بقلم عمر عاشور
ترجمة وتحرير مريم الحمد
في العام الأول من الغزو الروسي على أوكرانيا، كنت قلت بأن المخزونات الدفاعية غير الملحوظة لما يسمى الجنوب العالمي لا تزال تحتفظ بأنظمة دفاعية سوفيتية قديمة يمكن إعادة توظيفها للدفاع الفوري عن أوكرانيا، وهي ليست استراتيجية كبرى بقدر ما هي بمثابة فجوة مؤقتة لتوليد القوة في حين تلحق الصناعة الغربية بالركب.
وقد استندت في هذه الحجة إلى خوف بسيط يختزنه كل مخطط استراتيجي، ففي أي معركة استنزاف، ما يهم ليس فقط ما تملكه على الورق، بل مدى السرعة التي يمكنك بها تحويل المخزونات إلى طلعات جوية والمشتريات إلى قوة قتالية مستدامة.
وبعد 4 سنوات، تكمن المفارقة الإستراتيجية في أن اتجاه حركة المرور قد انقلب، حيث ظلت أوكرانيا عنصراً متلقياً للأنظمة الغربية، ولكنها أصبحت أيضاً منتجاً للتعلم العملياتي ومصدراً لمنطق فضاء المعركة ودروس المشتريات وأساليب مكافحة الطائرات بدون طيار.
لقد انتهت “عطلة أوروبا الطويلة من التاريخ”، حيث تشير استراتيجية الدفاع الحالية في منطقة الخليج ضد الهجمات الجوية والصاروخية إلى ضرورة استيعاب الدرس نفسه، ليس على المستوى المسرحي بل على المستوى المؤسسي، فمنذ سبعينيات القرن الماضي، اعتمدت البنية الأمنية في الخليج بشكل كبير على الوجود الأمريكي المتقدم والدفاع الصاروخي، لكن حجم الهجمات الأخيرة يوضح الحدود التي تقف عندها حتى الأنظمة المتقدمة عندما تواجه غارات جماعية متعددة النواقل.
وعليه، فإن الدرس المستفاد هو توسيع الشراكات وتكييف البنية الدفاعية نحو طبقات أكثر قابلية للتطوير لمكافحة الطائرات بدون طيار، وهنا يأتي دور أوكرانيا بشكل كبير.
لم تعد حرب الطائرات بدون طيار في أوكرانيا أمراً تكتيكياً جديداً، بل أصبحت عاملاً محورياً في عمليات الخطوط الأمامية، مع وجود حلقات ردود الفعل المستمرة بين المشغلين والصناعة.
في عام 2025، خططت وزارة الدفاع الأوكرانية لشراء حوالي 4.5 مليون طائرة بدون طيار من منظور الشخص الأول (FPV) منتجة محلياً، وهو رقم يشبه التعبئة الصناعية وليس “مسرح الابتكار”، فالحجم يحرك الطلب.
وفقاً للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، خلال فترة الشتاء التي دامت 3 أشهر، أطلقت روسيا أكثر من 14670 قنبلة جوية موجهة، و738 صاروخاً، وما يقرب من 19000 طائرة بدون طيار هجومية بمتوسط يزيد بشكل مريح عن 200 طائرة بدون طيار هجومية يومياً.
ومن هذا المنطلق، فالنقطة المهمة بالنسبة لمخططي الخليج ليست في أن الخليج يجب أن يكون انعكاساً لجغرافية أوكرانيا، بل بأن القوات الأوكرانية اضطرت، كل ليلة، إلى حل أصعب مشكلة دفاع جوي وهي كيفية التصدي للغارات الجماعية المختلطة دون إفلاس المدافع.
تهديد مركب
كان هذا التكيف دورياً وليس خطياً، فعندما أدت الحرب الإلكترونية إلى جعل مركبات FPV المرتبطة بالراديو أقل موثوقية في أوكرانيا، انتشرت الطائرات بدون طيار المربوطة بالألياف الضوئية، وعندما بدأ الأوكرانيون في التعرف على الأنماط والتصرف وفقاً لها، قام الروس بتنويع طرقهم وزيادة حجم الهجمات فخلطوا الطائرات بدون طيار.
