بقلم محمد المصري
ترجمة وتحرير نجاح خاطر
في عام 1990، كتب المستشرق الشهير برنارد لويس مقالته المعروفة عن “جذور الغضب الإسلامي”، وقد أسهم هذا المقال، إلى جانب أعمال مؤثرة أخرى ظهرت خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، في تدشين حقبة طويلة من التحليلات الغربية حول التطرف والعنف السياسي في العالم ذي الأغلبية المسلمة.
غير أن أعمال لويس،ومثل كثير من كتابات المستشرقين والمحللين في ذلك الوقت، قللت من شأن الإمبريالية الغربية والعدوان الخارجي، وشابها قدر كبير من التعميم والمبالغة والتشويه.
ومع ذلك، فإن بعض الدراسات اللاحقة تعاملت مع ظاهرة واقعية بالفعل خصوصاً تلك التي تناولت جماعات مسلحة مثل القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية.
فقد ارتكبت هذه الجماعات المتطرفة أعمال عنف واسعة النطاق، وكان من الطبيعي أن يسعى الباحثون إلى تحليل العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية التي تغذي أيديولوجياتها المتشددة، في المقابل لم يحظ التطرف المسيحي واليهودي بالقدر نفسه من الاهتمام والتحليل.
ورغم أن الغالبية الساحقة من المسيحيين واليهود ترفض التفسيرات المتطرفة لنصوصهم الدينية، فإن من المهم تفكيك هذه التفسيرات المتشددة، خصوصاً عندما تُستخدم لتبرير الحروب أو التوسع الإقليمي أو السياسات العسكرية التي تستهدف المدنيين.
وقد تدفع الحرب التي تشنها الولايات المتحدة بالتعاون مع دولة الاحتلال على إيران والتي يجري تبريرها بشكل متزايد عبر سرديات لاهوتية مسيحية ويهودية متطرفة إلى فتح نقاش طال انتظاره حول جذور الغضب المسيحي واليهودي.
دوافع دينية
لم يُخفِ القادة السياسيون والعسكريون وصناع القرار في الولايات المتحدة ودولة الاحتلال البعد الديني الكامن وراء الحرب الحالية على إيران.
ففي الأسبوع الماضي، وصف السيناتور الأمريكي عن ولاية ساوث كارولاينا ليندسي غراهام الصراع بأنه “حرب دينية”، بينما قال السيناتور كيفن كريمر من ولاية داكوتا الشمالية إن الولايات المتحدة لديها “مسؤولية توراتية تجاه إسرائيل”.
وبحسب مؤسسة الحرية الدينية العسكرية (MRFF)، فإن قادة عسكريين أمريكيين استشهدوا مراراً بالمسيحية والكتاب المقدس باعتبارهما دافعاً للحرب التي قالت المؤسسة إنها تلقت مئات الشكاوى من عشرات الوحدات العسكرية في مختلف فروع القوات المسلحة الأمريكية منذ اندلاعها.
ووفقاً لهذه الشكاوى، أخبر أحد القادة العسكريين جنوده أن الحرب على إيران “جزء من خطة إلهية”، وأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب “مختار من قبل المسيح” لخوض هذه الحرب بهدف “التعجيل بمعركة هرمجدون”.
ورغم أن القادة العسكريين أو أعضاء مجلس الشيوخ لا يصنعون السياسات الحربية بشكل مباشر، فإنهم يؤثرون في المناخ السياسي الذي تُتخذ فيه القرارات، فعلى سبيل المثال، يُقال إن السيناتور غراهام لعب دوراً مهماً في إقناع ترامب بشن الهجوم.
“حملة صليبية” أمريكية
كما ظهرت اللغة الدينية بوضوح في تصريحات مسؤولين أمريكيين مؤثرين آخرين، سواء في سياق الحرب على إيران أو في قضايا أوسع في الشرق الأوسط.
ففي يونيو/حزيران 2025، خلال الحرب الأمريكية-الإسرائيلية الأولى على إيران، قال السيناتور عن ولاية تكساس تيد كروز إن دعم الاحتلال هو واجب توراتي، مضيفاً: “لقد تعلمت من الكتاب المقدس أن من يبارك إسرائيل يُبارك، ومن يلعنها يُلعن”.
ويُعد كروز من أبرز الأصوات المؤيدة لدولة الاحتلال في مجلس الشيوخ، وهو عضو في لجنة العلاقات الخارجية، وغالباً ما يدافع عن برامج سياسة ترامب في الشرق الأوسط.
