في القدس… حين يصبح مجرد البقاء مقاومة

بقلم دانيا أبو الحاج 

ترجمة وتحرير نجاح خاطر 

كنت أقف مع صديقتي قرب باب العامود، نراقب كيف بدت البلدة القديمة في القدس خالية خلال الأيام الأخيرة من شهر رمضان، حين لاحظنا أننا أصبحنا محاطتين بأكثر من عشرة من عناصر شرطة دولة الاحتلال المدججين بالسلاح.

وفي وضع صُمم لبثّ الرعب، اقترحت صديقتي أن نغادر حفاظاً على سلامتنا، وبينما كنا نبتعد، أدركنا الواقع الجديد الذي فرضته دولة الاحتلال، إنها حالة عامة من الخوف الداهم، أكثر رسوخاً من أي وقت مضى.

وطوال تلك الليلة، تجولنا في شوارع القدس، نتحدث عن مدى التغير الذي أصاب مدينتنا خلال السنوات القليلة الماضية، فالمدينة التي كانت تزدحم بالعبّاد المتجهين إلى الصلاة، تحولت اليوم إلى فضاء شديد العسكرة.

وها قد استعدنا في أذهاننا مشاهد تعود إلى عقد مضى، حين خرج المقدسيون بالآلاف إلى الشوارع احتجاجاً على نصب الحواجز الأمنية في المسجد الأقصى، رافضين أي شكل من أشكال سيطرة دولة الاحتلال على مقدساتهم، أما اليوم، فإن مشاهد مماثلة سوف تُقابل بقمع عسكري عنيف وعقوبات انتقامية قاسية.

ومع استمرارنا في السير، رأينا قوات الاحتلال توقف شباناً فلسطينيين بشكل عشوائي، وتخضعهم لعمليات تفتيش جسدي مهينة، دون أي مبرر، في ممارسة استفزازية أصبحت اليوم أمراً معتاداً في القدس.

خلال زيارتي للبلدة القديمة، لم أتمكن من دخول المسجد الأقصى سوى مرة واحدة فقط. وحتى حينها، كانت معظم الأبواب مغلقة بأوامر سلطات الاحتلال، مع تحديد مسار ضيق عبر حواجز معدنية، وانتشار أمني مكثف.

ترسيخ السيطرة 

ومنذ اندلاع الحرب على إيران، فرضت سلطات الاحتلال إغلاقاً مشدداً على المسجد الأقصى، بذريعة حماية المصلين. 

غير أن المفارقة تبدو صارخة في ظل أكثر من عامين من الإبادة في غزة، إلى جانب سياسات القمع المستمرة التي تستهدف الفلسطينيين في مختلف أنحاء الأراضي المحتلة، والتي تنفذها سلطات الاحتلال والمستوطنون في كثير من الأحيان بشكل مشترك.

ويبدو واضحاً أن دولة الاحتلال تستخدم الحرب على إيران كذريعة واهية لتوسيع سيطرتها على المواقع الدينية في القدس وسائر الأراضي الفلسطينية المحتلة.

ويتجلى ذلك بوضوح في الإجراءات الأخرى التي طالت هذه المواقع مؤخراً، ومنها قرار سحب صلاحيات التخطيط والبناء من بلدية الخليل فيما يتعلق بالمسجد الإبراهيمي، ونقلها إلى جهات إسرائيلية.

كثير من النقاشات التي دارت مؤخراً بيني وبين الأصدقاء والعائلة في القدس تركزت حول غياب أي أفق للمستقبل في فلسطين، في ظل قبضة الاحتلال المتزايدة، أينما تنظر، يحدق بك واقع متدهور يكسر روحك مرة بعد مرة.

ولا أعلم إن كانت هناك قدرة لغوية كافية تمكّنني من التعبير حقاً عما يعنيه أن تكون فلسطينياً.