وقد أشار المسؤولون الأوكرانيون إلى الأهمية المتزايدة للطائرات بدون طيار المصنوعة من الألياف الضوئية، لأنه من الصعب التشويش عليها، وبالتوازي، يستخدم الجنود في أوكرانيا أدوات مرتجلة، مثل الشباك أو الحواجز للمساعدة في وقف الهجمات الروسية، مما يعزز الدرس الذي يجب على جيوش الخليج والجيوش الأخرى أن تنتبه إليه، وهو أن القدرة على البقاء هي نتاج مشترك لأنظمة باهظة الثمن وتخفيف رخيص وقابل للتطوير.
إن التهديد الذي يشكل أمن الخليج لا يتمثل في صاروخ واحد أو طائرة بدون طيار، بل في بنية هجومية مركبة، تشمل صواريخاً باليستية للسرعة والتأثير المدمر وصواريخ كروز للاختراق على ارتفاعات منخفضة وتوجيه ضربات دقيقة وطائرات بدون طيار هجومية أحادية الاتجاه وذخائر متسكعة للتشبع والخداع والإكراه وفرض التكاليف.
لا شك من أن القصد من ذلك عملي وسياسي، حيث يهدف إلى الضغط على البنية التحتية الحيوية من الموانئ والمطارات والطاقة ومصافي التكرير وعقد تحلية المياه، مع استنفاد مخزون المدافع الاعتراضي ودورات اتخاذ القرار.
وتظهر الإحصائيات الرسمية حجم الطلقات الإيرانية الافتتاحية، حيث تم رصد 186 صاروخاً باليستياً و812 طائرة مسيرة باتجاه الإمارات، والكشف عن 101 صاروخ باليستي و39 طائرة مسيرة و3 صواريخ كروز باتجاه قطر، بالإضافة إلى مئات أخرى تم رصدها أو تدميرها من قبل البحرين والكويت.
لقد أصبحت أوكرانيا، التي تواجه هجوماً جوياً متواصلاً، المدرسة الأكثر خضوعاً للاختبار على مستوى العالم في مكافحة الإرهاب من الجو، فمن المصلحة الاستراتيجية للخليج ألا تسقط أوكرانيا في حرب غزو استعمارية في أوروبا
من خلال الأرقام التي تم الكشف عنها وحدها، كان المجموع يقترب بالفعل من 2000 تهديد صاروخي وطائرات بدون طيار، وهذا العدد مع غياب البيانات العامة للسعودية وسلطنة عمان في ذلك الوقت.
بعد ذلك، ومع مرور الأسبوع الأول من الحرب، دفعت التحديثات الرسمية العدد التراكمي إلى الأعلى، وبالتالي، لا يمكن التعامل مع الصورة الخليجية الأوسع على أنها عرضية، بل هي حملة دفاع جوي وصاروخي تحمل كل الأعباء المألوفة التي تتحملها أوكرانيا من الاستعداد والقدرة على الصمود والمخزونات والتجديد.
مسألة الاستدامة
إن نقطة البيانات الأكثر كشفاً في هذه الحرب لا تقتصر على عدد الأهداف التي تم اعتراضها فحسب، بل أيضاً على عدد الجولات المتطورة التي أنفقت للقيام بذلك، وما يعنيه ذلك بالنسبة للاستدامة.
وفقاً لزيلينسكي، فقد أنفقت دول الشرق الأوسط أكثر من 800 صاروخ باتريوت للدفاع الجوي خلال الأيام الثلاثة الأولى من الصراع، وهو حجم أعلى بكثير مما استخدمته أوكرانيا خلال الحرب الروسية ضدها، ولكن هل يمكن التحقق من ذلك باعتباره رقماً دقيقاً ومدققاً؟ ليس بشكل واضح، فلا وزارات الدفاع الخليجية ولا البنتاغون تنشر سجلاً عاماً للنفقات طلقة تلو الأخرى، ولا تُترجم إحصائيات التهديدات العامة للصواريخ والطائرات بدون طيار تلقائياً إلى أعداد اعتراضية، فقد يتم إطلاق صواريخ اعتراضية متعددة في كل حادث.
