بقلم لبنى مصاروة
ترجمة وتحرير نجاح خاطر
في مشهد غير مسبوق، يخيم الصمت على البلدة القديمة في القدس في آخر جمعة من شهر رمضان، حيث بدت الشوارع خالية كأنها مدينة مهجورة، بعدما فرضت دولة الاحتلال إغلاقاً مشدداً على المسجد الأقصى ومحيطه، في خطوة يراها الفلسطينيون تمهيداً لفرض واقع جديد على أحد أقدس مقدساتهم.
لقد بدا شارع الواد، المؤدي إلى المسجد الأقصى، خالياً تماماً، فيما أُغلقت المحال التجارية التي تبيع الحلويات والأعشاب والملابس، وحتى الصيدليات والمقاهي الشهيرة أُجبرت على إغلاق أبوابها.
هنا لا مظاهر لرمضان، ولا أصوات لباعة، ولا زينة تملأ الأزقة كما اعتاد المقدسيون، فالمدينة التي كانت تعج بالحياة، غارقة اليوم في صمت ثقيل.
وعند مدخل المسجد الأقصى عبر سوق القطانين، الذي كان يعج بالحجاج والسياح، لا يظهر سوى عنصرين من شرطة الاحتلال يقفان عند البوابة الخضراء، يمنعان أي شخص من الاقتراب.
خوف عميق من المستقبل
وبالنسبة لسكان القدس، يحمل هذا المشهد دلالات تتجاوز اللحظة، إذ يثير مخاوف عميقة بشأن مستقبل فلسطين.
إذ جاء هذا الإغلاق بعد انخراط دولة الاحتلال في الحرب إلى جانب الولايات المتحدة ضد إيران، حيث بدأت بإغلاق المسجد الإبراهيمي في الخليل، قبل أن تمتد الإجراءات إلى المسجد الأقصى، وكلاهما يقعان في أراضٍ فلسطينية محتلة.
ورغم أن الفلسطينيين اعتادوا على القيود التعسفية، إلا أن إغلاق المسجد الأقصى خلال رمضان يُعد سابقة غير مسبوقة.
ويُعد هذا أول رمضان منذ احتلال القدس الشرقية عام 1967 يُحرم فيه الفلسطينيون من أداء صلاة الجمعة في المسجد الأقصى، حيث كان الشهر الكريم يمثل الفرصة الوحيدة تقريباً لسكان الضفة الغربية لزيارة المسجد، ولو بأعداد محدودة.
وحتى خلال جائحة كورونا، كانت الحركة في المدينة أكثر نشاطاً مما هي عليه الآن، وكانت القيود آنذاك تُدار من قبل الأوقاف الإسلامية، لا سلطات الاحتلال.
أما هذه المرة، فقد فرضت سلطات الاحتلال حظراً كاملاً على دخول المصلين، بذريعة “السلامة العامة” في ظل الحرب.
في المقابل، تبدو الأحياء الأخرى من المدينة مختلفة تماماً، حيث تعج المطاعم والمقاهي بالناس، وتبقى المعابد اليهودية مفتوحة، ما يكشف ازدواجية واضحة في تطبيق الإجراءات.
الأقصى… جوهر الهوية الفلسطينية
ويرى الفلسطينيون أن ما يجري ليس مجرد إجراء أمني، بل محاولة لفرض واقع جديد يهدف إلى تفريغ المسجد الأقصى من المصلين وفرض السيطرة الكاملة عليه.
فالمسجد الأقصى بالنسبة لهم ليس مجرد مكان عبادة، بل يمثل ركيزة أساسية في الهوية الفلسطينية.
وقالت سيدة فلسطينية من داخل الأراضي المحتلة: “المسجد الأقصى ليس فقط القلب الروحي لهويتنا، بل رمز للصمود والنضال من أجل الحرية، إنه يحمل دعاء الفلسطينيين نحو التحرير والعودة واستعادة الكرامة”.
وتتزايد المخاوف من أن يكون هذا الإغلاق مقدمة لتغيير جذري في “الوضع القائم” داخل المسجد، على غرار ما حدث في المسجد الإبراهيمي بالخليل.
ففي عام 1994، ارتكب مستوطن متطرف مجزرة بحق المصلين داخل المسجد، ما أدى لاحقاً إلى تقسيمه، بحيث خُصصت غالبية مساحته لليهود، مقابل جزء محدود للمسلمين.
ويخشى الفلسطينيون من تكرار السيناريو ذاته في الأقصى، خاصة في ظل تصاعد دعوات اليمين المتطرف داخل دولة الاحتلال لفرض سيطرة كاملة على الموقع.
من جهته، حذر عوني بزّباز، مسؤول العلاقات الدولية في الأوقاف الإسلامية، من أن استمرار الإغلاق قد يؤدي إلى تصعيد التوتر والغضب الشعبي.
أما الناشط المقدسي فخري أبو دياب، فاعتبر أن مبرر “السلامة العامة” غير واقعي، قائلاً: “الشرطة والحكومة لا تهتمان بحمايتنا، لا توجد حتى ملاجئ للفلسطينيين في القدس”.
وأضاف أن الهدف الحقيقي هو إفراغ المسجد ومنع الفلسطينيين من ممارسة شعائرهم، خاصة في رمضان.
خنق اقتصادي واجتماعي
ولا يقتصر الحصار على المسجد، بل يمتد إلى الحياة اليومية في البلدة القديمة، حيث أُجبر التجار على إغلاق محالهم، ما أدى إلى خسائر كبيرة.
وقال أحد الشبان: “كنا ننتظر رمضان لتحسين أوضاعنا، لكنهم أجبرونا على الإغلاق، حتى من يُسمح لهم بالعمل، لا يجدون زبائن لأن المدينة خالية”.
كما أغلقت قوات الاحتلال مداخل البلدة القديمة، ونشرت الجنود عند باب العامود، حيث يتم تفتيش الهويات، ولا يُسمح بالدخول إلا للسكان.
وفي مشهد يعكس واقع القمع اليومي، وقف بائع فلسطيني يحمل صينية قمح، قبل أن يتدخل شرطي من الاحتلال ويهدده قائلاً: “ارحل قبل أن أقلبها عليك، لا تجبرني على ذلك”.
وبحسب مراقبين، فإن جميع هذه الإجراءات تعكس انتقال مدينة القدس إلى مرحلة أكثر قتامة، حيث تسعى دولة الاحتلال إلى إعادة تشكيل الواقع الديني والسياسي في المدينة، مستفيدة من أجواء الحرب الإقليمية لفرض وقائع يصعب التراجع عنها.
للاطلاع على المقال الأصلي من (هنا)







