستقبلهم.

“حياتنا بسيطة في خيمة، ومن الصعب أن نجد صديقاً نتمنى له رمضان مبارك، فقد اعتدنا أن ندعو بعضنا البعض لتناول الإفطار، ولكن اليوم، كل ما لدي هو ذكريات، فما زلت أتذكر أنه في هذا اليوم، كان أحد الأصدقاء يدعوني لتناول الإفطار” – زياد ظاهر- فلسطيني نازح في غزة لميدل إيست آي

وفي هذا العام، تضطر عائلات أكثر من 72 ألف فلسطيني قتلوا في القصف الإسرائيلي المتواصل منذ أكتوبر عام 2023، إلى مواجهة شهر رمضان في فراغ من الحزن والخسارة والتجمعات الممزقة.

في حديثه لميدل إيست آي من خيمته المؤقتة في مخيم النصيرات للاجئين، يقول زياد ظاهر، وهو فلسطيني نازح من شمال غزة: “لا يوجد فرق حقيقي بين رمضان الآن ورمضان أثناء الحرب، فالفرق الوحيد هو أن تراجع وتيرة القتل وسفك الدماء”.

بالنسبة لظاهر، فغياب الأحبة هو السمة المميزة للشهر الكريم لهذا العام، حيث يقول: “لقد فقدنا مجالس الناس الذين نحبهم، فلم يبق لي أحد اليوم وأنا مازلت نازحاً من شمال غزة، وليس لدي إخوة أو أصدقاء هنا، فكل أصدقائي استشهدوا وبقي واحد فقط، ومن عائلتي استشهد أغلى الناس”.

ورغم الهدوء النسبي في القصف، إلا أن الهجمات لم تتوقف بشكل كامل، ففي اليومين الأولين من شهر رمضان، استشهد فلسطينيان وأصيب 4 آخرون في أنحاء قطاع غزة، ومنذ اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر الماضي، استشهد ما لا يقل عن 603 فلسطينياً وأصيب 1618 آخرون، وفقاً لوزارة الصحة في غزة.

يذكر أن معظم الوفيات كانت جراء تفجيرات وإطلاق نار بالقرب من الخط الأصفر، في حين استشهد آخرون في غارات إسرائيلية على مناطق كان من المفترض أن تكون آمنة!

بالنسبة للعديد من العائلات، فقد أدى وقف إطلاق النار إلى تغيير حدة الهجمات، لكنه لم يغير واقع الحزن والتشريد والمجتمعات الممزقة التي لا تزال تشكل الحياة اليومية في غزة، حيث يقول ظاهر: “في شهر رمضان، قبل بدء الحرب عام 2023، كنا نعلق الزينة ونشتري المأكولات والحلويات ونشاهد المسلسلات الرمضانية، واليوم لا شيء من ذلك موجود”.

وأضاف: “حياتنا بسيطة في خيمة، ومن الصعب أن نجد صديقاً نتمنى له رمضان مبارك، فقد اعتدنا أن ندعو بعضنا البعض لتناول الإفطار، ولكن اليوم، كل ما لدي هو ذكريات، فما زلت أتذكر أنه في هذا اليوم، كان أحد الأصدقاء يدعوني لتناول الإفطار”.

وأوضح ظاهر بأن لا يمكن أن يشعر بنفس الشعور السابق لرمضان حتى في ظل وقف إطلاق النار، لأنه لا يزال ممنوعاً من العودة إلى منطقته، فقال: “الحرب لم تتوقف، فلا أستطيع حتى الوصول إلى منزلي ولا أستطيع رؤيته لأنه يقع في منطقة ممنوع علينا دخولها ولا تزال تحت الاحتلال، فكيف تكون الحرب قد توقفت وأنا لا أزال غير قادر حتى على رؤية أنقاض منزلي؟!”.

“بمجرد إعلان رؤية هلال رمضان، اغرورقت عيناي بالدموع، فقد افتقدت والدي وأخي اللذين استشهدا مع حوالي 20 من أصدقائي، وخلال شهر رمضان، كنا نشتري الأشياء معاً ونتناول الإفطار معاً” – أم محمد أبو قمر من سكان غزة لميدل إيست آي

بموجب اتفاق وقف إطلاق النار، فقد فرضت إسرائيل “الخط الأصفر”، وهو منطقة عسكرية محظورة في شمال وشرق غزة لا تزال تحت السيطرة الإسرائيلية، حيث قامت القوات الإسرائيلية منذ أكتوبر الماضي بدفع الخط الأصفر غرباً تدريجياً، مما أخضع ما يقرب من 58% من قطاع غزة لسيطرتها وضم المزيد من الأحياء، تاركاً عشرات الآلاف من الفلسطينيين غير قادرين على الوصول إلى منازلهم.