وبالتالي، ينبغي قراءة حصيلة زيلينسكي بحذر، باعتباره تحذيراً سياسياً مستنيراً أكثر من كونه رقماً يمكننا التصديق عليه بشكل مستقل، لكن التحذير الاستراتيجي الذي أطلقه مدعوم بقوة، فالدفاع الجوي الحديث يمكن أن يستهلك إيقاعات الإنتاج السنوية في أيام.
من ناحية أخرى، فقد سلط أندريوس كوبيليوس، المفوض الأوروبي لشؤون الدفاع والفضاء، الضوء على نفس المشكلة، حيث قال بأنه تم استخدام ما يقرب من 700 صاروخ باتريوت اعتراضي خلال فترة 4 أشهر في أوكرانيا، مشيراً إلى أن شركة لوكهيد مارتن أنتجت 600 صاروخ PAC-3 فقط في عام 2025.
أضف إلى ذلك حقيقة أن إيران أطلقت مئات الصواريخ وأكثر من 1000 طائرة بدون طيار على دول الخليج منذ 28 فبراير الماضي، مما قد يشكل العمود الفقري لحجة زيلينسكي، حتى لو تعاملت مع الرقم 800 على أنه تقريبي.
اختبار المعركة
إن التكيف مع ساحة المعركة في أوكرانيا ليس قصة أخلاقية، بل هي خطة المشتريات وتصميم القوة، ولهذا السبب، هناك “سباق” لتبني تقنيات وتكتيكات وإجراءات أوكرانية مضادة لـ “شاهد” وتبني فلسفة “جيدة بما فيه الكفاية” في العمليات، لأن الأنظمة الرائعة عالية التقنية وحدها لا يمكنها مواكبة الطلب على نطاق واسع.
لقد بدأ بالفعل نقل المعرفة، حيث بدأ المسؤولون القطريون والغربيون يستكشفون الطائرات بدون طيار الاعتراضية الأوكرانية وطرق الكشف وأساليب التشويش باعتبارها مكملات أرخص للصواريخ الاعتراضية من طراز باتريوت.
وفي الوقت نفسه، يستعد المصنعون الأوكرانيون للتصدير، حيث نقل تقرير لرويترز عن أحد المنتجين قوله بأن طائرته الاعتراضية من طراز P1-SUN أسقطت أكثر من 2500 طائرة بدون طيار معادية في 4 أشهر، مع ادعاءات بقدرة إنتاجية شهرية عالية، والخلاصة العملية لمخططي الدفاع في الخليج ليست تقليد أوكرانيا ميكانيكياً، بل تقليد دورة التكيف والمنطق المعماري.
وللدفاع ضد التهديدات الجوية، يجب على دول الخليج إعطاء الأولوية للشبكات متعددة الطبقات والقابلة للتطوير، من أجهزة الاستشعار الموزعة والحرب الإلكترونية والمدافع المحمولة والصواريخ الاعتراضية الحركية منخفضة التكلفة والقيادة والسيطرة المتشددة والحماية السلبية للبنية التحتية الحيوية، مع الحفاظ على أنظمة الدفاع الصاروخي باتريوت/ثاد/إيجيس في الحالات التي تكون هناك حاجة إليها حقاً.
ويعد الهدف هو البقاء على الجانب الأيمن من حدود القدرة على تحمل التكاليف الدفاعية من خلال تعظيم قيمة الأصول المحمية لكل وحدة تكلفة، وضمان أن التكلفة الهامشية للمهاجم لإضافة طائرات بدون طيار ترتفع بشكل أسرع من التكلفة الهامشية للمدافع لإيقافها.
بالتالي، فإن تجربة أوكرانيا تشكل أهمية بالغة ليس فقط للدفاع عن أوروبا، بل وأيضاً للدول الأصغر التي تواجه معتدين أكبر بما في ذلك العديد من الدول في الخليج.
لقد أصبحت أوكرانيا، التي تواجه هجوماً جوياً متواصلاً، المدرسة الأكثر خضوعاً للاختبار على مستوى العالم في مكافحة الإرهاب من الجو، فمن المصلحة الاستراتيجية للخليج ألا تسقط أوكرانيا في حرب غزو استعمارية في أوروبا.
للاطلاع على النص الأصلي من (هنا)







