بقلم آزاد عيسى
ترجمة وتحرير نجاح خاطر
في مطلع الشهر الجاري، توجّهت مجموعة من طالبات مدرسة “كينغ ديفيد” الثانوية في جوهانسبرغ إلى مدرسة أخرى مرموقة للبنات في المدينة تدعى “رودين”، وذلك لخوض مباراة في كرة التنس، لكن ما إن وصلن إلى الملاعب حتى وجدنها خالية.
وبعد دقائق فقط، نشر بروس نوزايك، نائب مدير مدرسة كينغ ديفيد، رسالة صوتية زعم فيها أن المباراة لم تُقم “لأن الفتيات اللواتي كُنَّ ذاهبات إلى الملعب يهوديات”، ثم لم تمضِ سوى بضع ساعات حتى تصدّر خطاب “معاداة السامية” المشهد.
وُضعت إدارة مدرسة رودين في قفص الاتهام إعلاميًا، وطُلب منها الرد على مزاعم التمييز، ومع تصاعد الضغوط، سارعت المدرسة إلى الاعتذار، ثم استقالت مديرتها، وأعقبها رئيس مجلس إدارتها، أما مدرسة كينغ ديفيد ومؤسسات يهودية أوسع في جنوب أفريقيا، فقد قبلت الاعتذار والتغييرات الإدارية بسرعة.
وبدوره، قال الحاخام ريكي سيف، من مجلس التعليم اليهودي في جنوب أفريقيا: “نشعر بالارتياح، إذ لم تكن لدينا أي رغبة في خوض نزاعات علنية مطوّلة مع مدارس مستقلة أخرى، نريد استئناف العلاقات الطبيعية، حيث كان من المهم الوقوف في وجه معاداة السامية، والآن نريد فقط إعادة مجتمعنا وأطفالنا إلى حيث ينبغي أن يكونوا : مكان يمارسون فيه الرياضة”.
غير أن كثيرين ممن تابعوا ما جرى يؤكدون أن القضية لم تُحل فعليًا، فالسؤال الجوهري حول السبب الذي جعل طالبات مدرسة رودين يقررن عدم خوض المباراة لأجله، تم طمسه.
فماذا حدث؟ وماذا تكشف هذه الواقعة عن طبيعة الصهيونية في جنوب أفريقيا؟
الإبادة في غزة… وصحوة جنوب أفريقية
على مدار عامين ونصف من الإبادة الجماعية التي ترتكبها دولة الاحتلال في غزة، شهدت جنوب أفريقيا حالة مراجعة عميقة، خصوصًا بين الشباب، بشأن إنهاء العلاقات مع الشركات والمؤسسات التي يُنظر إليها على أنها متواطئة في قتل الفلسطينيين وتهجيرهم قسرًا.
ومع تصدّر الحكومة الجنوب أفريقية المشهد القانوني ضد دولة الاحتلال أمام محكمة العدل الدولية، في قضية تتعلق بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية، اندفع كثير من الشباب لدعم الجهود الرامية إلى مساءلة الاحتلال.
تجلّت هذه المواقف في رفع الصوت دفاعًا عن فلسطين، ورسم الجداريات، والمشاركة في حملات مقاطعة منتجات الاحتلال أو الدعوة إليها.
وبكلمات أخرى، فإن مقاطعة مباراة مدرسة كينغ ديفيد لم تكن متعلقة بمعاداة السامية، بل بعلاقة المدرسة الوثيقة بدولة الاحتلال.
تعود جذور الأزمة إلى أكثر من عام، حين عبّر أولياء أمور عدد من لاعبات التنس في مدرسة رودين عن انزعاجهم من مباراة أُقيمت في كينغ ديفيد عام 2025، فقد وجدت الطالبات المدرسة محاطة بإجراءات أمنية بدت أقرب إلى ثكنة عسكرية، مع وجود عناصر يحملون أسلحة من الطراز العسكري عند البوابات.
داخل الحرم المدرسي، رُفعت أعلام دولة الاحتلال في كل مكان، وعلّقت ملصقات لأسرى إسرائيليين تحتجزهم حركة حماس.
عادت الطالبات وأبلغن إدارة رودين بما شاهدنه، وطلبن لاحقًا أن تُعتبر مباراة فبراير/شباط لاغية من جانبهن.