رمضان في خيمة

رغم تمكن أم محمد أبو قمر، التي تقيم منذ فترة طويلة في مخيم جباليا للاجئين في شمال غزة، من قضاء رمضانين الماضيين في منزلها على الرغم من الهجمات العنيفة، إلا أنها باتت مضطرة هذا العام للاحتفال بشهر رمضان في خيمة مؤقتة في وسط غزة، بعيداً عن المنزل والمجتمع الذي عرفته من قبل.

في حديثها لميدل إيست آي، قالت أم محمد البالغة من العمر 50 عاماً: “كان اليوم الأول من شهر رمضان حزيناً لأنني لم أقضيه في منزلي، فقد قضيت رمضانين الماضيين في منزلي في جباليا، رغم أننا اضطررنا إلى وضع ألواح الزنك بدلاً من الجدران المدمرة، أما اليوم، فأنا في خيمة وأفتقد بيتي وأفتقد جباليا وأشتاق للعودة وشم ترابه”.

ورغم أنه لا يزال من الممكن الوصول إلى بعض أجزاء جباليا، إلا أن معظم السكان لم يعودوا بعد، إما لأن أحيائهم سويت بالأرض بالكامل أو بسبب الهجمات الإسرائيلية المستمرة في المنطقة.

إلى جانب آلام النزوح العميقة، تقضي أبو قمر شهر رمضان هذا العام دون شقيقتيها وصهريها الذين استشهدوا في الهجمات الإسرائيلية، فتروي قائلة: “في أول يوم من رمضان، كانت أفكاري معهم وخاصة أختي الكبرى التي ربتني، وكنت أعتبرها دائماً بمثابة الأم، وأختي الصغرى كانت صديقتي، وكنا نجتمع وندعو بعضنا البعض على الإفطار”.

وأضافت: “أما رمضان هذا العام يبدو مختلفاً لأن التجمعات قد انتهت، فقد كنا نتشارك الإفطار معاً واليوم، ابنتاي من دون زوجيهما، فابنتي الصغرى تبلغ من العمر 19 عاماً والأخرى تبلغ من العمر 24 عاماً، كان أحد زوجيهما صحفياً والآخر يعمل طاهياً في مصنع للكعك”.

ويشارك أم محمد هذا الحزن فؤاد حجازي من سكان مدينة غزة، والذي قال في حديثه لميدل إيست آي: “بمجرد إعلان رؤية هلال رمضان، اغرورقت عيناي بالدموع، فقد افتقدت والدي وأخي اللذين استشهدا مع حوالي 20 من أصدقائي، وخلال شهر رمضان، كنا نشتري الأشياء معاً ونتناول الإفطار معاً”.

على مدى العامين الماضيين، احتفل الفلسطينيون في جميع أنحاء قطاع غزة بشهر رمضان في ظل مجاعة تفرضها إسرائيل، قتلت خلالها القوات الإسرائيلية مئات الفلسطينيين الذين كانوا ينتظرون المساعدة في مدينة غزة، فيما أطلق عليه اسم “مجازر الطحين”.

أما رمضان هذا العام، فقد عادت أسواق غزة ممتلئة بالبضائع كما كانت في فترة ما قبل الحرب، ومع ذلك، بالنسبة للكثيرين في غزة، لا تزال هذه المواد بعيدة المنال إلى حد كبير، ولا يمكن تحمل تكاليفها وسط الدمار شبه الكامل للقطاع الاقتصادي الفقير في القطاع.

يقول حجازي: “أنا بلا عمل منذ عامين ونصف، ولا أستطيع تحمل الأسعار الحالية حتى مع توفر السلع لذلك نعتمد على المطابخ الخيرية، حيث نقضي اليوم في تعبئة المياه وجمع الحطب ونحصل على الطعام من المطابخ الخيرية بحلول منتصف النهار، وبحلول وقت الإفطار يكون الطعام قد برد وعلينا إشعال النار لتدفئته”.

ورغم أن اتفاق وقف إطلاق النار نص على دخول حوالي 1,500 حمولة شاحنة من غاز الطهي إلى غزة بحلول نهاية يناير الماضي، إلا أن 307 شاحنات فقط تحمل حوالي 6,458 طناً من الغاز وصلت فعلياً، مما يغطي حوالي 20% من احتياجات القطاع، وفقاً للهيئة العامة للبترول في غزة، ونتيجة لذلك، تضطر العديد من الأسر إلى الاعتماد على الحطب للطهي خلال شهر رمضان مثلما حدث أثناء الحرب.

قال حجازي: “إن الوضع اليوم أصعب من المجاعة التي شهدناها خلال شهر رمضان خلال العامين الماضيين، فأثناء المجاعة، لم تكن البضائع موجودة، ولكن اليوم نراها ولا نستطيع شراءها لأطفالنا، فقد خسرنا كل أموالنا بسبب النزوح وشراء الخيام والانتقال من منطقة إلى أخرى، وبحلول شهر رمضان، لم نكن مستعدين على الإطلاق”.

للاطلاع على النص الأصلي من (هنا)

مقالات ذات صلة