وأشارت صديقتي، وهي خريجة مؤسسة سعيد، إلى مدى انفصال طلبات المنح الدراسية عن واقعنا، إذ يُطلب منا وصف خططنا لخمس أو سبع سنوات مقبلة، بينما تبقى الأسئلة الحقيقية التي نواجهها يومياً هي: هل سنبقى على قيد الحياة؟ وهل سيبقى لنا منزل؟

وفي حديث مع صديقة أخرى، شكوت من الطوابير الطويلة والمهينة على الحواجز، بعد أن قضيت تسع ساعات في يومين مختلفين خلال أسبوع واحد للتنقل بين القدس ورام الله. وعندما وصفت لها مدى الإذلال الذي شعرت به، قالت لي: “إنهم يريدون أن يغضبونا، يريدون أن نفقد عقولنا، لكن لأنك لا تريدين منحهم ما يريدون، عليك ألا تسمحي لذلك بأن يؤثر عليك”.

ونادراً ما أتحدث عن تجربتي الشخصية كفلسطينية، رغم أنني عملت في قضايا تتعلق بفلسطين على مدى السنوات العشر الماضية، ربما لأنني كنت أعتقد أنني أكثر حظاً قليلاً، كوني عشت حياة أقل قسوة مقارنة بغيري من الفلسطينيين في القدس.

لكن في الواقع، هذا الشعور صُنع بفعل الاحتلال، الذي نجح في تفكيك التجربة الفلسطينية وفق الموقع الجغرافي، كأداة مركزية في نظام الفصل العنصري، ما يخلق وهماً بالامتياز لمن يتعرضون لقدر “أقل” من القمع.

عقود من الإفلات من العقاب

في مثل هذه اللحظات، يطغى عليّ إدراك مدى اعتيادنا على أشكال أقل قسوة من القمع، تحت غطاء “الامتياز”، ففي مدينة تكون فيها على تماس مباشر دائم مع المحتل، يصبح مجرد الاستمرار في الوجود هو وسيلة المقاومة الوحيدة.

إن الوضع الراهن في الأراضي الفلسطينية المحتلة يضع المجتمع الدولي أمام مفترق طرق حاسم، فتجاهل دولة الاحتلال التام للقانون الدولي هو نتيجة مباشرة لتقاعس المجتمع الدولي المستمر.

لقد مضت عقود من الإفلات من العقاب التي مُنحت لدولة الاحتلال، ولم يعد من الممكن مواجهتها ببيانات إدانة فارغة.

فإذا كان العالم جاداً فعلاً في حماية النظام الدولي القائم على القواعد، فعلى الدول اتخاذ إجراءات اقتصادية ودبلوماسية أكثر صرامة، وإلا فإن العواقب ستكون كارثية على الجميع.

وفي روايته “1984”، وصف جورج أورويل مشاعر بطله وينستون في عالم كئيب، حيث تتولد مشاعر السخط والاغتراب داخل مجتمع شمولي.

وكتب: “كان يتأمل بمرارة في طبيعة الحياة المادية، هل كانت دائماً هكذا؟ كان هناك دائماً في معدتك وعلى جلدك نوع من الاحتجاج، شعور بأنك سُلبت شيئاً كان من حقك”.

وأضاف: “صحيح أنه لم تكن لديه ذكريات عن شيء مختلف بشكل كبير، فلماذا يشعر بأن هذا غير محتمل، إن لم يكن لديه نوع من الذاكرة المتوارثة بأن الأمور كانت مختلفة يوماً ما؟”.

لا أعلم إن كانت هناك لغة قادرة حقاً على وصف ما يعنيه أن تكون فلسطينياً، أتقن اللغتين العربية والإنجليزية، ومع ذلك، فإن كل الكلمات الموجودة عاجزة عن التعبير عن الحياة التي سُلبت منا، وعن التجربة التي حُرمنا من عيشها.

دائماً، وفي كل جزء من كيان الإنسان، يوجد شعور بالاحتجاج، شعور مبرر بالكامل.

للإطلاع على النص الأصلي من (هنا)

مقالات ذات صلة