تراجع الدعم لرضا بهلوي داخل إيران مع تصاعد الانتقادات

بعد مرور أسبوعين على الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، بدأ عدد متزايد من الإيرانيين الذين رأوا رضا بهلوي كبديل للمؤسسة الحاكمة يفقدون الثقة في شخصية المعارض المنفي.

بالنسبة للبعض، جاءت نقطة التحول قبل اندلاع الحرب، عندما حث بهلوي الإيرانيين على الثورة ضد حكامهم رغم مخاطر حملة القمع الشرسة تلك، وبالنسبة للآخرين، فهذه هي دعوته الأخيرة للتظاهر خلال المهرجان الفارسي التقليدي “جهارشنبه سوري”، المقرر عقده قريباً.

في حديثها لموقع ميدل إيست آي، قالت دينا، البالغة من العمر 39 عاماً والمقيمة في طهران، بأنها اعتقدت ذات يوم أن نجل آخر ملوك إيران قد يكون قادراً على توحيد المعارضة المنقسمة في البلاد، ولكنها لم تعد تشعر بهذه الطريقة الآن.

“كلما قال دونالد ترامب شيئاً يوحي بأنه لا يأخذ بهلوي على محمل الجد، فجأة يقول بهلوي بأن الإيرانيين لا يحتاجون إلى دعم أجنبي، ولكن عندما يخشى أن تتفاوض القوى الأجنبية مع الحكومة الحالية أو تختار خياراً آخر لإيران، يبدأ في الإشادة بإسرائيل والولايات المتحدة مرة أخرى” – أمير من طهران عن رضا بهلوي

قالت: “أتمنى لو كان لديه ولو جزء بسيط من حكم والده السياسي، أو حتى حكمة والدته، لو كانت لديه لعرف كيف يستخدم الطاقة الهائلة لدى الأشخاص الذين يعارضون هذه الحكومة”.

تجدر الإشارة إلى أن جميع أسماء المتحدثين مع ميدل إيست آي في هذا الخبر مستعارة وذلك لأسباب أمنية.

كانت دينا من بين أولئك الذين شاركوا في الاحتجاجات التي عمت البلاد في يناير الماضي، والتي شجعها بهلوي والحكومتان الإسرائيلية والأمريكية، فقالت: “في ذلك الوقت، كنت آمل أن يتمكن من قيادة الحركة، لكن الآن أفكر بشكل مختلف”.

شهدت دينا القمع العنيف للاحتجاجات بشكل مباشر، ففي الوقت الذي أكدت فيه السلطات أن أكثر من 3000 شخص قتلوا عندما واجهت قوات الأمن المتظاهرين، فقد قدرت جماعات حقوق الإنسان هذا العدد بنحو 7000 شخص وأكثر من ذلك، فقالت دينا: “قبل شهرين، استمع إليه آلاف الأشخاص وخرجوا إلى الشوارع، فعلى ماذا حصلوا؟ الرصاص”.

دعوة للاحتجاج وقت الحرب

وعلى اكس، توجه بهلوي للإيرانيين يحثهم مرة أخرى على النزول إلى الشوارع، مستغلاً مناسبة احتفال تشاهارشانبي سوري، وهو احتفال قديم يسبق رأس السنة الفارسية الجديدة، لتعبئة الجمهور، حيث أشار في منشوره إلى أن الجمهورية الإسلامية تكره هذا العيد التقليدي، وبالتالي فإن الاحتفال به يمثل تحدياً للسلطات.

من الجدير بالذكر أن التقارير أشارت إلى أن إسرائيل والولايات المتحدة تأملان في أن تؤدي هجماتهما على القيادة الإيرانية، بما في ذلك مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي في 28 فبراير الماضي، إلى ثورة شعبية، ومع ذلك، لا توجد علامة على أن ذلك قد تحقق، ففي العادة، يملأ تشاهارشانبي سوري المدن الإيرانية بحشود تحتفل في الشوارع، مصحوبة بإشعال النيران والألعاب النارية، ولكن هذا العام الوضع مختلف جداً.

وتتعرض المدن الإيرانية منذ أكثر من أسبوعين لغارات جوية إسرائيلية وأمريكية، فبحسب الهلال الأحمر، قُتل أكثر من 1500 مدني، وفي مثل هذه الظروف، يرى العديد من الإيرانيين بأن الدعوة إلى احتفالات الشوارع تبدو منفصلة عن الخوف الذي يهيمن على الحياة اليومية.