لم يسعَ الطلاب إلى تحويل المقاطعة إلى استعراض إعلامي، لم تُستدعَ الصحافة، ولم تُنظم مظاهرات، بل كان الأمر رفضًا طلابيًا هادئًا، لا احتجاجًا صاخبًا.
لكن كيف تحوّلت مقاطعة واضحة في بلد له تاريخ طويل مع انتفاضات الطلبة، وذاكرة حية عن المقاطعة الدولية التي أسهمت في إسقاط نظام الفصل العنصري، إلى قضية مُفرغة من مضمونها، تُختزل في اتهامات “معاداة السامية”؟
وكيف أُجبرت المدرسة التي استجابت لطلب طالباتها بالمقاطعة على الاعتذار، وتقديم مديرتها، وهي امرأة من ذوي البشرة السوداء، كقربان سياسي، فقط لأنها لم تُرد خوض مباراة ضد مدرسة تُظهر دعمًا لنظام فصل عنصري وتحتفي بإبادة جماعية؟
بحسب الرواية السائدة في الإعلام، فإن المشكلة تكمن في عجز مدرسة رودين عن توضيح أسبابها بوضوح، فقد ترددت الإدارة، وتلعثمت، وقدّمت تفسيرات مرتبكة عن تضارب في المواعيد وورش أكاديمية، بدل أن تصارح بالحقيقة، وكان لذلك ثمن باهظ.
تسجيل مسرّب… وفخّ محكم
قبل المباراة التي أُلغيت بأيام، اتصلت فوتي موغالي، المديرة السابقة لمدرسة رودين، بلورين سراج، مديرة مدرسة كينغ ديفيد، “لاستشارتها”، كما قالت، حول مسألة تواجهها المدرسة.
تلعثمت موغالي في شرح أسباب اعتراض بعض أولياء الأمور على خوض المباراة، لكنها قالت ما يكفي لتدرك سراج أن القضية تتعلق بموقف المدرسة من دولة الاحتلال، وسألتها إن كانت قد واجهت مواقف مشابهة.
أجابت سراج: “لم نتعرض لأي ضغط من أي مدرسة أخرى، جميع مبارياتنا أُقيمت، وخصوصًا في العامين والنصف الماضيين، لم نواجه أي ضغط… فهل يعترض أولياء أموركم على اللعب ضدنا؟”
ردّت موغالي: “نعم، هم يقولون إنه بسبب الموقف الذي اتخذته الحكومة، من المفترض أن ندعمه، وأظل أذكّرهم بأن المدارس غير سياسية أولًا وقبل كل شيء، خصوصًا في جنوب أفريقيا؛ نحن لا نتخذ مواقف كهذه”.
وسألتها سراج: “إذًا ليست المسألة مجرد كوننا مدرسة يهودية؟” لتجيبها: “حاليًا تُقدَّم كأنها مسألة مدرسة يهودية، لكنها ستكبر، هناك مدارس أخرى لا يريدون اللعب ضدها”.
لم تكن موغالي تعلم أن المكالمة كانت تُسجَّل، وقد كان تعبيرها عن أن المقاطعة “تُقدَّم كأنها مسألة مدرسة يهودية” كافيًا لتُشهر سراج ورقة “معاداة السامية”.
بمعنى آخر، حين اتصلت موغالي بزميلة مهنية ظنت أنها ستناقش معها المسألة بحسن نية، وجدت نفسها أمام مؤسسة صُممت أصلًا لحماية مصالح دولة الاحتلال، وأدركت أنها قد دخلت الفخ مباشرة.
مدرسة أم ذراع أيديولوجية؟
ليست مدرسة كينغ ديفيد في جوهانسبرغ مجرد مدرسة ثانوية، بل تشكل الحلقة الأخيرة في شبكة من المدارس اليهودية الصهيونية، من رياض الأطفال حتى المرحلة الثانوية، أُنشئت بهدف واضح: غرس حبّ دولة الاحتلال في نفوس اليهود بجنوب أفريقيا.
وقبل سنوات، وُصفت الشبكة بأنها “الأكبر في نصف الكرة الجنوبي”، حيث تضم نحو 2700 طالب، ويعمل فيها 385 معلمًا عبر ما لا يقل عن عشر مدارس.
تأسست المدرسة عام 1948، وهو العام الذي أُعلنت فيه دولة الاحتلال، على أساس صهيوني صريح، وتُدار تحت مظلة مجلس التعليم اليهودي في جنوب أفريقيا، أحد أعمدة الحياة اليهودية المؤيدة للصهيونية في البلاد، حيث تضع دولة الاحتلال بوصفها “البوصلة”.
