بقلم نيلسون وونغ
ترجمة وتحرير نجاح خاطر
لا تمثل القنابل التي تتساقط على إيران مجرد فصل جديد من صراعات الشرق الأوسط، بل تعكس اعتداءً جوهرياً على النظام القانوني الدولي، وتصعيداً متعمداً من قوى اختارت القوة العسكرية بديلاً عن الدبلوماسية، ومقامرة خطيرة باستقرار العالم.
ومع مواصلة الولايات المتحدة بالتعاون مع دولة الاحتلال عملياتهما العسكرية ضد الجمهورية الإسلامية، يبرز سؤال ملح: هل يمكن وقف هذه الحرب المختارة؟ وربما الأهم: ما هي أهداف الحرب الحقيقية؟
هذه ليست حرب ضرورة، إذ لم تكن إيران تهاجم الولايات المتحدة أو دولة الاحتلال، بل كانت منخرطة في مسار تفاوضي عندما تعرضت للهجوم.
إنها حرب اختيارية، قررتها واشنطن وتل أبيب، وفُرضت على طهران، وتم تبريرها بادعاءات تتهاوى عند التدقيق.
وتنص المادة (2/4) من ميثاق الأمم المتحدة على حظر “التهديد أو استخدام القوة ضد سلامة أراضي أي دولة أو استقلالها السياسي”، ولا يُسمح بالدفاع عن النفس إلا في حال وقوع هجوم مسلح فعلي، لكن ذلك لم يحدث.
فالحديث الذي تستند إليه واشنطن عن “تهديد وشيك” ليس سوى ذريعة استُخدمت مراراً عبر التاريخ، من خليج تونكين إلى حرب العراق.
لقد قصفت الولايات المتحدة ودولة الاحتلال مدناً إيرانية، وقتلت قادة كباراً ومئات المدنيين، بينهم نحو 160 طفلة في مدرسة، وهذا ليس دفاعاً عن النفس، بل عدوان صريح.
ازدواجية المعايير
تبدو المفارقة صارخة، فالقوى التي تُلقي المحاضرات حول “النظام الدولي القائم على القواعد” هي ذاتها التي تمزق هذا النظام.
وهنا تبدو الرسالة واضحة، القانون الدولي يُطبق على الجميع باستثناء الولايات المتحدة وحلفائها المقربين.
ورداً على الهجمات التي بدأت في فبراير/شباط، استهدفت إيران قواعد عسكرية أمريكية في دول الخليج تُستخدم كنقاط انطلاق للهجمات ضدها، ويُصوّر الإعلام الغربي ذلك على أنه تصعيد، لكن هذا التوصيف مقلوب.
فهذه الهجمات تمثل دفاعاً مشروعاً عن النفس، ذلك أن الدولة التي تتعرض لهجوم من حقها أن ترد على القوات التي تستهدفها، بما في ذلك القواعد التي تُطلق منها الهجمات.
وما يلفت الانتباه هو ضبط النفس الإيراني، إذ ركزت طهران ضرباتها على منشآت عسكرية، لا على المدنيين، وأعلنت بوضوح أنها ستوقف عملياتها عندما يتوقف العدوان.
هذا طبعاً هو النقيض من العمليات الأمريكية-الإسرائيلية التي استهدفت مدارس ومناطق سكنية وبنى تحتية مدنية، مخلفة قتلى بشكل عشوائي دون اعتبار لقوانين الحرب.
دول الخليج بين الضغط والخوف
دول الخليج التي تستضيف قواعد أمريكية وهي السعودية والإمارات والكويت وقطر والبحرين تجد نفسها في موقف بالغ التعقيد.
فمن خلال السماح باستخدام أراضيها لشن الهجمات، أصبحت وفق القانون الدولي أهدافاً مشروعة للرد الإيراني، وكان بإمكان الولايات المتحدة وقف هذه الحرب غداً، لكن إدارة ترامب لا تبدي أي رغبة في خفض التصعيد.