يقول ماجد، وهو طالب يبلغ من العمر 21 عاماً في طهران، بأنه لم يعد يرى بهلوي كزعيم، فخلال احتجاجات يناير الماضي، يذكر ماجد كيف شاهد صديقه يموت بعد أن فتحت قوات الأمن النار، فقال: “لقد أصيب صديقي بالرصاص أمام عيني مباشرة، وما زلت لا أستطيع تقبل المشهد”.

يلقي ماجد باللوم على السلطات الإيرانية في عملية القتل، ولكنه يعتقد أيضاً بأن شخصيات المعارضة رفعت سقفها لتطلعات لم تتحقق أبدًاً، فقال ماجد: “الآن يطلب من الناس أن يذهبوا للاحتفال في الشوارع؟! هل يعرف حتى كيف هي الحياة هنا؟ يذهب الناس إلى النوم وهم لا يعرفون ما إذا كانوا سوف يستيقظون أحياء في الصباح أم لا! فنحن نخاف في كل مرة نخرج فيها من أن نتعرض لغارة جوية، فكيف علينا أن نحتفل؟”.

التطلعات التي لم تتحقق أبداً

لقد اتُهم بهلوي مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتضليل الجمهور الإيراني، فخلال احتجاجات يناير الماضي، التي أشعلتها المشاكل الاقتصادية حتى تصاعدت إلى دعوات لإسقاط الجمهورية الإسلامية، ألمح الرجال الثلاثة إلى أن المساعدة كانت في الطريق للمتظاهرين.

أما على الأرض، وبخلاف الشائعات حول قيام عملاء إسرائيليين بتشجيع المتظاهرين على الأرض وحتى تسليحهم، فقد تُرك المتظاهرون في وضع حرج مع تحرك قوات الأمن.

كان مرتضى ذو 24 عاماً مؤيداً قوياً لبهلوي، وكان يعتقد بأن شخصية المعارضة لديه خطة ملموسة لإسقاط السلطة وتوحيد الشعب، فقال: “بالنسبة للكثيرين منا ممن أنهكتهم سياسات الجمهورية الإسلامية، بدا أنه البديل الوحيد الممكن”.

يتذكر مرتضى أنه خلال الاحتجاجات، شجع بهلوي الناس على النزول إلى الشوارع، فقال مرتضى: “قال بأن المساعدة في الطريق وبأنه يستعد للعودة إلى إيران”، مشيراً إلى أن بعض الناس اعتقدوا في ذلك الوقت أن بهلوي قد يظهر قريباً في طهران، مثلما عاد آية الله روح الله الخميني من المنفى قبل وقت قصير من ثورة 1979 التي أطاحت بوالد بهلوي، فقال مرتضى: “اعتقدنا أن طائرته ربما تهبط في طهران خلال أيام قليلة، فقد صدقنا ذلك”.

من جانبها، قالت شيرين، وهي أم تبلغ من العمر 43 عاماً وتعيش في طهران، بأنها اعتقدت في البداية بالمثل بأن بهلوي كان لديه نوع من الإستراتيجية، فقالت: “كنا يائسين، فقد سئمنا من الجمهورية الإسلامية”، مشيرة إلى أن العديد من الإيرانيين وضعوا آمالهم بالفعل على بدائل سياسية مختلفة على مر السنين، مثل الإصلاحيين والرئيس السابق حسن روحاني، وحتى الإدارة الحالية لمسعود بيزشكيان، فقالت: “كل ذلك لم يؤدِ إلى أي شيء”.

“كيف يمكن لشخص أن يدعي أنه يمثل الشعب الإيراني ويبقى صامتاً عندما يُقتل الأطفال؟ وفي المقابل، يرسل بسرعة تعازيه للجنود الأجانب!” – أمير من طهران عن رضا بهلوي

بناء على ذلك، عندما تحدث بهلوي بثقة عن خططه ودعا الناس إلى الاحتجاج، افترضت شيرين كغيرها بأن لديه استراتيجية جادة، فقالت: “لقد تجادلت حتى مع أصدقائي حول هذا الموضوع، فقالوا لي: ألا ترين أن الحكومة تقتل الناس؟ ألا ترين أنه ليس لديه فهم حقيقي لإيران؟”، ولكن شيرين كانت ترفض في ذلك الوقت هذا الجدل، فقالت: “الآن أدركت أنهم كانوا على حق وأنا كنت مخطئة”.