وينص المجلس الخاص بالمدرسة: “بصفتنا منظمة، نحن ملتزمون بدولة إسرائيل، ونجاحها المستمر، وشرعيتها، والدور الحيوي الذي تؤديه في حياة اليهود في الشتات”.
ويعرّف دستور التعليم اليهودي بالمدرسة على أنه “استمرار للتعليم اليهودي والصهيوني وفق الخطوط الأرثوذكسية التقليدية والعرفية، والاعتراف بمركزية دولة إسرائيل للشعب اليهودي”.
أما مدوّنة السلوك في المدرسة، فتنص على أن هدفها إعداد شباب يهود “ملتزمين ببقاء الشعب اليهودي وبرفاه كل من إسرائيل وجنوب أفريقيا”.
يُعزف النشيد الوطني لدولة الاحتلال في التجمعات المدرسية، ويُرسل الطلاب في رحلات إلى الأراضي المحتلة، وعلى غرار برامج “بريث رايت” في الولايات المتحدة، يعيشون تجربة “تحاكي” دور الجنود.
كما تستضيف المدرسة مناسبات قومية إسرائيلية مثل “يوم القدس”، حيث يُعرض للطلاب تسجيل مصوّر لحرب 1967 وما يُسمى “تحرير البلدة القديمة”.
ويشارك الطلاب في “مسابقة إسرائيل”، التي قالت صحيفة “جويش ريبورت” إنها تساعد على “التثقيف وغرس حب إسرائيل، وترسيخ القيم الصهيونية لمدارسنا”.
حتى الفرق الرياضية داخل المدرسة تحمل أسماء هرتزل، وبن غوريون، ووايزمان، و بياليك، وجميعهم من مؤسسي المشروع الصهيوني.
“تشويه متعمّد للتاريخ”
على مدار السنوات، تحدّث خريجون سابقون عمّا وصفوه بتبييض للتاريخ والواقع السياسي، حيث كتب دانيال فريدمان، أحد خريجي التسعينيات، في رسالة عام 2025 دعا فيها المدرسة إلى مراجعة مسارها جاء فيها:
“كطالب في هذه المدرسة في التسعينيات، دُرّستُ تاريخًا صهيونيًا، شمل تشويها متعمّداً للحقيقة، مثل الفكرة التي تدعي أن دولة إسرائيل كانت ’أرضًا بلا شعب لشعب بلا أرض’، وأنها تمتلك ‘أكثر جيش أخلاقي في العالم’، وهو ادعاء ثبت لاحقًا أنه بعيد تمامًا عن الواقع إلى درجة يبدو أنه أُسقط من خطاب الدعاية”.
وبالنسبة لـ لورين سراج، والتي كانت أول امرأة تتولى إدارة “كينغ ديفيد”، فقد أمضت 45 عامًا في المدرسة، بدأت تعمل فيها كمعلمة للتربية البدنية والتاريخ، ثم ترأست قسم التاريخ، وفي عام 2015 عيّنها المجلس مديرة عامة.
وفي عام 1992، ومع انتقال جنوب أفريقيا بعيدًا عن نظام الفصل العنصري، اصطحبت طلابًا إلى دولة الاحتلال لثلاثة أشهر ضمن دورة مكثفة لتعليم العبرية.
ومؤخرًا، قال نائب المدير الأول، توم جونسون، إن عائلة سراج في جنوب أفريقيا وأستراليا “صقلت صهيونيته وحبه لإسرائيل”، مضيفًا: “هي بلا شك أعظم أصل مهني لمجلس التعليم اليهودي في جنوب أفريقيا”.
بكلمات أخرى، لم يكن لجوء مدرسة كينغ ديفيد إلى تهمة “معاداة السامية” رد فعل عفويًا أو “كسولًا”، كما كتب أحد المعلقين، بل كان خطوة محسوبة لدمج الصهيونية باليهودية، وطمس الحق الديمقراطي للطلاب في المقاطعة، وهذا تحديدًا ما أُنشئت المدرسة لأجله.