ويبدو أن تأثير اللوبي الصهيوني، كما أقر وزير الخارجية ماركو روبيو بشكل غير مباشر عامل حاسم، حيث تحدد دولة الاحتلال الإيقاع، بينما تتبعها واشنطن.
أما دولة الاحتلال، فيقودها رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو الذي لديه دوافعه الخاصة لإطالة أمد الحرب، سواء لأسباب داخلية أو طموحات استراتيجية أو سعي لإزالة ما يراه تهديداً وجودياً.
وتملك دول الخليج القدرة على الضغط، لكنها عالقة بين الاعتماد على الحماية الأمريكية والخوف من الرد الإيراني.
أما الدول الأوروبية، فرغم امتلاكها أدوات دبلوماسية واقتصادية، فقد أظهرت عجزاً عن التحرك المستقل عن واشنطن.
دور روسيا والصين
ويبقى الدور لكل من روسيا والصين، اللتين أعربتا عن رفضهما للحرب غير المبررة ودعتا إلى العودة للمفاوضات، نظراً لاعتبار إيران شريكاً استراتيجياً لهما.
ترى موسكو أن إضعاف إيران يمثل خسارة استراتيجية، فيما ترتبط بكين بمصالح أوسع، إذ تعد إيران محوراً مهماً في مبادرة الحزام والطريق ومصدراً رئيسياً للطاقة.
لكن تأثير روسيا والصين يظل محدوداً، إذ أن بوسعهما تقديم دعم دبلوماسي أو طرح وساطات، إلا أن قرار إنهاء الحرب يبقى بيد من بدأها.
ويبقى السؤال، هل نحن أمام أحداث منفصلة، أم جزء من استراتيجية شاملة لاحتواء خصوم واشنطن؟
تشير الوقائع إلى نمط متكرر، الضغط على فنزويلا، التهديدات بشأن قناة بنما، قصف إيران، التلويح بالتصعيد ضد كوبا، وكل ذلك بالتوازي مع تصنيف الصين “تحدياً استراتيجياً” وروسيا “تهديداً مباشراً”.
وتكمن أهمية إيران في موقعها ضمن شبكة العلاقات الأوراسية، حيث تشكل صلة وصل بين مصالح روسيا الاقتصادية والاستراتيجية، وكذلك طرق التجارة والطاقة التي تعتمد عليها الصين، وضرب هذه الروابط يضعف خصوم واشنطن ويقوض صعودهم.
هل يمكن وقف الحرب؟
يمكن وقف هذه الحرب المختارة، لكن ذلك لن يكون سهلاً، فالأمر يتطلب ضغطاً متعدد الأطراف، ويتطلب تنسيقاً دبلوماسياً من روسيا والصين، ومواقف أكثر استقلالية من أوروبا، ودوراً أكثر فاعلية لدول الخليج، إضافة إلى دفاع المجتمع الدولي عن ميثاق الأمم المتحدة.
غير أن الأهم من ذلك هو أن يطالب الشعب الأمريكي حكومته بوقف العدوان، كما فعلت الحركات المناهضة للحروب في فيتنام والعراق.
الوقت يضيق، فكل يوم تتساقط فيه القنابل، يزداد خطر التصعيد، وتتآكل المؤسسات التي تحفظ السلام الدولي.
وإن لم يتم التحرك الآن، فإن البديل سيكون كارثياً، سنكون أمام حرب أوسع في الشرق الأوسط، اضطراب في الاقتصاد العالمي، تهديد لإمدادات الطاقة، نزوح الملايين، وربما انخراط قوى كبرى مثل روسيا والصين.
بل وقد يؤدي ذلك إلى انهيار نظام منع الانتشار النووي، وفتح الباب أمام شرق أوسط مسلح نووياً، وفي النهاية، هذه حرب يمكن وقفها، لكن فقط إذا اخترنا نحن وقفها.
للاطلاع على المقال الأصلي من (هنا)