وفي سياق الحرب الحالية، أقر وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث أيضاً بدور الدين في تفكيره السياسي.
ففي مؤتمر صحفي يوم 2 مارس/آذار، قال إنه يصلي طلباً لـ “الحكمة التوراتية” أثناء اتخاذ القرارات المتعلقة بالحرب.
وقد انعكست مواقف هيغسيث السياسية منذ سنوات في تفسيرات دينية للسياسة في الشرق الأوسط، ففي كتاب نشره عام 2020 دعا إلى ما وصفه بـ “حملة صليبية أمريكية” لمواجهة نفوذ الإسلام.
وخلال خطاب ألقاه في القدس عام 2018، حين كان مقدماً في قناة فوكس نيوز، دعا هيغسيث إلى تحقيق ما سماه “معجزة توراتية” تتمثل في إعادة بناء الهيكل اليهودي في المسجد الأقصى، ثالث أقدس موقع في الإسلام.
وقال آنذاك إن إحدى الخطوات لتحقيق ذلك تتمثل في الاعتراف بأن “السيادة الإسرائيلية على الأرض” أمر حاسم لإظهار أن هذه الأرض “هي أرض اليهود وأرض إسرائيل”، في رؤية تعكس أفكاراً متجذرة في سياسة الاحتلال منذ تأسيس دولته.
كما سبق لهيغسيث الذي يحمل وشوماً ذات رمزية صليبية ومعادية للإسلام أن هتف مراراً في إحدى الحانات بعبارة: “اقتلوا كل المسلمين”.
أما تدين ترامب الشخصي فهو موضع جدل، لكنه محاط بعدد من القادة الإنجيليين المثيرين للجدل، مثل القس جون هاغي، الذي تدعو منظمته “المسيحيون المتحدون من أجل إسرائيل” منذ سنوات إلى تبريرات توراتية للتوسع الإقليمي لدولة الاحتلال، وكذلك باولا وايت المستشارة الروحية لترامب.
وفي الأسبوع الماضي، ومع احتدام الحرب على إيران، تجمع عدد من القساوسة الإنجيليين في المكتب البيضاوي، ووضعوا أيديهم على كتفي ترامب وصلّوا من أجل حمايته وإرشاده.
حدود “إسرائيل التوراتية”
من جهتهم، استند قادة دولة الاحتلال مراراً إلى السرديات التوراتية لتبرير التوسع الإقليمي والعمليات العسكرية.
ففي سبتمبر/أيلول 2023، وقبيل الحرب التي اندلعت في 7 أكتوبر/تشرين الأول، عرض رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة خريطة لما سماه “الشرق الأوسط الجديد”، أظهرت حدوداً موسعة للدولة العبرية.
وفي مقابلة مع تلفزيون الاحتلال في أغسطس/آب 2025، قال نتنياهو إنه يشعر بارتباط كبير برؤية “إسرائيل الكبرى”، وهي تصور توراتي لحدود تمتد من العراق إلى مصر.
كما استخدم وزراء في حكومة الاحتلال، مثل إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، النصوص التوراتية مراراً للدعوة إلى توسيع حدود الدولة العبرية.
ولا يقتصر هذا التوجه على يمين الاحتلال، ففي مؤتمر صحفي عقد في فبراير/شباط، قال زعيم المعارضة يائير لابيد إن “الحدود التوراتية لإسرائيل واضحة جداً”.
وتلقى فكرة “إسرائيل الكبرى”صدى أيضاً في الأوساط السياسية الأمريكية، بما في ذلك داخل إدارة ترامب.
ففي فبراير/شباط، قال السفير الأمريكي لدى دولة الاحتلال مايك هاكابي وهو قس إنجيلي إن “الأمر سيكون جيداً لو استحوذت إسرائيل على كل أراضي الشرق الأوسط”.
كما صاغ نتنياهو الحرب بلغة ذات طابع مسياني، إذ قال في مؤتمر صحفي الأسبوع الماضي إن دولة الاحتلال ستصل إلى “الملكوت” وتمهد لـ “عودة المسيح”.
عقيدة “عماليق”
كما ظهرت الرمزية التوراتية في خطاب قادة دولة الاحتلال حول الحرب، سواء في غزة أو إيران.
فقد استحضر نتنياهو مراراً قصة “عماليق” التوراتية لتبرير عنف دولته، وتشير هذه الرواية إلى شعب توراتي يأمر سفر صموئيل الأول بإبادته بالكامل، رجالاً ونساءً وأطفالاً.
