بقلم حسن حرز الله
ترجمة وتحرير مريم الحمد
قبل أيام قليلة، كنت أسير مع صديق عبر الخيام في المواصي جنوبي قطاع غزة، وكنا متجهين إلى مقهى صغير كنت أتردد عليه منذ أن أصبح سقف منزلي من القماش.
كانت الأرض تحتنا طينية وهواء الشتاء ثقيل والوجوه من حولنا أثقل، فقد كنا نتحدث عن تشكيل “مجلس السلام” بقيادة الولايات المتحدة، في مرحلة ما يسمى وقف إطلاق النار الذي كان من المفترض أن يحدد مسار الاستقرار وإعادة الإعمار.
في تلك اللحظة بالضبط، مزق صوت انفجار الهواء فتوقفنا عن الحديث، ووجدت نفسي أسأل: كيف يكون هذا وقفاً لإطلاق النار؟ كيف يمكن إعلان السلام والانفجارات لا تزال تدوي فوق رؤوسنا؟!
قيل لنا إن الحرب قد توقفت، لكن حياتنا لم تتغير بشكل جذري، فلا تزال الانفجارات تخلل الليل والبيوت تتساقط والأصدقاء ما زالوا مدفونين، فالشيء الوحيد الذي تغير هو اللغة الدولية وليس واقعنا.
منذ الإعلان عن “وقف إطلاق النار” في غزة، تساءلت عما تعنيه هذه الكلمة في الواقع، بالنسبة للفلسطينيين في القطاع، فقد كان من المفترض أن يعني ذلك على الأقل لحظة قصيرة من الاستقرار، ولكن بدلاً من ذلك، لم يتغير سوى القليل جداً.
كان أول ما تخيلته عندما سمعت كلمة “وقف إطلاق النار” هو مغادرة خيمتنا، وفي المواصي، لا تزال آلاف العائلات النازحة غير قادرة على العودة إلى منازلها، وسط استمرار تواجد الاحتلال الإسرائيلي في التجمعات المجاورة، حيث كان يعتقد الكثير من الناس أن وقف إطلاق النار سوف يعقبه انسحاب إسرائيلي، إلا أن هذا لم يحدث.
لقد ظلت بعض المنازل سليمة جزئياً وصالحة للسكن من الناحية الفنية، لكنها تقع بالقرب من “المناطق الصفراء” الإسرائيلية، وهي مناطق تتميز بالانتهاكات اليومية، فالعائلات تخشى العودة لأن التهديد بضربة مفاجئة أو توغل يفوق راحة الجدران الخرسانية، ولذلك اختارت العديد من العائلات خيمة باردة تغرق تحت المطر، بدلاً من منزل يخيم عليه الخطر والألغام.
قيود مستمرة
ما زلنا نحمل مفتاح شقة أقاربي، فالباب قائم والجدران لا تزال موجودة، ولكن عندما عدت مؤخراً، سمعت الدبابات تتحرك والانفجارات قريبة بما يكفي لأشعر بها في صدري.
لقد تم قصف العديد من المنازل منذ دخول “وقف إطلاق النار” حيز التنفيذ، وتم هدم حوالي 2500 مبنى آخر في تلك الفترة التي بدأت في أكتوبر الماضي.
إذا كان وقف إطلاق النار يعني العودة إلى الوطن، فهذا لم يحدث، وإذا كان ذلك يعني توقف الدمار، فهذا لم يحدث أيضاً، فقد كان من المفترض أيضاً أن يعني وقف إطلاق النار حرية الحركة ولكنه لم يحدث، فأنا مثلاً كنت أحلم بالخروج وإكمال تعليمي.
أثناء الحرب ووسط الخيام وانقطاع التيار الكهربائي والجامعات التي تحولت إلى أنقاض، تشبثنا نحن الطلاب بدراساتنا كما لو كانت شريان الحياة، فأصبحت المدارس ملاجئ وتم تدمير الجامعات، لكن الآلاف واصلوا الدراسة عبر الإنترنت، فالتعليم لم يكن ترفاً، بل طريقة للحفاظ على المعنى من البقاء في ظل حرب الإبادة.