نقد صريح

بالنسبة لآخرين، فقد عززت التطورات الأخيرة الشكوك التي كانت تراودهم دائماً حول القيادة السياسية لبهلوي، فقال أمير، البالغ من العمر 40 عاماً، وهو من سكان جرجان في شمال إيران، بأن منتقدي بهلوي يتحدثون الآن بشكل أكثر صراحة، فقال: “في الماضي، إذا انتقدته، فإن أنصاره كانوا سيتهمونك على الفور بأنك عميل للجمهورية الإسلامية، أما الآن، فقد تغير هذا الجو”، فأمير كالعديد غيره يعتقد بأن المواقف السياسية لبهلوي بدت في كثير من الأحيان غير متسقة.

في الأشهر الأخيرة، حث المعارض المنفي الولايات المتحدة على دعم الشعب الإيراني في بعض تصريحاته، فيما أصر في تصريحات أخرى على أن الإيرانيين لا يحتاجون إلى مساعدة خارجية.

يرى أمير أن مثل هذه التحولات تعكس عدم اليقين حول كيفية رؤية القوى الدولية لمستقبل إيران، فقال: “كلما قال دونالد ترامب شيئاً يوحي بأنه لا يأخذ بهلوي على محمل الجد، فجأة يقول بهلوي بأن الإيرانيين لا يحتاجون إلى دعم أجنبي، ولكن عندما يخشى أن تتفاوض القوى الأجنبية مع الحكومة الحالية أو تختار خياراً آخر لإيران، يبدأ في الإشادة بإسرائيل والولايات المتحدة مرة أخرى”.

صمت أمام الضحايا المدنيين

من جهة أخرى، فقد أثار رد فعل بهلوي على سقوط الضحايا المدنيين  خلال الحرب الجدل، فمنذ بداية الضربات الأمريكية الإسرائيلية، نشر بهلوي تعازيه للجنود الأمريكيين الذين قتلوا في الهجمات، فيما لم يصدر أي رد فعل علني على مقتل المدنيين في إيران، بما في ذلك عشرات الأطفال الذين قتلوا عندما تعرضت مدرسة في مدينة ميناب الجنوبية لضربة مزدوجة.

كان هذا التناقض مؤلماً، فتساءل أمير: “كيف يمكن لشخص أن يدعي أنه يمثل الشعب الإيراني ويبقى صامتاً عندما يُقتل الأطفال؟ وفي المقابل، يرسل بسرعة تعازيه للجنود الأجانب!”.

على الأرض، أصدرت السلطات الإيرانية تحذيرات صريحة ضد الاحتجاجات الجديدة في الشوارع، حيث أعلن قائد قوة الشرطة الوطنية الإيرانية، أحمد رضا رادان، في 11 مارس الحالي، بأن قوات الأمن “مستعدة للضغط على الزناد” إذا خرج الناس إلى الشوارع بناءً على ما وصفه بطلب العدو، محذراً من أن أي شخص يشارك في مثل هذه الاحتجاجات سيتم التعامل معه “كعدو”.

ويرى العديد من الإيرانيين أن مثل هذه التهديدات تجعل فكرة المظاهرات العامة أكثر خطورة، فرغم الانتقادات، لا يزال بهلوي يحظى بدعم بين بعض الإيرانيين الذين يعتبرونه شخصية محتملة لتشكيل حكومة انتقالية إذا انهارت الجمهورية الإسلامية.

ومع ذلك، فالمزاج السائد بين منتقدي الجمهورية الإسلامية منقسم على نحو متزايد بين اتجاهين، حيث أصبح بعض الذين رأوا فيه ذات يوم البديل الوحيد يشعرون بخيبة أمل، فيما يشعر آخرون كانوا يشككون دائماً في قيادته براحة أكبر في التعبير عن انتقاداتهم.

ويقول أمير بأن الجدل الدائر حول بهلوي قد تغير بشكل كبير، فقال: “لقد ارتكب الكثير من الأخطاء لدرجة أن انتقاده لم يعد له نفس التكلفة، ومع ذلك، هذا لا يعني أن الأمور أفضل، فنحن عالقون ومحاصرون في طريق مسدود”.

مقالات ذات صلة