وفي أكتوبر/تشرين الأول 2023 قال نتنياهو: “عليكم أن تتذكروا ما فعله بكم عماليق، كما يقول كتابنا المقدس”.
وقد اعتبر الباحث الإسرائيلي-الأمريكي في دراسات الإبادة الجماعية راز سيغال أن هذا التصريح دليل على نية الإبادة.
وقد كرر نتنياهو الإشارة إلى “عماليق” في سياق الحرب على إيران قائلاً: “تذكروا ما فعله بكم عماليق”، حيث جاءت هذه التصريحات في ظل سياسات عسكرية أدت إلى أعداد هائلة من الضحايا المدنيين.
ففي غزة، استهدف جيش الاحتلال المدنيين والبنية التحتية المدنية بشكل متكرر، ومن بين البرامج العسكرية التي كُشف عنها برنامج يُعرف باسم “أين أبي؟”، حيث كانت قوات الاحتلال تنتظر عودة عناصر حماس إلى منازلهم ليلاً قبل قصف المباني السكنية أثناء نوم العائلات، ما يؤدي إلى قتل عائلات كاملة في ضربة واحدة.
كما سُمح، وفق تقارير، بقتل أكثر من مئة مدني عند استهداف قائد واحد من حماس فيما عُرف بنسبة 100 إلى 1.
واعتمدت دولة الاحتلال أيضاً على ما يسمى “عقيدة الضاحية”، نسبة إلى ضاحية بيروت، والتي صاغها الجنرال غادي آيزنكوت، وتقوم على استخدام قوة غير متناسبة ضد المناطق السكنية لإلحاق معاناة كبيرة بالسكان ودفعهم للضغط على قياداتهم.
ويبدو أن الحملة ضد إيران تسير في مسار مشابه، فقد أعلنت منظمة الصحة العالمية أن 13 مستشفى ومرفقاً صحياً تعرضت للقصف حتى الآن، إضافة إلى خمس مدارس، كما قضى أكثر من 1300 شخص نحبهم في الأيام الأولى للحرب، بينهم أكثر من 150 تلميذة في قصف مدرسة.
ازدواجية المعايير
وقال وزير الدفاع هيغسيث مؤخراً إن الولايات المتحدة ستمطر إيران “بالموت والدمار من السماء طوال اليوم”، مضيفاً في تصريح آخر: “الوحيدون الذين ينبغي أن يقلقوا الآن هم الإيرانيون الذين يعتقدون أنهم سيبقون على قيد الحياة”.
تخيلوا لو أن دولتين مسلمتين شنّتا عملية عسكرية مشتركة ضد مجتمع غير مسلم، واستشهد قادتهما السياسيون بالنصوص الإسلامية لتبرير الحرب، وقصفت 13 منشأة صحية وخمس مدارس وقتل 150 تلميذة في الأسبوع الأول من تلك الحرب.
من المؤكد أن رد الفعل العالمي سيكون سريعاً وحاسماً، وسيجد المحللون عشرات الدراسات الممتدة منذ كتابات برنارد لويس ، لتحليل دور الدوافع الدينية.
لكن عندما يستشهد القادة الأمريكيون وقادة الاحتلال بالنصوص التوراتية أثناء خوض الحرب، فإن البعد الديني يصبح مجرد هامش في التحليل الإعلامي والسياسي الغربي.
وخلال الأسبوع الماضي قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إن الولايات المتحدة ودولة الاحتلال تقاتلان ضد “مجانين متعصبين دينياً”.
وربما يكون الأمر كذلك، لكن ماذا ينبغي أن نقول عن القادة السياسيين والعسكريين الذين يهاجمون إيران، والذين دمّروا غزة، وهم يستشهدون بنصوص مسيحية ويهودية لتبرير أفعالهم؟
واختتم هيغسيث مؤتمراً صحفياً يوم الثلاثاء بصلاة قال فيها: “أختم بآية من الكتاب المقدس: مبارك الرب صخرتي الذي يدرب يدي على القتال وأصابعي على الحرب، هو إلهي المحب وحصني، ترسي الذي أحتمي به”.
قد لا يكون الدين العامل الوحيد في سياسات الحرب الأمريكية والإسرائيلية، لكن بالنظر إلى الحضور البارز للدين في خطاب وتفكير صناع القرار في كلا البلدين، فمن المشروع التساؤل: لماذا لا تُفحص هذه الدوافع الدينية بالجدية نفسها التي خصصها الباحثون طويلاً لتحليل “جذور الغضب الإسلامي”؟
للاطلاع على المقال الأصلي من (هنا)