بحلول نهاية عام 2025، حصلت على عروض جامعية في الخارج، وكنت أعتقد أن وقف إطلاق النار سوف يحقق شيئاً ملموساص، مثل فتح المعابر للطلاب الذين لديهم عروض في الخارج وللمرضى الذين يحتاجون إلى رعاية طبية عاجلة، وبدلاً من ذلك، ما زالت المعابر تعمل بطريقة محدودة، فالقيود لا تزال قائمة والإجراءات غامضة، فالمنح الدراسية التي تم الحصول عليها خلال سنوات من العمل معلقة، وغالباً ما يواجه المرضى تأخيرات تهدد حياتهم للعلاج في الخارج.
وهنا أسأل، إن كان حتى الحق في متابعة التعليم خارج منطقة الحرب محجوباً، فما الذي تغير بالضبط في وقف إطلاق النار؟ فرقتنا الحرب بالتهجير والخطر، فعلى أقل تقدير، كنا نأمل أن تعني الهدنة توقف القتل!
تناقض صارخ
كان عيسى صديقاً من حي رفح الذي كنت أعيش فيه قبل الحرب، وكان المعيل الوحيد لعائلته، وقد خاطر بالذهاب إلى ما يسميه الناس هنا “فخاخ الموت” للحصول على المساعدات خلال المجاعة، وعلى الرغم من نيران القناصة، نجا من القصف والرصاص والجوع.
بعدها، جاء وقف إطلاق النار، وخطب عيسى، فبدا للحظة أن الحياة تعود بحذر، لكن في يناير الماضي، أصيب بشظية بصدره أثناء غارة إسرائيلية على سوق في المواصي، وقمنا بدفن عيسى خلال “وقف إطلاق النار”!
عيسى ليس استثناء، فمنذ إعلان وقف إطلاق النار، قُتل أكثر من 400 فلسطيني وأصيب أكثر من 1150 آخرين، فالهدنة لم تنتهي بالموت، ولكن خفضت وتيرتها فقط، فالفرق بين “أقل” و”متوقف” ليس فرقاً بلاغياً، وهذا هو الفرق بين الحياة والموت.
خلال الحرب، توقعنا الموت وخوضنا مخاطر محسوبة وفهمنا المنطق الوحشي للبقاء، والآن، قيل لنا إن الحرب قد توقفت، لكن حياتنا لم تتغير بشكل جذري، فلا تزال الانفجارات تخلل الليل والبيوت تتساقط والأصدقاء ما زالوا مدفونين، فالشيء الوحيد الذي تغير هو اللغة الدولية وليس واقعنا.
لقد تجاوز عدد الشهداء في غزة 72 ألف شخص، وهذا لا يشمل آلاف المفقودين، حيث أقر الاحتلال الإسرائيلي، أواخر يناير الماضي، فقط بصحة بيانات وزارة الصحة الفلسطينية بشأن ذلك، وذلك الاعتراف مهم، لكن الاعتراف ليس مساءلة، فهو لا يعيد بناء المنزل ولا يعيد الموتى.
عندما يشارك المسؤولون عن الحملات العسكرية المتكررة والحصار الخانق في أطر تحمل اسم “السلام”، يصبح التناقض صارخاً، ولا يمكن إعلان السلام بينما يظل العنف الهيكلي سليماً.
ليست المشكلة في اللغة فحسب، بل هي المسافة بين اللغة والواقع المعاش، ففي غزة، لا تزال الحياة اليومية محددة بالنزوح والقيود والخسارة وما زلنا نعيش تحت القماش الممزق، وننتظر عند المعابر الخاضعة للرقابة ونحصي أسماء الذين استشهدوا خلال “وقف إطلاق النار” هذا.
إن وقف إطلاق النار ليس بياناً إعلامياً، بل هو استعادة الأمان، وعندما يغيب الأمان، وعندما لا نستطيع العودة إلى ديارنا أو التحرك بحرية، وبينما نستمر في دفن أحبائنا، فلن يكون هناك وقف لإطلاق النار في غزة.
للاطلاع على النص الأصلي من (هنا)