وفي رسالة مفتوحة هذا الأسبوع، كتبت مجموعة “يهود جنوب أفريقيا من أجل فلسطين حرّة”: إن مدرسة كينغ ديفيد تعزّز الأسطورة المعادية للسامية التي تزعم أن جميع اليهود صهاينة، وتُسكت طلابها الذين يشككون في ذلك أو يجرؤون على انتقاد معاملة إسرائيل للفلسطينيين”.
وأضافت: “نحن ندعم هؤلاء الطلاب ورفضهم للظلم، وعلى أولياء الأمور والمعلمين وإدارة رودين أن يفعلوا الشيء ذاته”.
تصعيد قانوني… وتثبيت الرواية
في مكالمة ثانية بين موغالي وسراج، بعد يوم من المباراة الملغاة، بدت مديرة رودين أكثر إدراكًا لحجم المأزق، ففي تسجيل انتشر على نطاق واسع عبر “واتساب”، أبلغت موغالي نظيرتها بأنها قلقة من اتهام أحد موظفي كينغ ديفيد لمدرستها بمعاداة السامية.
لكن سراج لم تتحدث بروح الزمالة، بل شددت موقفها، قائلة: “الاتهام قائم إلى حد كبير على حقيقة أنكم لم ترغبوا في اللعب ضدنا لأننا مدرسة يهودية، لم يخرج الأمر بصورة أخرى”.
وأضافت لاحقًا: “نحن نتشاور مع محامينا أيضًا، لأن هذا يضع سابقة في الرياضة المدرسية، وبحسب دستور رابطة مدارس جنوب أفريقيا، المدارس هي مؤسسات غير سياسية”.
هكذا، تحولت مقاطعة طلابية هادئة إلى قضية قانونية، وأُعيد تأطيرها بوصفها اعتداءً على الهوية الدينية، لا موقفًا سياسيًا من أيديولوجيا.
خطوط الصدع في جنوب أفريقيا
وبعد أسابيع على الحادثة، لا تزال وسائل الإعلام الجنوب أفريقية تناقش من يتحمل مسؤولية الفوضى، لكن القليل من الاهتمام وُجّه إلى شرعية شبكة مدارس كينغ ديفيد ذاتها.
كيف يُسمح لمؤسسة تعليمية تعلن ولاءها لدولة أخرى، بل لأيديولوجيا استيطانية إحلالية، بأن تعمل دون مساءلة في بلد خَبِر الفصل العنصري؟
وكيف يُطلب من الطلاب التوفيق بين الولاء لدولة أسهمت في هزيمة الأبارتهايد، نظريًا على الأقل، وأخرى تُتهم بممارسة فصل عنصري وإبادة جماعية؟
وعن هذا، قال أحد أولياء أمور مدرسة رودين، طالبًا عدم الكشف عن هويته خشية الانتقام من المدرسة أو من جماعات صهيونية في جوهانسبرغ: “الذهاب للعب في كينغ ديفيد يشبه اللعب ضد مدرسة لا تزال ترفع علم الأبارتهايد، الطالبات قمن بالشيء الجنوب أفريقي، جلسن خارج المباراة”.
وأضافت والدة أخرى: “هي مدرسة صهيونية أكثر من كونها يهودية، يبدو أنهم يريدون الحق في أن يكونوا عنصريين، والحق في اتهام أي شخص يكشفهم بمعاداة السامية”.
ثمة ما يدعو المجتمع الصهيوني في جنوب أفريقيا إلى الاعتقاد بإمكانية الإفلات من المحاسبة، فقد أفادت تقارير بأن أكثر من 450 جنوب أفريقيًا قاتلوا إلى جانب جيش الاحتلال منذ بدء الإبادة في غزة أواخر 2023، وسط غياب إرادة سياسية لمساءلتهم.
ومع ذلك، تكشف حادثة رودين عن رياح متغيرة في المجتمع الجنوب أفريقي، وعن تصدعات عميقة في مؤسسات خاصة يُفترض أن تكون أكثر وعيًا بتاريخ البلاد.
وبينما تُعد رودين مدرسة عريقة، فإن تصعيد كينغ ديفيد السريع يحمل رسالة تحذير إلى غيرها من المدارس والمؤسسات مفاده أن أي اعتراض على الصهيونية لن يُتسامح معه.
قد لا تكون الضجة حول مباراة التنس الملغاة قد انتهت كما كان ينبغي، لكنها فتحت نقاشًا لم يعد من السهل احتواؤه أو إسكاته.
للاطلاع على المقال الأصلي من (هنا)







